خارج المكان: كيف تسيطر الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية على اللغة العربية؟

خارج المكان: كيف تسيطر الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية على اللغة العربية؟

في كتابه الذي صدر بعنوان "لغة خارج المكان: استشراق، استخبارات واللغة العربية في إسرائيل"، يقول د. يوناتان مندل من قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة بئر السبع والباحث في معهد فان لير، إن أقل من 1% من اليهود في إسرائيل يستطيعون قراءة كتاب باللغة العربية، و1.4% يستطيعون كتابة رسالة بالبريد الإلكتروني بهذه اللغة، علمًا أن العربية هي اللغة الرابعة على مستوى العالم واللغة السائدة في المنطقة، إضافة إلى أنها لغة 20% من سكان إسرائيل العرب.

ويكشف الباحث كيف جرى تحويل اللغة (العربية) إلى سهم عداء بأيدي متحدثيها عوضًا عن جسر للسلام، وذلك عبر تعليم اللغة العربية بطريقة ولدواعٍ أمنية، وتحويل الغاية من تعليمها إلى مأسسة وتعزيز الفصل بين اليهود والعرب الفلسطينيين خدمةً لمصلحة سياسية.

ويسعى الكتاب، وهو بحث كان قد نال عليه مندل شهادة الدكتوراه، إلى سبر غور العلاقة بين الجهاز الأمني والأطر التربوية المختلفة، وكيف خضع جهاز التعليم دون معركة، كما يقول، لحاجات الجيش الإسرائيلي وجرى إرساء شبكة علاقات قائمة على أهداف مشتركة، وعلى دعم اقتصادي من قبل الجهاز الأمني لبرنامج تعليم اللغة العربية في المدارس.

هكذا يصير حال اللغة عندما يكون الحافز الأساسي لتعليمها من قبل وزارة المعارف، هو زيادة الدعم الاقتصادي المقدم من الجيش الإسرائيلي لبرنامج تعليم اللغة العربية، مقابل إقناع الطلاب الذين يتعلمون هذه اللغة بالالتحاق بسلاح الاستخبارات، وعندما تنجح الوزارة في الحصول على ميزانيات لبرنامج تعليم اللغة العربية، ولا تنجح بموازاة ذلك في تعزيز قابلية تعليم هذه اللغة بين الطلاب اليهود.

ويبيّن الباحث كيف صُمم برنامج بتعليم اللغة العربية، بحيث يخدم احتياجات الجيش الإسرائيلي الاستخباراتية من خلال قسم "لسان الصحافة" و"برنامج زيارات" جرى تنفيذه برعاية الحكم العسكري للقرى والمدن العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وبواسطة مسابقة عربية قُطرية جرى تنظيمها من قِبل قسم رعاية تعليم الاستشراق في سلاح الاستخبارات.

والغريب، كما يقول مندل، أن توظيف تعليم اللغة العربية لصالح أغراض الجيش الإسرائيلي الأمنية لم يقفز أيضًا عن معهد دراسات السلام في "جفعات حفيفة"، التي بدأت منذ عام 1966 بتمرير دورة "استشراقية" مكثفة لتعليم اللغة العربية، من بين أهدافها تأهيل شباب لـ"عمل ميداني" (في إشارة إلى اختيار الالتحاق بسلاح الاستخبارات، كما يقول مندل)، في شرح الموضوع العربي أو نشاط في أوساط العرب او في مجال الترجمة وتغطية الأحداث.

وفي حين تعمل على إعداد المنهاج الدراسي في اللغة العربية دائرة "تنمية دراسة الاستشراق" في الاستخبارات العسكرية، يتألف درس اللغة العربية المعد للمرحلة الإعدادية، على سبيل المثال، والذي يمرره الجنود من أربع مهمات: اكتشاف مكان العملية بمساعدة كلمات متقاطعة؛ الحصول على معلومات عن منفذ العملية، مثل أن شاربًا على وجهه وشعره أسود؛ فك رموز محادثة بالعربية وتتعلق بنقل أسلحة؛ واكتشاف توقيت الهجوم.

ووفقًا لهذا المنهاج، فإنه "إذا نجح التلاميذ بترجمة جملة بالعربية، بالإمكان القول إنه بسبب معرفتهم للغة العربية، أنقذوا الكثير من تلاميذ مدرستهم، وأن اللغة العربية ضرورية من أجل وجود تعايش في دولة إسرائيل".

أما في المرحلة الثانوية، فيستمر التركيز على النواحي الأمنية من خلال إبداء الفخر والاعتزاز بعمليات اغتيال قادة فلسطينيين وعرب نفذتها إسرائيل، مثل خليل الوزير (أبو جهاد) ويحيى عياش، وعباس موسوي. وفي الصف الحادي عشر يتعلم التلاميذ عن تأثير المصادر الإسلامية القديمة على "أنماط نشاط داعش وحماس"، وفي الصف الثاني عشر يتعلم التلاميذ عن "تصاعد الجهاد العنيف في أوروبا، في إطار حلم المسلمين بسيطرة الدين الإسلامي على العالم كله".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص