الضحية تحتاج لمشروعها

الضحية تحتاج لمشروعها

لم يحصل أن صفعَنا الواقعُ بمثل هذه القوة بعبرة واضحة مفادها أن الضحية تحتاج لمشروعها السياسي الخاص بها، وأن المناورات المتذاكية - خارج مشروع سياسي واضح نحمله ويتعلّق بطبيعة النظام - هي مناورات تفتقد للمرجعية السياسية.

وعندما يفتقد أداؤنا أمام مؤسسات الدولة ووزرائها لمشروع سياسي واضح، عندها لا حدود للحرمات السياسية التي يمكن أن تُنتهك. ودون هذا المشروع السياسي الواضح يصبح من الصعب تعريف معنى القوة والتأثير السياسيين. ويصبح من الممكن أن تقول نحن نؤثر على غانتس أو نحن نؤثر على نتنياهو، إنّما الحقيقة هي أنك تتحوّل لأداة في أيديهما. من يختصر دوره في أن يكون "وسيطا" بين شعبه وبين نتنياهو، أو بين شعبه وبين "اليسار" المزعوم دون أي رؤية سياسية مرجعية تضبط تلك الوساطة، ينتهي به الأمر بتحقيق نجاح باهر: تنجح الوساطة بين الطرفين، لدرجة تتوقف فيها الحاجة لوسيط. إذا كانت السياسة عملية وساطة، فهنالك دائما من يقوم بالمهمة أفضل من الأحزاب العربيّة.

المواطن في دولة طبيعة له مطالب، أمّا المواطن في دولة معادية فلا يستطيع أن يكتفي بـ"مطالب"، على المطالب أن تمثّل رؤية سياسية تتجاوزها.

أما "الرؤية السياسية" التي حكمت المشتركة خلال سنواتها الخمس فيلخّصه شعاران: الشعار الأول "لا لاستفزاز اليسار"؛ والشعار الثاني "لا لبيبي". وهما شعاران يؤسسان عمليا للخروج من السياسة أكثر بكثير مما يؤشران للانخراط فيها. فإذا كنت لا ترى اليمين شريكا في أيّة عملية تغيير فعلية (وهذا طبيعي وصحيح) وإذا كنت لا تريد استفزاز اليسار (وهذا غريب فعلا، غريب أن تضع الضحية لنفسها سقف عدم استفزاز القامع والامتناع عن محاولة إخراجه من قواعد لعبة لا تنصفها)، فما هي مساحة المناورة السياسة الحقيقية التي بقيت لك؟ لا شيء. الخيار الوحيد الذي بقي هو إنتاج خطاب تأثير وهمي، يستعمله شعبنا لمحاسبتنا بالرغم من وهنه.

لا تكمن الحاجة إلى مشروع سياسي حقيقي في كونه الإمكانية الوحيدة لفعل سياسي يخرجنا من خطاب التأثير الوهمي فحسب، بل أيضًا في كونه المشروع الوحيد القادر على إيقاف هذا الانهيار في الأخلاق وفي السياسة. فالروادع الأخرى مثل: الموازنة ما بين القومي والمدني، والاهتمام بمصلحة مجتمعنا، والمطالبة بحقوقنا مع الحفاظ على الهوية والانتماء، أصبحت خطابا يحمله الجميع، حتى مرشّحو الأحزاب الصهيونية، وحتى من لا يريد مهاجمة نتنياهو (أحيل لستاتوس لخالد عنبتاوي، عضو اللجنة المركزية للتجمع، نشر يوم الإثنين).

نحن بحاجة إلى لمشروعنا السياسي أخلاقيا الآن، وليس فقط سياسيا، لأننا في مرحلة أصبحت فيها الثوابت التقليدية ("انتماؤنا" و"هويتنا") لا تعني شيئا، وتحولت إلى صفة سائلة، لا شكل ولا ضوابط لها، بالتالي هي تستطيع أن تكون مرافقة لأي خطاب سياسي بما في ذلك خطاب العضوية في الأحزاب الصهيونية.

إنّ تغيّر المراحل السياسية يحتّم تغيّر الفكر السياسي، فإسرائيل لم تلغ المسافة بين التسوية والتصفية في ما يتعلق بالمشروع الوطني الفلسطيني العام فقط، بل ألغته هنا أيضا في الداخل. فلم تعد هنالك إمكانية تسوية أو مناورات يتيحها لنا هامش المواطنة المعروض لنا من قبل إسرائيل، فالأخيرة لم تعد تحتمل هذا الهامش، أو بالأحرى لم تعد تحتاجه كتغطية وكوسيلة شرعنة، وبالتأكيد لم تعد تحتمل أي مناورة معنا عندما تصبح "الصهيونية إمكانية عربية"، كما قال أحد المحللين. في هذه الحالة، يصبح مشروعنا القائم على طرح بديل لجوهر النظام الصهيوني - على فرض أننا نتفق جميعنا أن الصهيونية إمكانية غير واردة لدينا - هو الإمكانية السياسية والأخلاقية الوحيدة لدينا ليس فقط لكي نؤدي دورا سياسيا مستقلا عن الأحزاب الصهيونية، بل أيضا أو حتى أساسا للحفاظ على رادع أمام الانهيار الأخلاقي والسياسي الحاصل.

ضمن هذا المشروع المتصادم مع الصهيونية بشكل واضح وصريح، لا يمكن للجميع، أي لمن يمثّل حزبًا صهيونيًا ومن يصوت لحزب صهيوني ومن لا يريد مهاجمة نتنياهو، ومن يدعم غانتس ، الادّعاء أنهم حريصون على "الموازنة بين الوطن والمواطنة" أو على الجمع بين "القومي والمدني"، أو على "الثوابت الوطنية". لا يستطيع ذلك إلا من يحمل مشروعا سياسيا واضحا يتعدى المطالب ويتعدى المناورات بين الأحزاب الصهيونية المختلفة. مثل هذا المشروع فقط هو من يستطيع أن يحدّد العلاقة المطلوبة بين القومي والمدني، بأن يجعل القومي مرجعية المدني، أو أن يحدد العلاقة بين الوطن والمواطنة، بأن يجعل علاقتنا مع الوطن هي مرجعية المواطنة وضابطها، وليس العكس.

وهنا علينا كأحزاب أن نختار بين هذا البقاء السياسي الحقيقي وبين البقاء التنظيمي الانتخابي الضيق، حيث نحن أمام خطر أن نغرق في اعتبارات بقاء حزبي بمعناه الضيق وقصير الأمد، وحيث الرغبة الجامحة في شيء هي في الكثير من الأحيان أسرع الوسائل لفقدانه. إن الرغبة الجامحة في نيل رضا الناس هي أسرع الوسائل لفقدان الناس، إن الرغبة العمياء تفقدنا الإدراك الحقيقي لموضوع رغبتنا. فنحن نرى الناس أقل هيبة وأقل كرامة كلما تشتد رغبتنا في أصواتهم. الأحزاب تشوّه وتستهتر بالناس، كلما احتاجت لهم، وتراهم بطريقة أكثر ذكاء وأكثر احترامًا عندما لا تستقتل في نيل رضاهم. تحتاج السياسة دائما لبعد رشيد بينها وبين الناس، لا تبتعد عنهم فتفقدهم، ولا تقترب منهم لدرجة التلاشي. إن الواقعية لا تعني الغرق في الواقع، ولا تعني السياسة في كثير من الأحيان إلا قدرتها على انتشالنا منه.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص