الجريمة و"الشاباك"!

الجريمة و"الشاباك"!

بعد أيام قليلة من إعلان نتنياهو التزامه بالحد من الجريمة المنظّمة في "الوسط العربي"، هذا الإعلان الذي أطلقه كجزء من حملته الانتخابية لكسب الأصوات، والتي صرّح بها أثناء تواجده في الناصرة ولقائه برئيس بلديتها لا شعبها، والتي قال فيها الأخير ما معناه "اللي مش عاجبه يرحل". يأتينا اليوم د. آفنير برنياع، الباحث في مركز أبحاث الأمن القومي في جامعة حيفا، والذي شغل في السابق منصبًا قياديًا في جهاز الأمن العام ("الشاباك")، (في مقالته المنشورة في موقع "واينت") باقتراح تحويل الصلاحيّة في معالجة قضية العنف المنظّم وعصابات الإجرام المذكورة إلى مسؤولية "الشاباك".

ورغم أنه يحدّد ويقترح أن يكون تحويل هذه الصلاحية لـ"فترة محدودة" إلّا أنه لا يحدّد مدة هذه الـ"فترة المحدودة" ويمكن التوقع أو الافتراض أنها ممكن أن تتراوح ما بين أشهر لسنوات. أو كما في سياسة الرقابة والضبط، فإن ما يبدو مؤقتا من منظومات السيطرة يصبح الأكثر استدامة.

يعترف برنياع أنّ هذا المقترح هو "خطوة متطرفة"، لكنّه يؤمن أنه الحل الوحيد للحد من الجريمة داخل المجتمع العربي. ويأتي هذا المقترح حسب رأيه كون الشرطة وأجهزتها غير قادرين على إنجاز المهمة، ولا تملك الشرطة أجهزة استخباراتية تضاهي منظومة "الشاباك"، كما يشير الكاتب إلى عدم ثقة الجمهور بها (وكأن الجمهور يثق بـ"الشاباك"!!). ويشدّد أن المقترح ليس خطوة يتم تطبيقها للمرة الأولى، وكانت هناك سوابق قام خلالها جهاز الأمن العام بالتدخل المباشر.

هذه الحالات التي يتحدث عنها برنياع هي ما يمكن أن نسميه بمواضيع داخلية لا تصبّ في تخصص "الشاباك" بل في نطاق عمل الشرطة.

صحيح أنّ "الشاباك" يُعتبر جزءا من أجهزة الدولة ومن أدوات الجهاز التنفيذي، لكنّ أدواته وأساليبه المستخدمة خلال التحقيق مع المعتقلين هي موقع مراقبة ونقد وإدانة من قبل منظمات حقوقية تصلها بشكل مستمر شكاوى على انتهاكات يقوم بها محققو "الشاباك". فكم بالحري حين يعطى "للشاباك" تصريح مباشر للتدخل العلني في مدننا وقرانا.

قبل أشهر عدّة، التمست مؤسسات حقوقية للمحكمة العليا ضد الأوامر المؤقتة/الطوارئ كورونا، التي شرّعت لأجهزة "الشاباك" اختراق الهواتف واستخدام المعلومات الشخصية لمعرفة تحركات المرضى/المشتبهين بالمرض أو بِلقاء مرضى. وهذه الصلاحية تخترق الخصوصية وتضرب بها عرض الحائط، وكان التخوف هو من استعمال شامل وليس حصريا للمعلومات الموجودة في هواتفنا والسيطرة على حياتنا من خلال السيطرة على الهواتف. حيث لا يمكن لأحد أن يعرف حق المعرفة هل انتهى هذا الاختراق باسم ورعاية القانون وكم هو حجمه وما هي المعلومات "الإضافية" التي جُمعت عنا جميعا.

صحيح ما يقوله برنياع عن حجم وانتشار الجريمة في مجتمعنا العربي الفلسطيني (أكثر من مائة قتيل/جريمة العام المنصرم)، ويصل إلى استنتاج مفاده أنّ الشرطة غير قادرة على معالجة الظاهرة والحد منها، لأنّها لا تملك القدرة والأدوات ويؤكد أن هذه القدرة والأدوات موجودة لدى جهاز الأمن.

أوافق مع رأيه عن انتشار الجريمة فهي معلومات منشورة ومعروفة للجميع. لكنّي لا أتفق معه بعدم قدرة الشرطة على الحد من الجريمة، ليس من المؤكد أنها غير قادرة لربما هي غير معنية. فنحن نرى التفاوت في تعامل الشرطة مع قضايا ومناطق مختلفة. وأيضا لا أوافق مع استنتاج برنياع على أنّ الحل هو تسليم هذه السلطة "للشاباك"، لفترة محدودة. حيث يدعي أن هذا الحل الذي يقترحه بنفسه يُشكّل ما يُسمى "التفكير خارج الصندوق"، لكن أخشى ما أخشاه أن نخرج من صندوق لنقع في صندوق آخر هو "صندوق حكم وسيطرة الشاباك" وتغلغله في حياتنا.

طبعا لا أدّعي - بل من البلاهة الادعاء - أن حياتنا ومعلوماتنا ليست مخترقة من قبل أجهزة "الشاباك". لكن على الأقل حتى اليوم هذه السيطرة تجري بـ"الخفاء" وبشكل محدّد ولا يجري التصريح بها علانية والكثير من الأدلة المستعملة تأتي تحت غطاء "الأدلة السرية" وما إلى ذلك.

ويتوقع برنياع أن تلقى خطوة كهذه معارضة من قبل الشرطة ووزارة الأمن الداخلي، وسيرون فيها خطوة مهينة تمس بهيبتهم، وسيرون في ذلك عدم ثقة بقدراتهم. لكنه يقول - رغم كل هذا - لا يوجد حل آخر.

من الغريب أن برنياع يتحدث عن رد فعل الشرطة، ولا يتطرّق البتة لرد فعل المجتمع العربي ولرأينا في الموضوع. بل ولا يسألنا عن رأينا في الموضوع!

يعزز برنياع مقترحه وإمكانات نجاحه بأمثلة من الماضي، تدخّل فيها "الشاباك" بقضايا تصب في المجال "الجنائي"، من ضمنها أحداث وادي الصليب عام 1959. يومها أخذ "الشاباك" على عاتقه مساعدة الشرطة في المجال الاستخباراتي "بهدف منع أعمال عنف وتخريب". حيث أنشأ "الشاباك" وحدة خاصة شغّلت بالخفاء حوالي خمسين مُخبرا في ما يقارب الخمسة وثلاثين من البلدات اليهودية، واستمرت بالعمل حتى "ساد الهدوء" كما يقول يرنياع. وقبل ذلك، يؤكّد مع بداية سنوات الخمسينيّات كان "للشاباك" دور نشط في مجمعات "القادمين الجدد" وجرى العمل على منع السوق السوداء والحفاظ على النظام والأمن. وكذا حدث في نهاية السبعينيات، حيث ظهرت الجريمة المنظّمة التي تورطت فيها أيضا شخصيات عامة وضباط جيش أكدت لجنة التحقيق في الموضوع برئاسة المحامي أرفين شمرون، المدع السابق في النيابة العامة، أن هناك جريمة منظمة في البلاد، وأوصت بجهوزية ملائمة. وتوجه شمرون لرئيس "الشاباك" في حينه، يوسف هرملين، وطلب أن يأخذ التنظيم على عاتقه مسؤولية القضاء على الجريمة. وكان رد هرملين أن هذا ليس من دور "الشاباك"، لكنه اقترح المساعدة المحدودة في القيام بالتنصت غير المعلن.

تكملةً لفكرته، يقترح برنياع البدء بإنشاء جسم استخباراتي في جهاز الشرطة يُشبه "الشاباك" في مبناه التنظيمي وقدراته التكنولوجية وأن يُدرّب العاملون فيه من قبل جهاز الأمن العام، ويخضع مباشرة لإمرة المفتش العام للشرطة.

يؤكد الكاتب أنّ محاربة الجريمة المنظّمة تتطلب قدرات وأدوات استخباراتية غير موجودة اليوم لدى الشرطة. وفي المقابل، فـ"للشاباك" خبرة هائلة في المجال وله القدرة والمعرفة بكيفيّة التعامل بالخفاء مع الجريمة المنظّمة، والأفراد من خلفها. خاصّة أنّ جهاز الاستخبارات الذي يملكه الأمن لن يبدأ من نقطة الصفر ولديه معرفة عميقة بالوسط العربي منذ 1948، وخاصّة قدرة الرّدع عنده، على عكس الشرطة. وباعتبار برنياع، فإنّ هذه المقومات هي مقومات أساسية للنجاح في هذه القضية.

يعتمد برنياع في مقترحه على أنّ الخطوة التي يقترحها قانونية، حيث يشمل قانون "الشاباك" بندًا يتيح له القيام بـ"أنشطة في مجال آخر الذي تحددها الدولة... ومنها المحافظة على مصالح ضرورية لأمن الدولة وتطويرها". القصد قانون "الشاباك" لسنة 2002- بند 7 (أ6).

ويبقى السؤال هل ستوافق الحكومة على هذا الاقتراح، هل سيتبنى نتنياهو المقترح ويعطي الضوء الأخضر "للشاباك" للسيطرة العلنيّة على بلداتنا بحجة مكافحة الجريمة المنظّمة، وأين نحن من الموضوع، هل نقبل بذلك؟ هل يتبنى بعض منا الفكرة ويدعو لتطبيقها؟ هل نقبل الخروج من الصندوق، من صندوق الجريمة والدخول بصندوق "الشاباك"؟ هل هذا هو التفكير خارج الصندوق حقا؟

بالإمكان لوهلة القول فليكن. ليدخل "الشاباك" بلداتنا إن كانت النتيجة القضاء على الجريمة المنظّمة - ولا يهُم من يعالج الأمر الشرطة أم "الشاباك" المهم حل الموضوع، ممكن أن يقول البعض شرطة أو "الشاباك" كلّهم سواسية، وممكن أن يكون من يقول كفى بلاهة – لا نحتاج "للشاباك" أن يدخل بلداتنا فهو موجود فيها أصلا واستخباراته مزروعة بيننا في المدارس والساحات وأماكن العمل.

فليكن، برأيي حتى لو كان كل هذا صحيحا هناك فرق بين وجود "الشاباك" بيننا في الخفاء وبين وجوده بيننا علانيّة، هناك فرق بين محاربة سلطته ووجوده بيننا وبين القبول به بيننا، هناك فرق بين رؤيته نظامًا معاديًا يحاربنا ويلاحقنا، وبين رؤيته نظامًا علاجيًا ونظامَ ردعٍ نحتمي به ونلجأ إليه ونطلب منه أن يكون "المختار" الجديد الذي يحل مشاكلنا ويُعشش داخلنا.

مهما كان، نحن نتّهم الدولة وشرطتها بالتورط في المسؤولية عن الجريمة التي تنال من مجتمعنا الفلسطيني في الداخل. حين أرادت الدولة، نجحت الشرطة في القضاء على الجريمة في المجتمع الإسرائيلي.

لكن، في حالتنا، الدولة لا تريد.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص