تجمعنا القضية المشتركة

تجمعنا القضية المشتركة

في الحقيقة، لم أكن من أنصار الوحدة في إطار القائمة المشتركة، لأني أرى أنه إذا كان من حسنة لإسرائيل فهي "نعمة ديمقراطيتها"، التي "عمّت" علينا بالحدود التي تسمح بها مخابراتها، فأنشأت "هذه الديمقراطيّة" ما أنشأت من أحزاب وحركات وحراكات شكّلت وأغنت واقعنا السياسي وميّزتنا عن غيرنا من "العرب" ودولهم الموحدة تحت عصا الزعيم. وفي حال انسحبت، (بغياب الدولة) على سائر أبناء الشعب الفلسطيني وتمثّلت بتعدّدِ فصائل منظمة التحرير الفلسطينية قبل أن تتحوّل سلطة أوسلو إلى "نظام عربي مسخ" انشقّ لاحقًا إلى نظامين.

كما أنّني أرى أن الحسنة الأساس للمشاركة في انتخابات الكنيست هي الحفاظ على الأحزاب العربية بصفتها آلية تنظيم رئيسية للقضايا السياسية والاجتماعية والمدنية والوطنية، لأنّ ضعفها وغيابها سيؤديان إلى تقوية المجتمعات الأسرية والطائفية وآليات تنظيمها السياسي، ويعيدنا إلى عهد العشائر والحمائل والمخاتير.

ومثلما تكمن أهمية الأحزاب في أنّها تحافظ على وجود عمل وسلوك وممارسة سياسية عموما، تكمن أهمية الانتخابات في أنّها تحافظ على هذه الأحزاب وتوفر لها الصيانة الضرورية والهيكلية اللازمة للحياة السياسية، كما تقول الباحثة نجمة علي التي تدعي أنّه بدون انتخابات أو دون المشاركة في الانتخابات، هناك خطر حقيقي أن تتآكل الأحزاب ويتضاءل حجمها ويفسح المجال للبنى والأطر التقليدية، مثل العائلية والطائفية والمناطقية، الحاضرة في المجتمعات "الجماعية" مثل مجتمعنا، لملء هذا الفراغ واحتلال مواقع اتّخاذ القرار السياسي، هذا ناهيك عن انتعاش مجموعة المنتفعين "المتأسرلين" المتذيّلين للأحزاب الصهيونية.

وإذا كنّا ندرك أن أحزابنا في الكنيست ستعمل وتصوّت معًا في كل الحالات على القضايا والقوانين التي تهمّ جماهيرنا وشعبنا، حتى لو لم تكن موحدة في إطار قائمة واحدة وأن عدد النواب لا يقدّم ولا يؤخّر عندما يتعلق الموضوع بأعضاء كنيست عرب، كما علّمتنا تجربة المشتركة، ناهيك عن أن أحزابنا تجتمع كلّها تحت السقف الموحّد للجنة المتابعة، فلماذا نخسر الحراك السياسي الذي تخلقه المنافسة الداخلية بين الأحزاب، والذي يعزّز من قوّتها الذاتية كل على حدتها ويثري الساحة ويحوّل معركة الانتخابات إلى مناسبة للتعبئة السياسية والتجنيد والتحشيد؟

كان من المفيد خوض الانتخابات بقائمة واحدة لو كانت لدينا انتخابات داخلية للجنة المتابعة، على سبيل المثال، ولكن غياب مثل هذه الانتخابات وتحوّل خوض انتخابات الكنيست في قائمة واحدة إلى توليفة كراسٍ أقصى أهدافها هو الوصول إلى أكبر عدد من هذه المقاعد، يجعلنا نخطئ الهدف الذي ذكرناه سابقا ونفسد الحسنة الأساس للكنيست، المتمثلة في المحافظة على الأحزاب وتوفير الصيانة الضرورية لها، ويعرّضها لخطر التآكل، كما هو حاصل مؤخرًا حيث بدأت العائلية والطائفية والمخترة السياسية تطل برأسها من جديد.

كما أن قوتنا كمجتمع تقاس في نهاية المطاف بقوّة وتنوّع وتماسك أحزابنا وقوانا السياسية والاجتماعيّة، وليس بعدد أعضائنا في الكنيست، ولا نريد لهذه الأحزاب أن تتحول إلى مجرد قائمة انتخابية أو أكثر، خاصّة وأننا نعرف أن تأثيرنا في برلمان الدولة اليهودية سيبقى محدودًا جدًّا.

وبرغم كل ما يقال من تحفّظات على خطوة عضو الكنيست منصور عباس الأخيرة ونتائجها، فإنّ الأخير رمى حجرًا في مياهنا السياسية الراكدة وأثار عاصفة من النقاشات وطرح جملة قضايا يفترض أن يتواصل نقاشها بهدوء وروية، لأنّ خوض الانتخابات في قائمتين ليس نهاية المطاف، وما يجمع أحزابنا في الكنيست وخارج الكنيست أكثر بكثير ممّا يفرقها، خاصّة وأنّها تنتمي إلى قضية وشعب واقع تحت الاحتلال والاضطهاد والقمع والتمييز العنصري.

وبغضّ النظر عن عدد القوائم التي تخوض الانتخابات، المهم أن لا تشذَّ معركة الانتخابات عن حدود المنطق والمعقول، وأن لا تبتعد القضايا السياسية التي تشغل شعبنا وتستثمر، لغايات التعبئة والتحشيد وإغناء النقاش الجماهيري ولصالح كنس الأحزاب الصهيونية من شارعنا العربي، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية كبوصلة وطنية جامعة.

أمّا بالنسبة لاجتهاد منصور عباس، فإن أخطأ فله أجر واحد وحسابه عند مرجعيته السياسية.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص