إعدام ميدانيّ

إعدام ميدانيّ

لقي حوالي مئة ألف فلسطيني حتفهم منذ بداية الصراع مع الحركة الصهيونية، كثيرون منهم استشهدوا في مواجهات عسكرية من حملات وغزوات، وقُتل منهم كثيرون برصاص عربي، وقُتل كثيرون وهم يبادرون في أعمال مقاومة، كذلك قُتل كثيرون أثناء مواجهات بين رصاص المحتلين وحجارة المقاومين وإطاراتهم المشتعلة التي لم تكن تشكل خطرًا على الجنود.

وهناك عدد كبير ممن استشهدوا، أُعدموا ميدانيًا، أي دون أي مواجهة، قتلوا غدرًا ونذالة، وبعضهم قتل حتى وهو جريح غائب عن الوعي كما حدث للشهيد عبد الفتاح الشريف.

يبدو أن جريمة قتل رجل فلسطيني وإصابة زوجته بالرصاص لم تعد خبرًا مثيرًا للتساؤلات، ولم يعد مستحقًا لأن يكون خبرًا مركزيًا في نشرات الأخبار، على الأقل حتى آخر النهار الذي تُرتكب فيه الجريمة، فقد صاروا يمرون على مقتل الفلسطيني بالتّجاهل، أو ذكر الخبر لمرة واحدة أو مرتين دون تعقيب. أكتب هذا بعد استشهاد الفلسطيني أسامة صدقي منصور (42)عامًا، وإصابة زوجته بالرصاص، على حاجز قرب قرية بيرنبالا، وذلك في صبيحة اليوم الثلاثاء.

الحُجّة الجاهزة التي أعلنها جيش الاحتلال، هي أن السائق حاول دهس جنود، بينما قال الجنود أنفسهم إن السائق توقّف للتفتيش، ثم زعموا بأنه تحرَّك فجأة وحاول دهس الجنود على الحاجز.

أغلب الظن أنَّ مشادة كلامية نشأت لسبب ما، بين الجنود وبين الرجل الفلسطيني، ويبدو أنهم استفزُوه، فتحرّك رافضًا الأوامر بالتوقف، فأطلقوا النار عليه وأردوه قتيلا، وأصابوا زوجته، التي جلست إلى جانبه برصاصة في ظهرها، دون أن يشكل تهديدا لهم، وربما أطلقوا الرصاص عليه بدون أي سبب.

واضح أن الحادث هو ابن لحظته، فلا يعقل أن هناك من يخطِّط لعملية دهس بأن يأخذ زوجته معه، ثم أن من يريد القيام بعملية دهس لا يتوقف للتفتيش، لأن التوقّف يخفّف من قوة الصدمة الافتراضية للجنود، علمًا أنه يعرف بأن مصيره أن يقتل، ثم إنه ليس بحاجة للوصول إلى حاجز كي ينفذ عملية دهس إذا كان يريد هذا بالفعل! لأن الحواجز مجهّزة بعوائق للإطارات، ومن الصعب تجاوزها والوصول إلى الهدف، ولو افترضنا أن أحدهم قرّر القيام بعملية دهس، فإن الفرص أكثر وأسهل بكثير على نواصي الطرق.

الواضح هو أن ما جرى هو إعدام بدم بارد للفلسطيني الذي اعتادت قوات الاحتلال استباحة دمائه، وبتشجيع من المؤسسة الأمنية، التي شجعت وتُشجّع على القتل تحت ذريعة الدِّفاع عن النفس، أو بذريعة الشعور بالخطر مهما كان بسيطًا أو حتى متخيَّلا.

مقتل أسامة صدقي منصور، هو جريمة أخرى من آلاف جرائم الإعدام الميداني التي مارستها وتمارسها قوات الاحتلال. جريمة تمر بصمتٍ وتجاهل.

لم تذكَر جريمة قتل أسامة صدقي منصور وجرح زوجته في الإعلام الإسرائيلي إلا بشكل عابر، فقد انشغل الإعلام الإسرائيلي بالحديث عن نتائج الانتخابات الأخيرة، ومن أوصى بمن أمام رئيس الدولة لتشكيل الحكومة.

يتحدث كثير من الناس عن الحقبة العثمانية في الوطن العربي وفي فلسطين بوصفها الأسوأ في تاريخ الأمة العربية، وذلك بسبب سياسة التجهيل التي اتُّبعت في حينه، ويذكرون عقوبة الإعدام تلك بطريقة الخازوق البشعة في تلك الحقبة أو في فترة منها، كذلك يتحدثون عن الحقبة البريطانية التي كان الثوار يُشنقون خلالها، ويتحدّثون عن إلقاء الجنود الإنجليز للناس داخل أشجار الصبر المليئة بالأشواك، ويتحدثون عن إرغام الناس على المشي حفاة على الحصى والأشواك.

أما الحقبة الصهيونية، فسوف تُذكر على أنها حقبة الإعدامات الميدانية الكثيرة، والتي طالت آلاف الشُّهداء، معظمهم من المدنيين الذين لم يحملوا سلاحًا، ولم يشكلوا خطرًا على جنود الاحتلال.

يجب أن تعلم الأجيال القادمة من العرب وغير العرب، بأن الفلسطيني تعرَّض إلى القتل إذا ما نظر شزرًا إلى جنود الاحتلال الصهيوني، وكان يُقتل إذا وجَّه حجرًا أو ثمرة بندورة متعفنة أو شتيمة لقوات المحتلّين، وكان يُقتل على الحاجز العسكري إذا لم يتوقف بالضبط في اللحظة التي أُمر فيها بأن يتوقف، وعلى العالم كله معرفة أن الفلسطيني قد يُقتل لأنَّ أحد جنود الاحتلال شعرَ بالملل، وبأن محاولة الدَّهس أو محاولة الطعن هي ذريعة كاذبة في معظمها في معظم الحالات، وقد اتخذها جنود الاحتلال ذريعة لتنفيذ الإعدامات الميدانية ظلمًا وعدوانًا؛ إنها حقبة الاحتلال الأكثر وحشية من بين جميع الاحتلالات.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص