رأسماليّة اجتماعيّة

رأسماليّة اجتماعيّة

أضرّت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) بالمخزون من رأس المال المادي والبشري، وألغت مشاريع استثمارية، وتدهورت مهارات العمال المسرّحين والذين أُرغموا على الذهاب إلى إجازات. رغم كل ذلك، عملت الأزمة على تعزيز متغير كان موضع إغفال عادة، وهو رأس المال الاجتماعي، فرفعت دوره كمصدر أساسي للنمو الاقتصادي.

يشير مصطلح "رأس المال الاجتماعي"، الذي اشتهر بعد أن صاغه عالـِم السياسة، روبرت بوتنام من جامعة هارفارد في تسعينيات القرن العشرين، إلى "سمات المنظمات الاجتماعية، مثل الشبكات، والمعايير، والثقة التي تسهل العمل والتعاون لتحقيق المنفعة المتبادلة". يشمل هذا المفهوم الغامض بعض الشيء القيم المشتركة، والعادات السلوكية، ومصادر الثقة المتبادلة والهوية المشتركة التي تسمح للمجتمع بالعمل.

كلما ازداد رأس المال الاجتماعي الذي تتمتع به أي مجموعة، كلما تعاظم استعدادها وقدرتها على العمل بشكل جماعي في ملاحقة أهداف قيمة. وبعبارة أخرى، رأس المال الاجتماعي، هو الغراء الذي يربط المجتمعات والأمم معا. وفي ظل الظروف المناسبة، تؤدي التفاعلات الاجتماعية المتكررة والمفيدة لجميع الأطراف إلى نمو اقتصادي أسرع، ونتائج صحية أفضل، وقدر أعظم من الاستقرار.

في حالة الجائحة، قَـدَّمَ رأس المال الاجتماعي خط الدفاع الأول ضد الفيروس عندما لم تكن اللقاحات والعلاجات الطبية الـفَـعّـالة متاحة بعد. وهنا، عمل الأفراد الذين اتخذوا خطوات لمنع العدوى على تقديم منفعة عامة. وساعد كل عمل واع يهدف إلى الحد من التعرض للفيروس في تقليص احتمال انتقال العدوى إلى بقية المجتمع. بلغة أهل الاقتصاد، استوعب أولئك الذين قللوا من حركتهم وتفاعلاتهم الاجتماعية عوامل خارجية سلبية كانوا ليفرضونها لولا ذلك على المجتمع.

الواقع أن حس الارتباط بمجموعة أكبر، يحثّ الناس على تحمل التكاليف الفردية العالية المترتبة على السلوكيات الحذرة، وقد أظهرت مجموعة كبيرة ومتنامية من البحوث الأكاديمية أن التباعد الاجتماعي العفوي يكون أكثر احتمالا في الأماكن حيث الثقافات المدنية أفضل تطورا.

وعلى سبيل المثال، وجدت مقارنة عبر بلدان أوروبا أن "زيادة واحدة في الانحراف المعياري في رأس المال الاجتماعي أفضت إلى انخفاض حالات الإصابة بعدوى كوفيد-19 بنحو 14% إلى 40% نسبة إلى نصيب الفرد تراكميا من منتصف آذار/ مارس إلى نهاية حزيران/ يونيو 2020، فضلا عن انخفاض الوفيات الزائدة بنحو 7% إلى 16%.

علاوة على ذلك، تميل الأماكن حيث يكون رأس المال الاجتماعي أعلى إلى التميز بقدر أعظم من الحيوية الاقتصادية والعقلية المدنية مقارنة بالأماكن حيث يكون الناس معزولين. ليس من المستغرب إذن أن ينتشر الفيروس في المراحل المبكرة من الجائحة بسرعة أكبر في المدن المزدحمة بالسكان مثل باريس، ونيويورك، ولندن، وميلانو، حيث لم يدرك أحد ما كان في انتظارهم. ولكن بمجرد أن أصبحت الحاجة واضحة إلى تغييرات سلوكية، تبنى السكان في المناطق ذات العقلية الأكثر مدنية تدابير التباعد الاجتماعي حتى قبل فرض القيود الرسمية، وكانوا أكثر استجابة لتوجيهات الدولة اللاحقة.

كما لعب رأس المال الاجتماعي دورا أساسيا في دعم تشغيل الاقتصاد خلال أشهر من الإغلاق والعمل عن بُـعد. وفي حين ساعدت التكنولوجيات الرقمية الناس في البقاء على اتصال، فإن رأس المال الاجتماعي هو الذي أبقى على هذه الروابط حية. وظل الموظفون الذين يعملون من المنزل منتجين لأنهم اكتسبوا شعورا بالثقة المتبادلة، والهوية المشتركة، والغرض المشترك مع زملائهم. وعلى هذا الأساس، تمكن كثيرون من تطوير علاقات عمل "رقمية (افتراضية)" جديدة تماما.

في معظم الحالات، انتهى الأمر بالشركات إلى توسيع رأسمالها الاجتماعي الداخلي أثناء الجائحة. ولأن الشركات فقدت جزئيا قدرتها على السيطرة على العاملين لديها بشكل مباشر، فقد انتهت بها الحال إلى تمكينهم. ومع مزيد من المرونة في إدارة أوقاتهم وحياتهم خارج العمل، بات بوسع العديد من الموظفين تولي المزيد من المسؤولية وتسليم ناتج أعلى جودة. وفقا لدراسة مسح شملت عموم البلاد أجرته مجموعة بوسطن الاستشارية، حافظ 75% من الموظفين على إنتاجيتهم أو زادوها على الرغم من القيود التي فرضتها الجائحة.

في مكان العمل المختلط اليوم، من الواضح أن رأس المال الاجتماعي هو أحد أهم العوامل وراء هذه النتائج. على النقيض من نظيره المادي (المصانع والمعدات وما إلى ذلك)، لا يتدهور رأس المال الاجتماعي مع الاستخدام ــ بل العكس هو الصحيح. ولكن مثل أي شكل آخر من أشكال رأس المال، يحتاج رأس المال الاجتماعي إلى الحفاظ عليه وترقيته، وسوف يصدق هذا بشكل خاص في مرحلة ما بعد الجائحة.

في الظروف العادية، تتطور روابطنا وعلاقاتنا وتتوسع بمرور الوقت. مع ذلك، في غياب التدابير اللائقة لإعادة تنشيط وفتح الشبكات الاجتماعية، قد تتسبب أشهر من الإغلاق والقيود في استنفاد بعض العلاقات أو قد تؤدي إلى الفصل بين الناس إلى مجموعات متباينة. بفضل ما يسميه بوتنام "رأس المال الاجتماعي الرابط"، ربما يصبح الناس مرتبطين بشدة بمجموعة بعينها حتى أنهم يستسلمون للتعصب أو القَـبَـلية. الواقع أن الشعبوية والنزعة القومية من أشكال رأس المال الاجتماعي المنحطة التي عادت إلى الظهور في بعض الأماكن أثناء الجائحة.

لذا، ينبغي للحكومات والشركات أن تحاول بناء المزيد من "رأس المال الاجتماعي القادر على بناء الجسور"، من خلال الاستفادة من حس المسؤولية، والتضامن، والإيثار الذي نشأ خلال أزمة كوفيد-19. هذا الشكل من أشكال رأس المال الاجتماعي يربط بين الناس عبر مجموعات مختلفة، وهو ضروري لمنع الجائحة التالية ومكافحة تغير المناخ. لكن العقلية المدنية وحدها لن تكون كافية. فمن الأهمية بمكان إقناع الأفراد باستيعاب العوامل الخارجية السلبية المصاحبة لتصرفاتهم.

بوضع هذا الهدف في الاعتبار، ينبغي للحكومات أن تمد المواطنين بالمزيد من الاستقلالية، وأن تقدم ذاتها باعتبارها حافزا وميسرا أكثر من كونها مُـراقِـبة ومُـنَـظِمة. ومن جانبها، يجب على الشركات أن تبحث عن طرق لتعزيز ثقافة الثقة المتبادلة، واستثمار المزيد في التحول الرقمي، واستكشاف سبل جديدة لتنظيم العمل.

من هذا المنظور، من الممكن أن تخلف جائحة كوفيد-19 إرثا إيجابيا: قاعدة أشد قوة ورسوخا من رأس المال الاجتماعي لدعم القدر من المسؤولية والإيثار الذي يحتاج إليه العالم عندما يواجه التحديات المقبلة.


ترجمة: مايسة كامل

* إدواردو كامبانيلا: خبير اقتصادي لدى بنك UniCredit Bank، وزميل مركز حوكَمة التغيير في جامعة IE University في مدريد، والمؤلف المشارك مع مارتا داسو لكتاب "حنين إنجليزي: سياسة العاطفة في غرب متصدع".

يُنشَر المقال بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص