حراكات الشارع.. كيف نحميها؟

حراكات الشارع.. كيف نحميها؟

نتابع ما يجري في عدد من المدن الفلسطينية في الأيام الأخيرة، من تجدد المواجهات بين الفلسطينيين وقوات نظام الأبارتهايد على خلفية سياسات التهويد والتطهير العرقي؛ في القدس العربية، ويافا، وكذلك حِراكات الشارع ضد سياسات نشر العنف الداخلي في أم الفحم، وغيرها من البلدات والقرى في الأراضي المحتلة منذ عام 1948.

ليست المواجهات التي اندلعت، أمس الأحد، في يافا والقدس منذ اليوم الأول لشهر رمضان، ولليوم السادس على التوالي، سوى حلقة واحدة من الممارسة الاستعمارية العدوانية، ورد الفعل الشعبي.

إن محاولات تهجير حي كامل في الشيخ جراح، الحي المقدسي، والانتهاكات الصهيونية المستمرة في المدينة والحرم الشريف، والنية في اقتلاع عائلات فلسطينية من خلال الشركة الصهيونية الاستعمارية، "عميدار"، من مدينة يافا، تعود إلى نظام عدواني واحد، بلون الدم، هو نظام استعماري قرر الإسراع في استكمال تهويد فلسطين مستغلًا الواقع العربي والفلسطيني الرسمي الرث.

لكن ماذا يفعل حين يُفاجأ كل مرة بشعب حيّ يصر على الحياة في أرضه، رغم الجراح العميقة التي تثخن جسده، هو شعب فلسطين.

ما نحتاج أكثر للتأمل فيه والتمعن في تفاصيله، ليس تفاصيل سياسات الاستعمار الصهيوني، إذ إن جميعها باتت معروفة وسافرة، ولم يعد المستعمر بحاجة للجوء إلى الدهاء للتمويه على سياساته، ولا هو يخجل منها طالما يحظى بمظلة عالمية رسمية، وستار من الخيانة العربية الرسمية، وفساد جل النخبة السياسية الفلسطينية المتنفذة.

كما لا يحتاج الشرفاء الذين يتصدون بصدورهم العارية، في الشوارع والأزقة والأحياء، لقوات القمع ومخططات التهويد والتهجير لمديحنا، مع أنهم يستحقونه.

نحتاج إلى التفكير والعمل على تعميم وتطوير هذه النماذج الطلائعية في المقاومة الشعبية في كل بلدة فلسطينية. وإذا كانت مدينة أم الفحم تحقق تراكمًا متناميًا في حراكها المبارك من خلال طلائعها الشبابية، فالمطلوب هو عدم ترك هذا النموذج وحيدًا، يتراجع وينحسر، خصوصًا وأن نموذج أم الفحم كما يبدو رسّخ ركنًا أساسيًا في ما هو معروف في أدبيات الاحتجاج وسياسات الشارع والمقاومة الشعبية؛ أي الاستمرارية وقدر معقول من التفاهم الجماعي داخل الحركة أو الحراكات.

وما زال هذا الحراك، بطبيعة الحال، أمام تحدٍ يتمثل أولًا في القدرة على بلورة نخبة مثقفة وذات رؤية سياسية شمولية ببعد إستراتيجي؛ وثانيًا المساهمة في تعميم التجربة كضمان لنجاح أهدافها، المرحلية على الأقل، التي تتمثل في وقف العنف في مجتمعنا، وتحقيق مستوى معين من الحصانة المجتمعية والتضامن الداخلي، ورفع مستوى الوعي الاجتماعي والثقافي والوطني العام بين جموع الشباب.

ليست هذه مهمة أهل أم الفحم أو أي مدينة أخرى منفردة، ولا بمقدورها تحقيق الأهداف المرحلية لوحدها، فالأمر يحتاج إلى تعاضد وتبادل التجربة، واستلهام التجارب الناجحة أو التي تمضي نحو نجاحات. حتى الآن، لا تبدو الأمور أنها تسير في هذا الاتجاه، إذ إن البلدات الفلسطينية الأخرى داخل الخط الأخضر لم تحذُ بعد حذو أم الفحم، بل تكتفي ببعض التظاهرات المعزولة عن مبادرات حقيقية، تنظيمية وإستراتيجية.

ومن المهم الانتباه إلى أن نموذج أم الفحم قد يندثر إذا لم يتمدد خارج المدينة. ولذا تقع علينا، وخاصة من ذوي التجربة الاجتماعية والسياسية والعمل الأهلي، أو المجموعات الشبابية والطلابية الجامعية الصلبة، ذات الطموح بالعيش بمجتمع آمن ومحصن، التقاط هذه اللحظة.

وسيكون ضروريًا في السياق نفسه، السعي إلى تحويل الحراك المحلي إلى حراك قطري - وطني، لأن هذا ما يؤهله للنجاح ووضع المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر على عتبة طريق جديد، وذلك من خلال التواصل المباشر بين مختلف هذه المجموعات، وتبادل التجربة والمعرفة.

ومن المهم إدراك أهمية توفر النفس الطويل، وأن ما نقاتل من أجله لن يتحقق خلال فترة قصيرة. فإذا لم يتوفر هذا الإدراك فستكون التجربة معرضة للفشل، إذ سيدب الملل واليأس في صفوف من صنعوا التجربة، أو على الأقل بين العناصر الأضعف.

إضافة إلى عنصر التواصل القُطري - الوطني، فإن التأطير النظري للتجربة بات أمرًا ضرورىًا؛ ونعني بذلك، أولًا، أن نشر العنف هو نتاج مخطط استعماري مدروس؛ ثانيًا، أننا شعب واحد، نتعرض لقهر نظام واحد ومنظم؛ موحد في أهدافه، ولكنه يعتمد سياسة واحدة، بأشكال مختلفة من القمع والاضطهاد والسيطرة، من خلال التجزئة وخلق الخصوصيات، والسعي المنهجي لافتعال صدام بين هذه الخصوصيات، أو تعارض بين مصالحها.

لذا وجب على كل جزء من هذا الشعب الاضطلاع بدوره بما يتلاءم مع خصوصيته، ومن خلال وعي ضرورة العمل من أجل التكامل والاتحاد.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص