عن انتفاضة القدس وبعض دروسها على جانبي الخط الأخضر

عن انتفاضة القدس وبعض دروسها على جانبي الخط الأخضر

تأتي الانتفاضات على حين غرّة. لا أحد يعرف توقيتها. حتى لو كانت كل المقدمات ماثلة أمام الجميع. وانتفاضة باب العامود المظفّرة لا تشذّ عن هذا القانون. عظمتها قزّمت الحديث عن الانتخابات الفلسطينية، التي خطّط لها أن تكون تحت مظلة أوسلو. وأظهر المنتفضون أن القدس ليست صندوق اقتراع، وأنّ سكّان المدينة المنكوبة، البواسل، صوّتوا بأجسادهم وعنفوانهم، وذكّروا الجميع أنّ المقاومة، وبطابعها الشعبي، غير المسلّح، قادرة على إفساد مخططات المستعمر، وهزّ الوعي الرسمي وشبه الرسمي السائد.

يجادل البعض بضرورة تحويل القرار الإسرائيلي بحظر إجراء الانتخابات في المدينة إلى مواجهة مع المحتل. ربما لمن يؤيدون إجراء انتخابات تحت حراب الاستعمار، يبدو هذا الموقف منطقيًا، ويدخل في خانة التحدي، لا الخضوع. لكن أليس الانتفاضة في القدس درسًا لإعادة النظر من جانب القوى التي تناهض النظام الفلسطيني الرسمي، وللبدء في لمّ شمل ما يسمى بالتيار الثالث، أي عشرات الأطر والحراكات الشعبية والشبابية والمثقفة المتفرقة، في ضوء تراجع الشخص المتنفذ وحزبه الحاكم ("فتح") عن قرار إجراء الانتخابات، بعد أن تهاوت مراهناته على الفوز، بسبب انقسام حزبه/حركته، وتراجع المنظومة الدولية الاستعمارية، عن دعم هذه الانتخابات.

هذه التطورات المستجدّة تنطوي على مخاطر كبيرة. ولكنّها، أيضًا، تنطوي على فرص لإحداث نقلة في التفكير وفي الفعل. والقرار بخصوص كيفية مواجهة هذه المعطيات المتناقضة، ليس بسيطا. الأمر يحتاج إلى قيادة قوية متماسكة، حكيمة وشجاعة، ولها رؤية إستراتيجية واضحة، ولكنّها غير متوفّرة. فالقيادة الرسمية والدوائر المدجّنة المحيطة أفسدت السياسة، وضيّعت الضوابط الوطنية. وكل محاولة لإصلاح داخلي (داخل "فتح" ومن خارجها) يتم التصدي لها وقمعها وإقصاؤها. ونذكر جميعا، في بدايات الانتفاضات العربية عام 2011، كيف أجهضت السلطة الفلسطينية حراكات الشباب في رام الله، الداعية لإنهاء الانقسام ومواجهة الاحتلال، من خلال الجمع بين القمع المباشر والاحتواء. وبسبب هذا القمع والاحتواء والإقصاء، انطلقت كل المبادرات الشعبية التي تحدت نظام الاستعمار، في العقد الأخير، من مدينة القدس وضواحيها، حيث لا يوجد حضور أمنى للسلطة الفلسطينية. والانتفاضة المقدسية الأخيرة هي ذات طابع شعبي، ووطني جامع.

ولكن رغم عظمة هذه الانتفاضات، وما أفرزته من وعي مقاوم، لم يتمدد إلى عموم الضفة الغربية، ليس بسبب وجود نظام الاستعمار، بل لأنّ فلسفة النظام الفلسطيني الرسمي في رام الله تقوم على النقيض من ذلك. وتكمن خطورة هذه الثقافة الانهزامية، في كونها باتت ممأسسة، تغذّيها عشرات المؤسسات الأمنية والمالية والإعلامية والتعليمية.

لم يكن وضع السواتر الحديدية عند باب العامود سوى الشرارة للانتفاضة الجديدة، ولكن المحرّك الفعلي لهذا الغضب المتراكم هو استمرار النكبة الفلسطينية التي توحد روايتها الكل الفلسطيني: الطرد، والتهجير، وهدم البيوت، والتهويد، والقمع اليومي، والأسر، والإفقار، ونشر العنف الداخلي وغيرها من جرائم الحرب التي تمارسها إسرائيل.

كل الفلسطينيين، أينما كانوا، ضحيّة النكبات، وهذه الممارسة الوحشية اليومية. ولهذا بين الحين والآخر يتلاقون في فعل تضامني، في تحدٍ لواقع التشتت والتجزئة. في هذا السياق، تلاقت حراكات مدينة أم الفحم، المستمرة منذ أشهر، وكذلك حراكات يافا، مع انتفاضة القدس. وهي ليست المرة الأولى التي يتلاحم فيها شعبنا من على جانبي الخط الأخضر. بل يشهد العقد الأخير نقلة نوعية، وتزايدًا في نشاطات التشبيك والتنسيق والتعاون بين أطر شبابية، ومثقفين، ومؤسسات أكاديمية، وأهلية، وخيرية، في إطار صيرورة موضوعية نحو استعادة وحدة المصير الفلسطيني الواحد.

ولكن، كما هو في النظام السياسي الفلسطيني البائس والمهزوم، أيضًا داخل الخط الأخضر، ينخر النهج المهزوم الجسم السياسي العربي، ويلحق ضرارا جسيما بمكانتنا، وموقعنا في الكلّ الفلسطيني. وظهر، مؤخرًا، عرابون من بين ظهرانينا لهذه المدرسة الانهزامية والانتهازية، وتحوّلوا إلى سماسرة، يقايضون حقنا بالعيش بكرامة بالخضوع واستجداء الفتات. ويبددون ما حققناه من إنجازات معنوية وثقافية وسياسية هامة، من خلال النضال الشعبي.

ويمضي هؤلاء في غيهم، وضلالهم، دون أن يقفوا وقفة مراجعة وحساب للذات. فيتعانقون مع أكثر الصهاينة عدوانية لحقوق شعبنا، مقابل منح منصب رئيس لجنة خاصة بالعرب، وهي خطوة مارستها أنظمة الاستعمار العديدة في إطار احتواء قيادات الجماعات الأصلانية، وتدجينها، بعد تخلي الأخيرة عن ممارسة هويتها وحقها في المواطنة الكاملة.

هذا النهج يتغذّى من الحالة العربية والفلسطينية الرسمية الراهنة، غير أن هؤلاء، ولكونهم يفتقرون لعمود فقري في السياسة السليمة، ولرؤية تاريخية، يتصرفون بقصر نظر، ويستسلمون لهذا الواقع ويبحثون عن أسهل الطرق، فيلحقون الخراب بالوعي العام، وبالمصالح الحقيقية للشعب.

ولذلك، لا يجد هؤلاء المهزومون في هذه الحراكات المباركة التي تتحدى الفكر المهزوم، محفّزًا لإعادة النظر في نهجهم. وبالتالي، فإن المراهنة على إمكانية التغيير لديهم، هو مضيعة للوقت. إنّ المراهنة هو على الشرائح الأكثر وعيًا من الناس، والاصطفاف إلى جانبهم، والمساهمة في استعادة الوعي، وزمام الفعل الشعبي: استعادة السياسة.

وإذا لم تبذل قوى التغيير الجهود النظريّة والعمليّة، بالإضافة إلى تأطير حالات التمرد والمقاومة الشعبية فإن المهزومين سيواصلون العمل على تضليل الناس البسطاء مستغلين ضائقتهم وقلة خبرتهم السياسية.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص