استغلال الدين ظاهرة قديمة...

استغلال الدين ظاهرة قديمة...

علّق أحد سائقي سيارات الأجرة في الكويت على مؤخرة سيارته الآية الكريمة "يا بُني اركبْ معنا ولا تكن مع الكافرين". شُرطة الكويت، طالبته بنزع اللافتة عن سيارته، لأن فيها استغلالا للدين في غير مكانه، ثم أنه لا يعقل أن تكفِّر بقية السائقين، ولو من باب الدعابة كي تنال زيادة في الزبائن.

الحقيقة أن صراع البعض لأجل تحصيل لقمة العيش، أو للوصول إلى هدف سياسي، يؤدي بهم إلى تصرّفات وأفكار عجيبة، بعضها غير مقبول على شاكلة ما كتبه السائق الكويتي، وبعضها مقبول مستساغ فيه ذكاء وابتسامة، كتب أحدهم "رضا الوالدين أهمُّ من رضى أبوك وأمك"! وآخر كتب" لا تِطلَع يا لوح شاريها بِطلوع الرُّوح"، وكتب آخر: "إذا رأيت كلَّ شيء جميلا فاعلم أنك سكران"، "من جدَّ وجد ومن تخرَّج قَعد"، وغير ذلك الكثير.

بعضُ السياسيين، يخسرون شعبيتهم وقدرتهم على التأثير في محيطهم، لأنهم لا يحترمون مشاعر مجتمعهم ومعتقداته، ويرتطمون بهذا التراث وجهًا لوجه، والبعض يفعل العكس، يجيّر الدِّين، كي يجنِّد التأييد الواسع.

ممكن ملاحظة ذكاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، فقد جند تعاطف مسلمي روسيا الذين يشكلون حوالي 20% من عدد سكان بلاده، لاستثمار طاقاتهم في حربه ضد أوكرانيا، وقد ظهر هذا جليًا صبيحة يوم عيد الفطر، حيث سمح بإغلاق طريق رئيسي في موسكو لإقامة صلاة العيد، وبلا شك أنَّ لهذا أثرًا طيّبا لدى المواطنين من المسلمين الرّوس.

بعض مرشحي المجالس البلدية يكتب في منشوراته السياسية الانتخابية "يريدون إطفاء نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتمَّ نوره ولو كره الكافرون"، في إيحاء بأن خطابهم وكلامهم إلى الناس مقدس، كما لو كان كلامًا إلهيًا بينما كلام الآخرين كُفرٌ وضلال. وهذا استغلال سياسي للدين.

يبدأ تلقين المعتقدات منذ سن مبكِّرة، وما يسمعه الطفل يبقى عالقًا في ذهنه طيلة حياته، يُنقش كأنَّه في حَجَر، وطبيعي جدا أنَّ الطفل الذي يولد في بيت لأسرة ألمانية، يُلقَن بعقيدة حياة تختلف عن طفل يولد في أسرة مصرية، وما يلقنونه للأطفال في روضات الصين، يختلف عن ما يلقنون به أطفال الروضات في فلسطين، وقد يختلف التلقين من بيت إلى آخر في البلد نفسه، حيث يوجد تعدُّدية عقائدية.

سيكون من الصعب جدًا على الإنسان أن يغيَّر أو يعدّل ما أخذه طيلة حياته، باستثناء أقلية من الناس، وتواجه هؤلاء صعوبات كبيرة، ومشاكل تنزل عليهم من المحيطين بهم، وقد يمرُّ هؤلاء في أزمات نفسية، وقد يُتَّهمون بالجنون من أقرب الناس إليهم.

التنوّع البشري والعقائدي سُنّة من سنن الله، ولا يعترض على مشيئة الله، سوى ضعفاء الإيمان، ومن يتشدَّد تجاه المختلفين عنه في العقيدة، ويدقِّق حتى في التفاصيل الإنسانية الصغيرة، فهو بعيد من الاعتراف بأن الله هو الخالق للجميع، وعن عقيدة أن مصائر البشر يقرِّرها الله سبحانه وتعالى وليس البشر، وبعيدٌ عن الإيمان برحمة الله.

أمثال هؤلاء المتشدّدين الذين يكفِّرون الآخرين، لا يمر وقت طويل حتى يكفِّروا ذويهم وإخوانهم.

غالبًا ما يكون التشدُّد، وسيلة لتحقيق أنانية "اسمعوني ولا تسمعوا غيري، أنا الذي أملك الحقيقة ولا أحد سواي!" وهؤلاء لا يختلفون عن مرشحي الأحزاب الفاشية مثل ماري لوبان في فرنسا وغيرها من قادة الأحزاب الفاشية، التي يعتمد وجودها الأساسي في التحريض على المهاجرين والأقليات المختلفة.

المؤمن حقًا، يحترم كل عقيدة مهما رأى بأنها لا تتفق مع عقيدته! فهو ليس أولى من الخالق في خلق الناس جميعًا، وعليه ألا يتدخّل في عقائد غيره، إلا إذا تعرّض إلى عدوان أو أذى، حينئذ من حقه الدفاع عن نفسه، وهذا تشرّعه كل الشرائع بما في ذلك القوانين الوضعية.

استغلال الدين، ظاهرة ليست جديدة، ومن كل جهات الكون، وقبل وجود الديانات السماوية، فقد استغل كبار القوم الأساطير ونسجوها حول أنفسهم بما يضمن لهم مسافة عن البشر، أو ليكونوا وسطاء بين البشر وقوى ما وراء الطبيعة، وفيما بعد صار ادعاء القربى والنسب من الأولياء الصالحين ومن السُّلالات المقدسة، وسيلة لحشد التأييد السياسي.

هذه الظواهر التاريخية قديمة، وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا، وسوف تستمر، تقوى حينًا وتضعف حينا آخر، نجدها لدى بعض الانتهازيين من أبناء مختلف الديانات والعقائد المختلفة، السماوية وغير السّماوية، مع اختلافات في الطقوس والشكليات، وليس على العاقلين والمؤمنين حقًا، سوى تهميشهم وتعرية حقيقتهم.

بودكاست عرب 48