سقطت الحكومة ولم يسقط النهج

سقطت الحكومة ولم يسقط النهج

في انتخابات الكنيست لعام 2015، بدا للكثيرين، أن فلسطينيي 48، قدموا نموذجًا وحدويًا واعدًا في سياق فلسطيني وعربي مظلم، تميّز في تعثّر الثورات العربية وتحوّلها إلى حروبٍ أهلية ومذهبية همجية، وذلك عندما نجحوا في تشكيل قائمة انتخابية واحدة لأول مرة في تاريخ عملهم السياسي. وقبل ذلك تحدث أكاديميون فلسطينيون في الشتات والمهجر عن قدرة هذا الجزء من شعب فلسطين على لعب دور مميز في إعادة وقيادة المشروع الوطني الفلسطيني التحرري.

تولّد وتعزز هذا الأمل وهذا الوعد بنجاح قادة الأحزاب العربية التي تخوض الانتخابات الإسرائيلية، في خوض الانتخابات بقائمة موحدة لأول مرة، في مواجهة رفع نسبة الحسم التي كان أحد أهدافها تقليص عدد التمثيل العربي داخل برلمان الأبارتهايد.

وقد جعل هذا النجاح، الأصوات المنادية بمقاطعة الانتخابات تُخفِت صوتها أمام الالتفاف الشعبي الواسع حول فكرة الوحدة، إما إحترامًا أو ارتباكًا. بل أنا، شخصيًا، الذي كنتُ أشغل آنذاك منصب أمين عام حزب التجمع، كنت أنوي التحرك، فرديًا وجماعيًا، باتجاه تحريك فكرة المقاطعة لو لم تتحقق الوحدة الانتخابية، إذْ كتبتُ أن لا معنى لمواصلة المشاركة في انتخابات الكنيست منفردين، مع تعمق عداء المؤسسة الصهيونية ومحاولات الشطب المتكررة، وتناقضات المشاركة، ونمو الفساد السياسي الناشئ عن ذلك، ومع انحسار نسبة التصويت.

وقد كنتُ أصدرتُ كُتيبًا قبل ذلك بأربع سنوات، أدعو فيه حزبي لفتح نقاش جدي حول العودة إلى مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة، بصورة واضحة وصريحة، وإعادة التأكيد على تعريف إسرائيل كنظام استعماري استيطاني وأبارتهايد، ليس فقط كونه الحل العادل بل كونه مسارًا لإعادة ربط كل تجمعات الشعب الفلسطيني بمشروع وطني، ديمقراطي، موحد، وجرى ذلك في سياق ظهور مبادرات فلسطينية، أكاديمية بشكل خاص، تنادي بإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني التحرري.

كان منطلق حزب التجمع من تشكيل قائمة انتخابية واحدة مختلفًا عن منطلقات الأحزاب الأخرى، إذْ أردنا وضع اللبنة لعمل جماعي إستراتيجي، في إطار تنظيم هذا الجزء من شعب فلسطين، كجماعة قومية وجزء من الشعب الفلسطيني، في مواجهة الأيديولوجية الصهيونية، العرقية، وكمدخل لترسيخ البناء الذاتي ووجودنا في الوطن، وتمكيننا من لعب دور في المشروع التحرري الفلسطيني الشامل.

غير أنّ الأمور سارت بمسار مختلف، ربما جزئيًا بسبب أوهامنا وتخيّلنا الخاطئ عن قدرتنا في لجم الآخرين عن الانحراف، أو أنّنا لم نفلح، لأسباب متعددة، في تقديم تصور متكامل للآلية المطلوبة لتحقيق ذلك. أي أن التحالف الانتخابي افتقر لإستراتيجية واضحة وآلية عمل، منذ البداية، مضافًا إلى ذلك افتقار الآخرين لعمود فقري أيديولوجي، يتصل بفكرة تنظيم الفلسطينيين، والموقف من طبيعة الكيان الإسرائيلي.

فقد راح أيمن عودة، ومنذ الأيام الأولى يُنظّر لإقامة معسكر ديمقراطي مع اليسار الصهيوني، متجاوزًا، بصورة فردية، القاسم المشترك الذي كنا توافقنا عليه في صياغة برنامج القائمة المشتركة، ومن ثم التوصية على الجنرال، بيني غانتس، لرئاسة الحكومة، وشكّل ذلك بذور الانحراف الأولى، الذي تلقفه منصور عباس ليصل بنا إلى هاوية لم نتخيلها في أسوأ أحلامنا.

وكانت تلك أيضًا الضربة الأولى لفكرة التحالف والعمل المشترك. جاءت الثانية عندما قرر أحمد الطيبي الانشقاق عن المشتركة، متوهمًا بقوته الذي أعاد التذكير بحساباته الذاتية المرضية. أما الضربة الثالثة المميتة، فجاءت من منصور عباس والحركة الإسلامية الجنوبية، التي انشقت ليس تنظيميا فحسب، بل أيضا أيديولوجيا، وهو الأخطر. فلم يحصل في تاريخ الفلسطينيين الذين نجوا من التطهير العرقي بعد النكبة، أن تحالف طرف وطني مع الصهيونية من خلال منحها غطاء "عربيًا إسلاميًا"، وهكذا التقت هذه الحركة مع التيار العربي المتصهين (في أنظمة الإمارات والبحرين والمغرب والسودان)، التي لا تكتفي بالتطبيع، بل بالتحالف الأمني السافر والمكشوف ضد نضال الشعب الفلسطيني، وبتبرير شرعية البنية اليهودية العنصرية لإسرائيل.

ما هي نتائج الانخراط في حكومة الأبارتهايد؟

أولًا؛ عززت الإسلامية صورة الحكومة في نظر الإدارة الأميركية بقيادة جو بايدن وحلفائها، كحكومة عاقلة، لأنها قدمت صورةً مزيفةً تجمع فيها اليمين واليمين المتطرف والتيار الاستيطاني الديني، وبقايا اليسار الصهيوني، مع العرب.

فالحزب الديمقراطي الأميركي لا يختلف مع نتنياهو على قضايا جوهرية، بل على مسائل تكتيكية. وهذا يعزز سياسة تجاهل قضية فلسطين، كقضية تحرر وطني والتركيز على سياسة الاحتواء عبر المحفزات الاقتصادية.

ثانيا؛ تفاقم التحريض والكراهية ضد المواطنين العرب. ثالثا؛ تصعيد عملية هدم البيوت العربية، وفي النقب بشكل خاص. رابعا؛ ظلت ظاهرة العنف متفشية، دون تحقيق اختراق حقيقي في جدارها.

خامسا؛ تعميق الأوهام لدى شرائح من الطبقة الوسطى الآخذة في التوسع، بإمكانية تحقيق حقوق مدنية من خلال التخلي عن الحقوق الجماعية، وعن الارتباط بشعبنا الفلسطيني وبهمومه وأولها حقه في تقرير المصير.

كل ذلك ساهم ويساهم بصورة خطيرة في تعميق مظاهر الأسرلة والتشوه القومي الذي يشكل مركبًا أساسيا في إستراتيجية السيطرة والتحكم بمسار تطورنا كشعب.

سادسا؛ تصعيد الاقتحامات للمسجد الأقصى، وقتل المزيد من الفلسطينيين، والسكوت عن ذلك حتى ولو في بيان.

سابعا؛ مواصلة سياسات الاستيطان والحصار على أهلنا في قطاع غزة.

ورغم كل ذلك فإن قيادة الإسلامية مصرة على نهجها، وهي التي حاربت بأسنانها لكي تستمر هذه الحكومة المجرمة، لكن دون جدوى.

هناك من يقول إنه حسنًا فعلت الحركة الإسلامية أنّها أقدمت على هذه المغامرة، ليتبين حدود هذه اللعبة داخل منظومة عنصرية كولونيالية مؤسسية، لا تمتلك آلية إصلاح داخلي. غير أن الحركة اختارت ذلك وهي تعرف حدود اللعبة، ولكن المفاجئة لها، والتي لا تريد أن تقر بها، أنها لم تحصل على الحد الأدنى مما أملت به من هذه الحكومة أو من هذه المنظومة، أي في المجال المدني، رغم استعدادها للتنصل الكامل من القضية الوطنية.

ما العمل؟

الأفكار وحدها لا تعمل التغيير، ولا ما نطرحه ويطرحه الكثيرون من نقد ومطالبة بالمراجعة، قادر على ذلك بدون عمل جماعي. إن الفكرة تصبح ذات تأثير، أو ذات قدرة على تغيير الواقع، عندما تتحوّل إلى مؤسسة، أو إلى حركة اجتماعية شعبية، أو حركة سياسية وازنة. وهذا للأسف غير متوفر حتى هذه اللحظة. لا مؤسساتنا التمثيلية ببنيتها القائمة، مؤهلة لهذه المهمة، ولا نلمح في الأفق القريب تبلور لحراك شعبي أو نخبوي، موحد. فالأحزاب ستنشغل مجددا في الحملات الانتخابية، بصيغتها المعهودة، التقليدية والعقيمة، ولن تسمح بإجراء مراجعة حقيقية، جوهرية.

إن الجهود النقدية الجادة والهامة، الداعية لإعادة البناء وتكوين رؤية للحاضر والمستقبل، مبعثرة، ولم يتمخض عنها حتى الآن تشكّل بديل حقيقي. وكذلك لم يتمخض، حتى الآن، عن الحراكات الشعبية التي وصلت ذروتها في هبة أيار من العام الماضي، قوة شعبية منظمة ولا عن الحراكات المتفرقة التي تبعتها. ربما أن الجديد قيد الولادة، لكن كل ذلك يحتاج إلى وكيل تغيير.

خلاصة القول، إن التيار الوطني أمام فرصة أخرى لتجميع أطرافه والاضطلاع بالمسؤولية التاريخية.

بودكاست عرب 48