مونديال قطر: بطاقة طرد في وجه الاستعلاء الأبيض

مونديال قطر: بطاقة طرد في وجه الاستعلاء الأبيض

رأيت مؤخرا إعلانا يروج لتجهيزات خاصة في قرية كتارا الثقافية في الدوحة، بالتزامن مع انطلاق كأس العالم في قطر. علمًا أن هذا المكان السياحي يزخم بالرموز الثقافية العربية؛ فعند زيارته، تارة تلحظ في ركن القرية مقصف قهوة "سادة"، وتارة أخرى تلحظ تجمع عازفي العود، وورشة الزخارف العربية. إن هذه التجهيزات بتفاصيلها، هي بمثابة تصريح قطري يطرح الرد الحاسم على حملات التشويه الغربية، التي تتعرض لها قطر كبلد مستضيف لكأس العالم.

استثمرت دولة قطر مبالغ طائلة من أجل إقامة الحدث الثقافي والرياضي الأكثر أهمية في مجتمعنا الحديث: كأس العالم لكرة القدم. وما قامت به الدولة الصغيرة من تجهيزات وتخطيطات لإظهار ثقافتها والترويج لرموزها الثقافية هو فقط المُتّبَع من قبل مستضيفي هذا المحفل الرياضي. مثلما لم تحجب جنوب أفريقيا أفريقيتها أمام ضيوفها في 2010، وكما لم يكف راقصو السامبا عن رقصها أمام منتخبات العالم في 2014.

لكن لم يحدث من قبل قط، مثل الهجوم الشرس على البلد العربي المستضيف هذه المرة، وهو الأمر الذي أثار فضولي، ودفعني لمحاولة سبر غور مكامن هذه الازدواجية المعيارية من قبل المجتمعات الغربية.

العنجهية البيضاء "والعقال" الأسود

جرى توظيف مصطلح "الأورومركزية" تاريخيا من أجل محاولة التمحيص بدوافع أوروبا الاستعمارية في أفريقيا. لطالما كانت دول القارة العجوز، تقدم تفسيرات توضح بها تحركاتها الجيوسياسية، على أنها محقِقَة العدالة الإنسانية في العالم الثالث، وعلى أن الرجل الأبيض هو المنقذ للمجتمعات، "الأقل تحضرا"، و"الأبعد عن الانعتاق من التقاليد والدين". إن هذه الحجة كانت السبب الأساسي لتسويغ أخلاقيات الفعل الاستعماري، فإضفاء الصبغة الغرائزية البدائية على الإنسان الذي تم استعماره، كانت الوصفة السحرية من أجل شرعنة تقييده وتكبيله، من أجل محاولة "تأهليه" للمجتمع العقلاني الحديث.

واستمرت أوروبا على هذا النهج، الذي يرى فوقية ثقافية للإنسان الأبيض على غيره من سائر البشر؛ لكن هذه العنجهية البيضاء لم تنقذ العالم الأوروبي من الوقوع في فخ الحروب العالمية الدامية، فأصبحت مصائر الغرب دامية، أقرب إلى "البربرية" منها إلى التحضر. ومع تقدم العصر، وتطورات العالم السياسية، بات الماضي والحاضر في أرواحنا كشعوب مستعمرة، أبعد ما يمكن في أعين المستعمِر الأبيض. وأصبح الأوروبي المتنور يتناسى جذور منظومته الأخلاقية، أماكن انبثاقها، ومصادر تغذيتها.

ما أراه من حديث اليوم حول كأس العالم، ما هو إلا تكرار نمطي في أسلوب الحديث والتفكير الأوروبي، فلا زال يصعب على الفوقية الأوربية أن ترى "عقالا" أسود يلوح في الصحراء يرأس محافل العالم، ويستقل في رأيه، ويتجرأ على أن يطرح رموزه الثقافية الخاصة على الطاولة، وهنا يرفض العرض الأوروبي "بسلة المبادئ" الخاصة به، ويكتفي بحفنة التراب التي بحوزته.

النظرة هذه لها العديد من المسميات، ولا يمكن من التحدث عن هذه الظاهرة من دون التطرق لنظرية الاستشراق بما كتبه إدوارد سعيد، والذي أشار إلى عدم انكفاف الغرب عن وسم الشرق بالعديد من الصور النمطية، التي لا تغني في النقاش عن الحضارة الشرقية، بل تزيده عقما وتعيق فهمه.

عند النظر إلى ملعب الخيمة، وملعب الثمامة، وعند النظر إلى قائمة المواهب العربية المشاركة في التلحين الموسيقي، والتنظيم الفني وإلخ... ندرك أننا في حضرة دولة عربية. إذًا، وما الأمر المفاجئ بأن تتباهى هذه الدولة بثقافتها في حال أنها المستضيف؟ الحقيقة، إن الأمر مفاجئ فحسب للمغرور الأوروبي، ومن دون أن يلحظ تحركاته، ومن دون أن يدرس ردة فعله، تتصاعد العنجهية المبطنة تاريخيا من اللاوعي المتراكم عنده، حتى يتفوه بعبارات كارهة، يغلفها بمظاهر الدفاع عن حقوق الإنسان، وينسى أن سلّم أولويات أبناء الثقافة العربية (وكذلك المسلمين في ادعائه الأساسي) ليس كسلمه الخاص، وأن ما يهم ابن البادية أو ابن الشام، ليس بالضرورة يهم ابن جبال الألب.

وهنا أستحضر غرامشي الذي تحدث عن الهيمنة الثقافية، وهي إحدى آليات الهيمنة الحديثة لمجتمعات العالم الرأسمالي الحديث، هي محاولة لطمس الهوية والثقافة، وإشباع شارع الحضارة بالرموز والعبارات والاهتمامات والتجليات الخارجية، فيكفي جدا، أن تجعل الإنسان يرى برموزه الثقافية مكانا ثانويا، حتى يرى بنفسه في مكان ضعف وليس بمكان قوة. إنها هيمنة، لكن ليست عسكرية، بل ثقافية وفكرية بحت، وهو الأخطر في نظري.

ازدواجية المعايير في الرقابة على الحقوق

أعتقد أن ازدواجية المعايير الغربية تستحق مقالا خاصا بحد ذاته؛ بداية من ازدواجية المعايير المتحيزة للفعل الصهيوني على حساب المقاومة الفلسطينية، مرورا بالنظرة إلى اللاجئ الأوكراني كضيف واللاجئ السوري كمتطفل في أوروبا، وصولا لحقوق العمال في قطر، في ظل الصمت الدولي المقصود عن عمّالة القاصرين، واستغلال العمال في الدول النامية والفقيرة.

في محاولتي لفهم القاعدة الأخلاقية التي تتكئ عليها المدرستان الفكريتان، الغربية والشرقية، لجأت للمفكر ألسدير ماكنتاير وكتابه "ما بعد الفضيلة"، الذي سبق وتحدث فيه عن مشروع التنوير وأساساته الأخلاقية (والذي انبثق من رحم أوروبا)، إذ قال إنه "تظهر مشكلات النظرية الأخلاقية الحديثة، وبوضوح، كنتائج لإخفاق مشروع عصر التنوير. فمن ناحية، راح الفاعل الأخلاقي الفرد المتحرر من التراتبية والغائية ينظر إلى نفسه، وينظر إليه الفلاسفة الأخلاقيون، على أنه سيد في سلطته الأخلاقية". وهذه إضاءة على الاختلاف الأساسي الجوهري في نظرة الغربي نحو مكانته الكونية والوجودية، فقائد البوصلة الأخلاقية الغربية هو ليس ذات إلهية، أو قوة ما فوق طبيعية كما هي في المدرسة الشرقية، بل الإنسان ذاته، هو "إله" الموقف.

في المقابل، يظهر الإنسان الشرقي، متصلا أكثر بالطبيعة ومتجذرا في نظرة تضع الله وقوانينه في المركز، وتقصي أي حياد عن هذا النسق، وخصوصا الإنسان المؤمن بالعقيدة الإسلامية.

وجاء هذا بوضوح في كتاب "الشرق والغرب" للكاتب أحمد أمين، الذي أوضح به: "اعتاد الكاتبون أن يصفوا الشرق بالروحانية، والغرب بالمادية. ومن خصائص هذه الروحانية مزجها الطبيعة بما فوق الطبيعة، والاعتقاد بأن الله سبحانه سبب كل ما يحدث في العالم من خير أو شر".

إن ما أعنيه في هذا السياق، أن الإملاء الغربي الكبير على المجتمع القطري، والعربي بسياق عام، أن يتّبع منظومته الأخلاقية الخاصة، هو أمر يفضح الجذور الأصلية للاستعلاء الأبيض، الذي يرى بابن الشرق عامة، والمجتمع المسلم خاصة بعقل تابع، غير قادر على تكمين استقلالية تامة لاتخاذ قرار في شؤون الأخلاق الإنسانية. وكما نرى، أنّ لكل جانب في هذا السياق، قاعدته الأخلاقية التي نبعت من التاريخ والثقافة وتطورات المكان ذاته، وسيكون من السذاجة الاعتقاد أن جميع الناس يفكرون بذات الطريقة. في تعهدات السلطات القطرية، لطالما كان هناك احترام للأخلاق العامة لدى البلد المستضيف، واحترام للقوانين المشرعة، فجميع من حضر قطر ضيفا سوف يخوض تجربة مميزة، مليئة بالثقافة والرفاهية والذكريات الحافلة، بكلمات أبسط، ليحترم الضيف من يستضيفه.

إذًا، نعود ونسأل هل قطر نبراس في حقوق الإنسان؟ من الممكن أن يجيب مجيب على ما قلته حتى الآن، بالإلحاح على سؤال حقوق الإنسان في هذا الإطار، وهنا أستطيع أن أقول، إن قطر ليست نبراسا في حقوق الإنسان وليست في الحضيض كذلك، حالها كحال العديد من الدول الناقدة، وأرى أن أكثر ما يثير امتعاضي في هذا السياق، هو الإصرار على طرح هذا السؤال، بالتحديد عندما تستضيف دولة عربية كأس العالم، وليس في وقت وزمن آخر. وماذا عن استضافة أميركا لكأس العالم في 2026، هل سوف نسمع صافرات الاستهجان، على استضافة الولايات المتحدة الأميركية؟ علما أن تدخلاتها في الشرق الأوسط لوحده كفيلة أن توسمها وصمة عار. نعم، من المنطقي جدا أن نعتقد أن قطر في خضم تجهيزاتها لكأس العالم أجحفت بحق عمال كثيرين. فإذا أراد العالم أن يعطي شرعية لحملات الاستهجان من الاستضافة القطرية، عليه كذلك أن يفتح باب رفع "البطاقات الحمراء"، نحو كل كيان عنصري، فعل قمعي، أو استبداد للعمال في كل أقطاب العالم؛ ولا يكتفي بتضييق الخناق على دولة، لها من محيطات الظلم قطرة. وعلى جميع الضيوف الحاضرين لكأس العالم، أن يهبطوا من على "السجادة الطائرة"، التي خيلت لهم، بزيارتهم للشرق، وتقبل الاختلاف الحضاري والثقافي، والاستمتاع بكأس العالم، كحدث رياضي كان وعليه أن يبقى نقيا من أجندات سياسية أيا كانت.

بودكاست عرب 48