"قانون القومية": التحدي والردّ

"قانون القومية": التحدي والردّ

بروفيسور سعيد زيداني

- 1 - 

"قانون القومية"، حسب ما قلنا وكتبنا ورددنا، وحسب ما قالوا وكتبوا ورددوا، يبث رسائل متنوعة، لنا (الفلسطينيون داخل حدود فلسطين الانتدابية وخارجها)، ولهم (اليهود داخل حدود دولة إسرائيل وخارجها). لقد قيل وكتب الكثير عن هذه الرسائل التي يبثها هذا القانون المشؤوم، الذي صدر فجر 19/07/2018، حول الدوافع لها كما حول تبعاتها. ولا أريد هنا تكرار ما قيل وما كتب منذ العام 2012 وحتى يومنا هذا. في هذه المداخلة القصيرة، أود تسليط بؤرة الضوء على القضية العصب (the nerve issue)، القضية الصلب، ذات العلاقة المباشرة بنا، نحن الأغيار، نحن الفلسطينيون داخل حدود دولة إسرائيل، والمصنفون مواطنين فيها. ولنترك الفلسطينيين الآخرين، والأغيار الآخرين، جانباً، فقط لغرض هذه المداخلة المفرطة في القصر.

قلنا وقالوا، كتبنا وكتبوا، بأن قانون القومية هذا يعقلن ويشرعن لنوعين من المواطنين في الدولة الواحدة: مواطنون أسياد ومواطنون أتباع. المواطنون الأسياد هم من ينطبق عليهم حق تقرير المصير في الدولة، بينما المواطنون الأتباع هم من لا ينطبق عليهم مثل هذا الحق الجماعي، والذي هو لؤلؤة تاج الحقوق الجماعية كلها.

المواطنون الأسياد، حسب هذا القانون الأساس، هم اليهود أينما كانوا، أي داخل حدود الدولة وخارجها، بينما المواطنون الأتباع هم غير اليهود من المواطنين. وأستعمل هنا عبارة "غير اليهود" مراعاة للدقة، إذ أن هناك قلة من الأغيار غيرنا هم أيضا مصنفون مواطنين. والسيادة في هذا السياق ذات وجهين أو وضعيتين: سيادة بالفعل (actual) وسيادة بالإمكان (potential). فإذا كان اليهودي الإسرائيلي مواطنا سيدا بالفعل، فإن اليهودي غير الإسرائيلي مواطن سيد بالإمكان. ونعرف جيدا كيف يجسر قانون العودة لعام 1950 تلك الفجوة بين الفعل والإمكان. أما المواطنون غير اليهود، نحن وغيرنا من الأغيار، خدمنا في الجيش أم لم نخدم، أفرطنا في الولاء للدولة أم فرطنا به، فنظل مواطنين أتباع. مواطن تابع أنتَ، إذا لم تكن يهودياً، حتى لو كنت عميل العملاء العميل أو فقيه الفقهاء الفقيه!

كما ذكرت، المواطنون الأسياد في الدولة، وخلافاً للمواطنين الأتباع، هم من ينطبق عليهم حق تقرير المصير فيها. ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك، من بين ما يعنيه، أن لهم القرار النهائي بشأن كل ما يختص بالسيادة ومشتقاتها: لهم القرار النهائي بشأن طبيعة الدولة، نظام الحكم فيها، أمنها، تركيبتها الديمغرافية، مستقبلها، علاقاتها الخارجية، لغتها ورموزها الوطنية. اليهود في الدولة هم، إذن، أرباب البيت وحاملو مفتاح (أو مفاتيح) البيت، وحرس ساحة وسياج وسقف البيت. وإذا كان الأمر كذلك، فقانون القومية، إذن، وبقوة القانون الأساس ذي البعد الدستوري، يفصل ويميز عنصرياً بين نوعين من "الديموس"، نوع أعلى يتمتع بحق تقرير المصير ومشتقاته المذكورة، ونوع أدنى لا يتمتع بمثل هذا الحق. قانون القومية، إذن، هو قانون تفوق عرقي وفصل وتمييز عنصري. ولكن التفوق العرقي والفصل والتمييز العنصري عندنا يختلف كثيراً عن التفوق العرقي والفصل والتمييز العنصري الذي كان معمولاً به في دولة جنوب إفريقيا لمدة تقارب نصف قرن، وذلك رغم "الشبه العائلي" بين الحالتين. وعلى فكرة، هناك شبه عائلي غير قابل للإنكار أيضاً بين ما يقوله قانون القومية صراحة وما قاله "وعد بلفور" ضمنا قبل قرن من الزمان وأكثر.

- 2 - 

ويسأل سائل من أهلها: ما هو الردّ الواجب والمتناسب على هذا التحدي (challenge)، الواضح والصارخ؟ وفي اعتقادي الراسخ، ومنذ ما يزيد عن ربع قرن من الزمن، أن الردّ الواجب والمتناسب على كثرة قوانين وممارسات التفوق العرقي والتمييز العنصري، والتي توجت بقانون القومية في تموز/ يوليو الماضي، يتطلب السير في طريقي نضال لتحقيق هدف واحد، ألا وهو تحقيق أكبر قدر من المساواة في حقوق المواطنة الديمقراطية، الحقوق الفردية والجماعية على السواء. وتبعاً لذلك، فإن السير في طريق نضال واحد من دون الآخر يظل قاصراً عن تحقيق الهدف المنشود. هذان الطريقان هما:

أ‌.    طريق الاندماج (integration)، مقترناً بالتأكيد على الحقوق الفردية، المدنية منها والسياسية.
ب‌.    طريق الانفصال النسبي، مقترناً بالتأكيد على الهوية الثقافية المميزة والحقوق الجماعية الأخرى، أي طريق الحكم الذاتي. 

علماً بأن لكل من هذين الطريقتين آليات عمل وأنماط نضال وطرق تنظيم مختلفة، وإن تقاطعت أحياناً. وأضيف مؤكداً، من ينادي باتباع أحد الطريقتين دون الآخر يعاني من عمى معرفي (epistemic blindness) في أحسن الأحوال، وقد يكون مضللا (بكسر اللام) في أسوئها.

في طريق الاندماج، وفوق الشوك، سرنا، وسيرتنا الأحزاب والحركات السياسية الفاعلة والمؤثرة طويلاً، تلك التي ارتبطت بأحزاب السلطة الحاكمة وتذيلت لها، وتلك التي كانت ناقدة لها وناقمة عليها. سرنا وسُيرنا، وفوق الشوك، لفترة غير يسيرة من الزمن. وما زلنا سائرين. تنظمنا بالشكل الذي تنظمنا، وناضلنا بالشكل الذي ناضلنا، وأنجزنا ما أنجزنا، وأنجزنا الكثير. والمعطيات تعكس حجم ما أنجزناه في مجالات التعليم والصحة ومستوى المعيشة ومستوى الخدمات ومستوى البنى التحتية والفوقية، وكذلك في مستوى الحريات التي نتمتع بها. هذا الطريق جربناه جيداً. وكلنا يعرف الآن، وأكثر من أي وقت مضى، وبناء على تجربة عقود كثيرة، أن هناك حدوداً للإنجاز لا نستطيع تخطيها باتباع طريق الاندماج حصرياً، حدوداً رسمها وحماها مفهوم ومشروع الدولة اليهودية، والتي شرعنها قانون القومية مؤخراً.

أما الطريق الآخر فلم نجربه، وما مشينا فوق شوكه، بعد، وإن كتب عنه ونادى به وسار عليه القلائل منا. هو طريق الانفصال النسبي، طريق الحكم الذاتي الذي يحمي الهوية الثقافية المميزة ويعززها ويحتضن الحقوق الجماعية، وذلك من دون التنازل عن حقوق المواطنة الديمقراطية على مستوى الحكم المركزي. وليكن واضحا أن الحكم الذاتي، المقصود والمنشود، يتعدى الحكم الذاتي الثقافي الذي يلوح به حزب التجمع الوطني الديمقراطي وآخرون. المقصود والمنشود هو حكم ذاتي ذو أنياب، ذو بعد جغرافي، بعد الأرض وما عليها؛ حكم ذاتي هو، فوق كل ذلك، ترجمة، ولو جزئية، لحق تقرير المصير لنا، الفلسطينيون المواطنون في دولة إسرائيل؛ حكم ذاتي يعوض عن النقص في المواطنة الديمقراطية على مستوى الحكم المركزي في الدولة.

غني عن القول إن السير، وفوق الشوك، في طريق الحكم الذاتي يتطلب آليات عمل وآليات تنظيم وأنماط نضال مختلفة، وذلك إضافة إلى احتضان تلك القضايا ذات العلاقة الحميمة بالحقوق الجماعية. فعلى مستوى القضايا، الحكم الذاتي يعني ويتطلب السيطرة، سيطرتنا، إداريا وماليا وبرنامجيا، على جهاز التعليم بكل مراحله؛ يعني الولاية، ولايتنا، على الأوقاف الاسلامية؛ يعني ملكيتنا الجماعية للأرض؛ ويعني مسؤوليتنا عن حماية هوية الأحياء الفلسطينية في المدن المختلطة (عكا وحيفا ويافا وغيرها)، وعن حل قضية المهجرين منذ عام 1948، وهكذا.

أما على مستوى التنظيم/ التمثيل، يتوجب علينا استبدال "لجنة المتابعة العليا" واللجان التي تناسلت عنها ببرلمان منتخب يمثل الفلسطينيين داخل الدولة، تنبثق عنه هيئة تنفيذية، هي حكومة الحكم الذاتي، والتي يتوجب أن تنقل إليها الصلاحيات من الحكم المركزي حسب مبدأ التفويض (devolution). وأخيرا، على مستوى العمل النضالي أقول: النضال الشعبي هو الأساس، هو الأهم، وهو الأجدى والأجدر، وهو الذي يجب أن يحتل بالتالي مكان الصدارة. وذلك دون التقليل من أهمية النضال البرلماني والقضائي والإعلامي.

وختاماً، لنغرس عميقاً في الأذهان أن الهدف النهائي للنضال والتنظيم بطريقيه المذكورين هو المواطنة الديمقراطية المتساوية في الحقوق، الفردية والجماعية / الوطنية على السواء. وبالتالي، فإن الحكم على هذه الآلية أو تلك، أو هذا الطريق أو ذاك، يتم بناء على مدى تقريبنا من هذا الهدف المنشود، وهو هدف نهائي أنادي به أيضاً كحلّ للصراع الفلسطيني الاسرائيلي اليهودي الأوسع.


ملاحظة: الحاجة إلى السير في الطريقين، كما هو مقترح أعلاه، لم تنشأ بسبب قانون القومية. ولكن هذا القانون جعل تلك الحاجة أكثر وضوحاً وأكثر إلحاحاً. هذا يعني أن إسقاط أو إجهاض قانون القومية لا ينفي استمرار الحاجة إلى السير في الطريقين المذكورين.