الاستعمار الداخلي... لزوم ما يلزم

الاستعمار الداخلي... لزوم ما يلزم

رامي منصور

دخل مصطلح الاستعمار الداخلي إلى الخطاب السياسي، مؤخرا، من باب توصيف علاقة إسرائيل بمواطنيها العرب، وقد استخدم حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" هذا المصطلح في بيان صادر عنه يوم 19 شباط/ فبراير الماضي.

ورغم أن أول من استعمل هذا المصطلح في سياق المواطنين العرب في إسرائيل، هو إيليا زريق في كتابه "الفلسطينيون في إسرائيل: دراسة في الاستعمار الداخلي" (1979)، إلا أن لينين وغرامشي استخدماه قبل ذلك بعقود؛ لينين لوصف الممارسة السلطوية في روسيا قبل الثورة، وغرامشي لوصف العلاقة بين الشمال والجنوب في إيطاليا. ولاحقًا، طُوِّر المصطلح في أميركا اللاتينية وجنوب أفريقيا وآسيا.

إن استخدام هذا المصطلح في سياقنا فيه لبس كبير وعدم دقة ومعرفة، لأن المقصود بالاستعمار الداخلي هو أن يمارس نظام ممارسات استعمارية ضد أمته وشعبه، وليس في سياق ممارسات دولة احتلال ضد الواقعين تحت سيطرتها، فهذا يدعى استعمارًا خارجيًا.

 ممارسات الأنظمة المستبدة العربية تجاه شعوبها هي ممارسات استعمار داخلي، حتى لو جاءت على أنقاض الاستعمار الخارجي.

مزايا الاستعمارين... الشّبه والاختلاف

يحمل الاستعمار الداخلي مزايا ممارسات الاستعمار الخارجي، لكنّه يُطبَّق داخليا، ويكون ذلك بدوافع اقتصادية واجتماعية وعرقية عنصرية، وعلى شكل مصادرة أملاك الشعب أو المواطنين لصالح النظام ومن ثم بيعها لرجال الأعمال، أو تهجير سكان بسبب انتمائهم العرقي أو الطبقي من مناطق سكناهم لصالح مشاريع اقتصادية كبرى. والاستعمار الداخلي يخلق مجتمعات متوازية داخل الدولة الواحدة وداخل الشعب نفسه، بحيث يعيش أبناء الطبقة الحاكمة في مناطق معزولة عن باقي الشعب، وبشكل أدقّ، معزولة عن الطبقات الأكثر فقرًا واضطهادًا. والخطير في الاستعمار الداخلي أنه يحمل تبريرات عنصرية لتبرير امتيازاته وهيمنته، تماما مثلما برّر الاستعمار الغربي احتلاله للشرق بمزاعم عنصرية.

إن ممارسات الأنظمة المستبدة العربية تجاه شعوبها هي ممارسات استعمار داخلي، حتى لو جاءت على أنقاض الاستعمار الخارجي.

الاستعمار الداخلي عربيًا

ولا تكاد أنظمة الحكم في الدول العربية تقوم دون ممارسات استعمار داخلي، في المشرق والمغرب، فتدمج تلك الأنظمة بين فساد الحكم وجشع رجال الأعمال الجدد من خلال ما يسمى "الاستملاك" (مصادرة الملكية الفردية لصالح المنفعة العامة). ويمكن رصد مقاربة لممارسات الاستعمار الداخلي من خلال الاستملاك في تونس وسورية، من خلال كتاب الباحث السوري محمد جمال باروت، "العقد الأخير في تاريخ سورية – جدلية الجمهور والإصلاح" (المركز العربي، ط 1، 2012)، إذ كتب في أحد الهوامش في سياق شرحه لأسباب الاحتجاجات: "فهم الفلاحون في سيدي بوزيد عملية تجريدهم من حيازاتهم بسبب عدم قدرتهم على سداد القروض، ومنحها لمستثمرين آخرين، على أنها اغتصاب لحقوقهم، ومنحها لرجال الأعمال. كما فهم فلاحو درعا عملية طمر الآبار على أنها مجرد انتقام تعسفي منهم يستهدف خفض أثمان أراضيهم، وإرغامهم على بيعها لشركات رجال الأعمال الجدد، لا على أنها ضرورية للحفاظ ما أمكن على المياه وتوزيعها العادل والكافي. وكذلك فهم أهالي حمص أن إغلاق المصفاة ومعمل الفوسفات يستهدف استملاكها وتحويلها إلى شراكات مع رجال الأعمال الجدد".

الفرق بين الاستملاك والخصخصة، هو أن تقوم الدولة، من خلال الخصخصة، ببيع حصتها من شركات ومؤسسات عامة للقطاع الخاص، بينما في الاستملاك تقوم الدولة بمصادرة أملاك الأفراد (حيازاتهم) بهدف بيعها لرجال الأعمال. وما من شك أن هذه الممارسات تذكّرنا بممارسات الاستعمار الصهيوني في فلسطين، بعد الاحتلالين في عامَيّ 1948 و1967، لكن مع فارق هام هو أن هذه الممارسة الاستعمارية طبقتها إسرائيل على شعب آخر، فيما تمارسها الأنظمة العربية على شعوبها.

ورغم أن الباروت لم يستخدم مصطلح الاستعمار الداخلي، لكنه استخدم مصطلح "مكسكة" الاقتصاد السوري بالعقد الأخير قبل الثورة، ويعني بذلك تقليص عملية الإصلاح الاقتصادي إلى عملية تحرير للسوق، وبدلا من الدمقرطة يتم التعويض عنها بِلَبرلة الاقتصاد. وكما يُشير المصطلح، فإنّ تجربة المكسيك كانت إحدى العوامل التي أعادت إحياء مصطلح الاستعمار الداخلي في ستينيات القرن الماضي بكتابات غونزلس كازانوفا.

والاستعمار الداخلي أخطر من الخارجي بأمر هام، فإذا كان الاستعمار الخارجي يوحد الشعب والأمة ويبلورها في هوية وطنية نقيضة للمستعمِر، فإن الاستعمار الداخلي يُفتّت هذه الهوية ويحلّل الأمة ويدفع بها نحو الهويات البدائية، مثل الطائفة والعشيرة، عوضًا عن المواطنة المتساوية.

بين استعمارين

وعودة إلى استخدام مصطلح الاستعمار الداخلي في سياق المواطنين العرب، فليس هذا الاستخدام خطأ شنيعا، ولكنه يحتاج إلى تطوير، إذ بالإمكان الادعاء أن المواطنين العرب يواجهون الاستعمارين (الداخلي والخارجي)، فمن جهة هم ضحايا الاستعمار الخارجي، ولكن في الوقت نفسه، هم ضحايا ممارسات استعمارية داخلية كونهم مواطنون في إسرائيل.

و"المضاد الحيوي" للاستعمار الخارجي هو حق تقرير المصير للشعوب. وأي من الأحزاب الرئيسية والثانوية العربية في الداخل لم توضح موقع أو علاقة العرب الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني عموما، أو هل يسري عليهم، وكيف؟ هل يعني تطبيق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني عودة المهجرين في الداخل أم لا، مثلا، وكيف؟ 

وإذا كان حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في وطنه هو الرد على الاستعمار الصهيوني الخارجي، فما هو الرد على الاستعمار الداخلي بالنسبة للمواطنين العرب؟ هل هو مجرد المطالبة بالمواطنة المتساوية، وهذا يعني الاكتفاء بالمساواة المدنية بدلا من القومية؟

مواجهة الاستعمار الداخلي تكون أولا بالمطالبة بالمواطنة المتساوية في دولة ديمقراطية ليبرالية، أي دولة جميع مواطنيها، وهذه المساواة المدنية؛ وعبر المطالبة بحق تقرير المصير الداخلي للمواطنين العرب، كضلع أساسي في ممارسة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني عموما، وبهذا تتحقق المساواة القومية.

الاستعمار الداخلي لا يُواجَه فقط برفع المطالبة بالمساواة المدنية، بل يحتاج إلى عقلية وقاموس سياسي يختلفان كليا، يرتقيان إلى مطلب حق تقرير المصير الداخلي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل.

اقرأ/ي أيضًا | سيرك المشتركة