قرارات ترامب أبعد من الجولان والقدس

قرارات ترامب أبعد من الجولان والقدس

رامي منصور

نتسرع عادة في تفسير قرارات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن إسرائيل، مثل "الاعتراف" بالقدس عاصمة لإسرائيل و"الاعتراف" بسيادة الاحتلال على الجولان، ووقف تمويل وكالة الأونروا وغيرها، بقوة العلاقة الشخصية التي تربطه برئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو. وهذا صحيح، لكنه لا يكفي للقول إن إمبراطورية ذات مؤسسات قوية مثل الولايات المتحدة يدار أمنها القومي وفقا للعلاقات الشخصية للرئيس.

وإعلان ترامب الأخير بشأن الجولان، ليس مفاجئا وإن كان مفاجئا بتوقيته. فقد سبقته تصريحات للسفير الأميركي في تل أبيب، المستوطن دافيد فريدمان، لصحيفة نتنياهو، "يسرائيل هيوم"، لمناسبة رأس السنة العبرية، قال فيها إنه لا يتصور بأي حال من الأحوال عودة الجولان لسورية، وإنها ستبقى للأبد تحت السيادة الإسرائيلية، باعتبار أنه ليس في الجولان جماعة أصلانية تطالب بالحكم الذاتي.

والصحيفة ذاتها، التي يملكها الثري الأميركي الصهيوني شيلدون إيدلسون، كشفت أن ترامب كان سيعلن عن قراره بشأن الجولان في خطابه السنوي إلى الأمة، قبل فترة قصيرة، لكنه قرر إرجاء الإعلان على ما يبدو ليتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، وليكون دعما لنتنياهو. أي أن القرار ليس مفاجئا، وليس مجرد تغريدة لدعم نتنياهو، وإنما جرت دراسته ودراسة الإمكانية القصوى للاستفادة من توقيت إعلانه.

نتنياهو وموفدا البيت الأبيض والسفير الأميركي
نتنياهو وموفدا البيت الأبيض والسفير الأميركي

ولا يخفي الكتّاب في اليمين الإسرائيلي أن مثل هذه القرارات يعود الفضل في جزء كبير منها إلى المبعوث الخاص لترامب، جيسون غرينبلات، والسفير فريدمان، وهما صهيونيان من أقرب المقربين لترامب، ويستغلان صهره، جاريد كوشنر، لتمرير مخططاتهما لدعم إسرائيل وحسم الصراع مع الفلسطينيين من خلال فرض الأمر الواقع والاعتراف بالاستيطان.

والإشارة إلى دور غرينبلات وفريدمان القوي في صنع قرارات الرئيس الأميركي المتعلقة بالمنطقة، لا تستدعي نظريات حول دور الصهيونية عالميا، لكنها تكشف حقيقة نفوذ الصهيونية في دوائر صنع القرار الأميركي. وهذه الحقيقة تشدد على أن الصراع مع إسرائيل يتجاوز مواجهة حركة كولونيالية استيطانية، أو دولة كـ"خنجر في خصر الأمة العربية"، وأننا نواجه حركة صهيونية لها نفوذ عالمي، يتجاوز التأثير من الخارج من خلال التبرع المالي للحملات الانتخابية للمرشحين للرئاسة الأميركية، بل يصل إلى حد التغلغل بمفاصل الإدارة الأميركية. وطالما كان تأثير الصهيونية كبيرا في محيط الرؤساء الأميركيين، سواء بأشخاص مثل هنري كسينجر ودنيس روس، وصولا لغرينبلات وفريدمان، ودميتهما كوشنر.

ويزداد تأثير الصهيونية ليس فقط بفعل نجاح الرهان الأميركي على الدور الإسرائيلي في المنطقة، بل منذ قرار الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، باتباع سياسة الانكفاء في المنطقة العربية، بعد نجاح رهان أميركي آخر، وهو التخلص من الاعتماد على النفط العربي بتطوير تقنيات لاستخراج النفط الصخري، ما يحرر الولايات المتحدة من الارتهان للنفط العربي وأنظمة الحكم العربية النفطية، التي بات دورها بنظر الأميركان يقتصر على تنفيذ الإملاءات الأميركية بما يتعلق برفع أو خفض أسعار النفط، حسب المصلحة الأميركية. وبات هذا الدور العربي أميركيا. لاعبون غير أحرار في بورصة النفط العالمية، يلعبون حسب المصلحة الأميركية. والدليل على ذلك، ذهاب إدارة أوباما للتسوية مع إيران بالملف النووي على الرغم من المعارضة العربية الرسمية، ومعارضة نتنياهو الذي سرعان ما قلب قرار أوباما مع تولي ترامب الرئاسة.

وإذا قررت أميركا الانكفاء عن المنطقة وتبني السياسات الإسرائيلية فيها، بعد التخلص من الاعتماد على النفط العربي، فهل يعني أن "سلاح النفط" صار من الماضي؟ ليس بالضرورة، فما زال النفط العربي محوريا، في الصين وغيرها، لكن الاستثمار في قوته بحاجة لإرادة سياسية عربية، ومصالحة مع دول أساسية بالمنطقة من إيران إلى تركيا. وفي العالم العربي من الخبراء بالنفط والجيوسياسة ما يكفي ليقدموا البدائل طويلة المدى.

انسحب أوباما من المواجهة مع إيران، ولم يقدم أي تعويض للعرب، فيما انسحب ترامب من مواجهة روسيا وإيران في سورية، لكنه قدم لإسرائيل الجولان تعويضا مضاعفا، تعويضا بذريعة حفظ أمن إسرائيل على الجبهة الشمالية، وهدية انتخابية لنتنياهو.

هذا كله يؤكد، أن إسرائيل والصهيونية ليست خطرا على الفلسطينيين وحدهم، ومواجهتها ليست من نصيبهم وحدهم، بل هي خطر على المنطقة، بعربها وفرسها وأكرادها وأتراكها وغيرهم، ولكن على العرب تحديدا، لأن هوية المنطقة من هويتهم، وعداء الصهيونية الأساسي هو للهوية العربية قبل أي هوية أخرى بالمنطقة.

هذا هو سياق سياسات ترامب في المنطقة. ليس تبنيا للمواقف الإسرائيلية، بل تنفيذا وإذعانا للطموحات الصهيونية. هو أبعد من "الاعتراف" بسيادة الاحتلال على الجولان، أو اعتبار القدس عاصمةً لإسرائيل، أو "الاعتراف" بالسيادة الإسرائيلية على المناطق "ج" في الضفة الغربية. والرد على سؤال كيفية مواجهة الصهيونية في العالم، أكبر بكثير من مقال صحافي، لكنه يبدأ بإحباط العرب لـ"صفقة القرن" الجاري تنفيذها هذه الأيام. لكن كيف يحبطونها وهم منشغلون بالتآمر على شعوبهم؟