إفساد متعمد للثقافة السياسية

إفساد متعمد للثقافة السياسية

رامي منصور

أخيرًا تحقق الإنجاز الكبير. وافق رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، بيني غانتس، أن يلتقي ويلتقط صورة مع قادة في القائمة المشتركة ويتوسطهم علم إسرائيل. لم تعد حياة العرب بعد هذه الصورة كما قبلها. مجرم الحرب يعترف بالشرعية السياسية لمنتخبي الجمهور العرب. إنه بمثابة عبور قناة السويس في حرب أكتوبر. لقد تمكنت قواتنا من عبور معسكر اليمين واختراقه. أصبحنا الآن شرعيين بنظر الإسرائيليين، انتقلنا من هامش السياسة الإسرائيلية إلى دكة الاحتياط في مباراة "كاحول لافان" والليكود بعد أن أسقطت قواتنا نتنياهو.

هذه السطور هي محاكاة لما يدور ربما في مخيلة بعض قادة المشتركة. إنه موقف تاريخي. كان الشعار الانتخابي "إسقاط نتنياهو". لقد أسقطناه... لقد أسقطناه... لكن سقطنا معه. سقطنا معه بأن تحولت صورة مع جنرال إلى هدف سياسي بحد ذاته، هي الغاية الجوهرية، لا تهم التفاصيل، لقد أثبتنا ثقلنا السياسي في الساحة الإسرائيلية، لكن لصالح من؟

ما يجري في الأسابيع من بيع للأوهام، وتحويل "مليون صوت عربي" إلى لاعبي احتياط لدى "كاحول لافان" هو ليس مجرد أسرلة أو صهينة، وليس ربط الحقوق بالمواقف السياسية "الصالحة" فقط، وإنما إفساد للثقافة السياسية، هو رهن الحقوق بالتنازل عن الكرامة الجماعية والشخصية، وهذا أخطر ما في الأمر.

هذا إفساد متعمد للثقافة السياسية وتحويلها إلى منافسة نجومية فردية في سباق من الأكثر أسرلة. هو انتهازية لأن حتى السياسي متوسط الذكاء يدرك أن المجتمع الإسرائيلي وأحزابه السياسية لن تقبل بالعربي إلا ميتًا، كما يقول مثلهم المعروف. هذا إذلال للذات لأنه يبدو توسلا للسيد ليعترف بآدمية العبد وشرعيته، حتى لو كان من باب التنازل عن الكرامة الجماعية لشعب يواجه ممارسات عنصرية بسبب انتمائه وهويته القومية العربية.

وهذا الإفساد هو نتيجة إفلاس سياسي. أين الإفلاس؟ هو أن تروج لبضاعة وهمية اسمها التأثير في السياسة الصهيونية بعدما أفقدتك هي ما يميزك، بأنك تمثل مجموعة قومية تناضل من أجل عيش كريم في أرضها، من خلال تبني أو استنباط دعايتها بأن الأحزاب العربية لا تمثل ناخبيها ولا تعمل من أجل قضاياهم المعيشية، بل تنشغل بالقضايا السياسية. ومؤشر آخر على الإفلاس هو أن هذا النهج لم يقدم أدوات عمل جديدة، بل هو لجوء لأدوات قديمة مجربة من الستينيات والسبعينيات، زمن القوائم العربية الملتحقة بالأحزاب الصهيونية، وأثبتت فشلها لأنها لم تحصل الحقوق ولم تحفظ الكرامة.

هو إفلاس نتيجة خواء الطرح السياسي، هو "تهبيش" سياسي لا يدري إلى أين يتجه بالنهاية وإلى أين يريد أن يأخذ الناس، وماذا يريد فعلا. وهو إفلاس لأنه لا يقدم طرحًا سياسيًا له عمود فقري وفكري، ولا يطرح مطالب متماسكة بل مجرد شعارات هي ملخص أوراق عمل. هو إفلاس لأنه بلا رؤية، بوصلته النجومية والرغبة بأن يكون مقبولا على الإسرائيلي. هذا ليس نهجًا خطيرًا لأنه لا يملك المقومات الفكرية السياسية، بل هو ممارسات شعبوية لا تدري أين ستنتهي. وهو إفلاس لأنه مثل المدين بصرف تعهداته للناس خلال الحملة الانتخابية من جهة، ومن جهة أخرى هو مدين للممولين الأميركيين. هو مثل المدين المفلس الذي يؤجل دفع مستحقاته من خلال اللجوء للسوق السوداء. هو إفلاس في الطرح السياسي الذي يستعاض عنه بتكتيكات ومناورات إعلامية انتهت بالجلوس على دكة احتياط "كاحول لافان".

كيف يواجه هذا الإفلاس والإفساد للثقافة السياسية؟ لا يواجه بالمجاراة أو الرد على التكتيك بتكتيك؛ بل يواجه بالعودة إلى أبجديات الثقافة السياسية: لا حقوق مقابل التنازل عن الكرامة والانتماء، ولا حقوق مقابل ربطها بالمواقف والسلوك السياسيين.

ويواجه أيضًا، بأبجديات مثل أن بيني غانتس ومن خلفه من رؤساء أركان، غابي أشكنازي وموشيه يعالون، هم مجرمو حرب. يتجنب غانتس زيارة عدة دول خشية من ملاحقته قضائيا على خلفية جرائمه في غزة، أي خشية من اتهامه قضائيا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كذلك حال يعالون.

لا يواجه الإفساد بـ"ترقيعات" بالمواقف، بل يواجه بالخطاب الواضح وقول الحقيقة للناس، وتوعيتها بأن كرامتهم يجب ألا تسمح لهم أن يكونوا على دكة احتياط غانتس. قد يبدو ذلك كلامًا عكس التيار بنظر الناس في البداية، ولكنها ستكتشف ذلك آجلا أم عاجلا.

هذا المنحدر السياسي يجب أن يكون فرصة ثمينة للقوى الوطنية بأن تعيد تسييس الخطاب والنقاش، وتسييس مطالب وحقوق الناس الشرعية والمستحقة، بدل أن تُحرَج وتنكفئ على نفسها و"تغمغم" مواقفها المبدئية مثل الرفض المبدئي المشاركة بأي حكومة صهيونية، وأن تفسر/ تسيس هذا المنطق، حتى لا يتحول شعارًا منفرًا.

والتسييس لا يتوقف عند طرح المواقف المبدئية، بل صياغة مطالب الناس الحقيقية بأساليب عصرية وعملية، تحفظ الكرامة والانتماء من خلال تسييس المطالب، وتفك الارتباط الذي يجري هذه الأيام بين الحقوق والمواقف السياسية أو بين الحقوق والتنازل عن الكرامة، بأن لا يستدعي تحصيل الحقوق شهادة حسن سير وسلوك من غانتس وغيره.

نهج الهرولة نحو اليمين لن يعمر طويلا، لأنه تعبير عن أزمة وإفلاس سياسيين أكثر منه اختراقًا وتجديدًا في العمل السياسي والبرلماني، خصوصًا أن لا مقومات فكرية له، لكن أضراره وإفساده للثقافة السياسية تبدو واضحة للعيان، وينعكس ذلك بسطحية الخطاب السياسي وشعبويته، والأهم الدفع بالناس للتنازل عن كرامتهم وحقوقهم مقابل فتات حقوق أو بالتقاط صورة مع مجرم حرب.

والإفلاس هو بالأساس نتيجة انعدام مشروع سياسي وطني في الداخل، وعجز القوى الوطنية المزج بين المواقف السياسية المبدئية وبين الممارسة الشعبية. لذلك هي فرصة ثمينة لإعادة السياسة للفضاء العام، ولإعادة مشروع بناء المؤسسات القومية، التي ندفع ثمن انعدامها يوميًا، مرة على شكل جرائم وعنف، ومرة على شكل ممارسة سياسية متذللة للإسرائيلي، ومرة على فقدان السياسة لمعناها، أي باختصار نفتقد لمقومات مجتمع شعب عصري.

السياسة في صلبها الحرية، أو تنظيم تشارك الناس بالحريات، والحرية في صلبها كرامة الإنسان، وإذا انعدمت الكرامة انعدمت الحرية وفقدت السياسة معناها، وبدل السياسة سنحصل على نهج وساطة أو استجداء أو شعبوية أو نجومية أو شمولية، أو كلها معًا. لنعيد للسياسة معناها، الحرية والكرامة.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة