العلاقات الأردنية الإسرائيلية: من وادي عربة إلى "سيوف الكرامة"

العلاقات الأردنية الإسرائيلية: من وادي عربة إلى "سيوف الكرامة"

مأمون خلف

لم يعد خافيًا على المراقبين السياسيين توتر العلاقات وتراجعها إلى مستويات تنذر بالخطر بين الحكومتين الأردنية والإسرائيلية في الشهور الأخيرة، إذ تمارس تل أبيب سياسة فيها تمنّع تجاه عمّان، تلعب فيها على احتياجات الدولة الأردنية الأكثر إلحاحًا من جهة، وسياسة تحاول فيها حكومة تل أبيب حشر الحكومة الأردنية في زاوية التنازلات دون مقابل من جهة أخرى، مستغلة الظرف الإقليمي والدولي الذي تسير رياحه بما تشتهي سفن بنيامين نتنياهو السياسية.

عانت دولة الاحتلال منذ قيامها على أنقاض الشعب الفلسطيني وأرضه من أزمة وجودية وأمنية، عائدة لسببين غاية في الأهمية لفهم تحولاتها السياسة اليوم تجاه الأردن؛ الأول، له علاقة بقدرتها تاريخيًا على شرعنة وجودها في المنطقة العربية التي بقيت تلفظها رسميًا وشعبيًا حتى وقت قريب؛ والثاني، له علاقة بطبيعة سياستها التوسعية والتمدد جغرافيًا على حساب الأراضي الفلسطينية والعربية. 

إزاء ذلك، شكل الأردن، من وجهة نظر السياسة الإستراتيجية الإسرائيلية في هذين الملفين تحديدًا، محورًا هامًا في التغلب على هاتين المعضلتين. فمن ناحية مثلّت عمان، خصوصًا بعد معاهدة وادي عربة (1994)، رئة اتصال للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مع المحيط العربي حولها في أكثر من مناسبة، وسهّلت بذلك إخراج إسرائيل من عزلتها، ودمجها مع المحيط الرافض لها شيئًا فشيئًا. ومن ناحية أخرى، ضمنت إسرائيل أمن أطول خط حدودي مع جيرانها العرب من الناحية الشرقية، بإضافتها أردن ما بعد وادي عربة كعمق أمني إضافي إلى المنطقة الحدودية العازلة في منطقة الأغوار الفلسطينية.

هذا الميزان الحاكم صار يعتريه الخلل بعد اندلاع انتفاضات الربيع العربي (2011)، لدرجة أنه لم يعد له حاجة ذات أهمية، على الأقل من وجهة النظر الإسرائيلية، خصوصًا بعد صعود دونالد ترامب إلى إدارة البيت الأبيض وترويج إدارته لمشروع صفقة القرن، التي تحابي الإسرائيليين على حساب العرب، ومن ثم حدوث تحول جذري في السياسة العربية، والخليجية تحديداً تجاه إسرائيل. عند هذه اللحظة التاريخية قد تطرح إسرائيل على نفسها السؤال التالي: ما الجدوى من علاقة نعطي فيها عمان حاليًا أكثر مما نأخذ منها؟ فمن جهة تهرول الرياض وأبو ظبي والقاهرة والمنامة ومسقط إلى الحضن الإسرائيلي، بطريقة مسرحية لم يكن يحلم فيها أكثر الصهاينة تفاؤلاً من مستقبل العلاقات مع المحيط العربي، خصوصًا أنها تحدث كلها دون الحاجة لدور الوسيط الأردني كما في السابق. 

الملك عبد الله الثاني يتابع مناورة "سيوف الكرامة" (بترا)

ومن جهة أخرى، تجد إسرائيل نفسها تتلقى من الإدارة الأمريكية الحالية الهدايا المتتالية، بدءًا بقرار نقل سفارتها إلى القدس، مرورًا باعترافها بـ"سيادة إسرائيل" على الجولان المحتل، وانتهاءً بالاعتراف بشرعية المستوطنات على أراضي الضفة الغربية، وبالتالي مباركة ضم الأغوار الفلسطينية في حلم إذ تمكنت من ضم الأراضي وانتزاع شرعية بتكلفة صفر تقريبًا، ومن دون إطلاق رصاصة واحدة. لذا، لم يعد للأردن قيمة إستراتيجية من ناحية الأمن الجغرافي، بل إن الوضع الدولي أسال لعاب صنّاع القرار الإسرائيلي بإمكانية إقناع الأردنيين، أو فرض أمر واقع عليهم، في ما يخص حل القضية الفلسطينية، وتوطين اللاجئين والاستغناء عن خدمات وكالة "أونروا". 

تدرك الدولة الأردنية تمامًا ما الذي يحدث حولها، وتدرك تمامًا أنها لم تعد ذلك الوسيط الذهبي بين إسرائيل والأنظمة العربية المهتمة بعلاقات مع تل أبيب، وإن من تحت الطاولة، خصوصًا بعد السعي السعودي والإماراتي العلني لإقامة علاقات مفتوحة مع إسرائيل. لذا، فمن هذا الجانب لم يعد يحتاج السياسي الإسرائيلي لعمّان كقناة اتصال، ووسيط بينه وبين العواصم العربية، خصوصًا اليوم في ظل الزيارات المكوكية المباشرة بين الاحتلال والدول العربية مباشرة، وفي ظل الدعوات الخليجية للانفتاح على إسرائيل ودمجها في المحيط العربي.

ولّدت معارضة النظام الأردني لمشروع "صفقة القرن" الأميركي غير واضح المعالم، الكثير من الضغوطات عليه للقبول ببنودها من قبل الأميركيين والإسرائيليين وبعض الأنظمة العربية، حتى قبل أن تعرض على المجتمع الدولي بصورتها النهائية. هذا الغموض الذي حاول العاهل الأردني فهمه من خلال ثلاث زيارات لواشنطن، منذ الإعلان عن وجود الخطة الأميركية دون الحصول على أي توضيح، زاد من تحسسه للخطر على مستقبل العائلة الحاكمة والدولة والشعب الأردني. 

وقد زادت سلسلة من الأحداث هذا الإحساس بالخطر، الذي يتهدد مستقبل الدولة الأردنية، ليس أولها محاولة نزع الوصاية الهاشمية بضغط أميركي - إسرائيلي - سعودي عن إدارة المقدسات في مدينة القدس، والتي إن تمت فهي ضربة قاصمة لشرعية الهاشميين كعائلة حاكمة، وليس أخرها إعلان الحكومة الإسرائيلية عن نيتها فرض "سيادتها" على أراضي الأغوار الفلسطينية الحدودية مع الأردن.

وبين هذين الحدثين، ظلت عمّان تمتص الصدمات من حلفاء الأمس، في واقع سياسي أقل ما يمكن وصفه بالمتقلب وغير اليقيني خلال السنوات القليلة الماضية، بهدف تركيعها ودفعها لقبول تنازلات أليمة. ولتحقيق هذه الغاية، تخلت إسرائيل عن الشراكة مع الأردن في مشروع ناقل البحرين الإستراتيجي جدًا لأمنه المائي وتزويده بالطاقة. وقبل ذلك، أنشأت إسرائيل مطار "رامون" قرب إيلات على بعد مئات الأمتار فقط من مطار الملك حسين في العقبة، في مخالفة للاتفاقيات بين البلدين، ومخالفة لقانون الطيران المدني بهدف ضرب السياحة الأردنية، المتنفس الاقتصادي الأهم المتبقي لها في منطقة تعج بالاضطرابات السياسية حولها. ومن ثم تهديد الأردن بالملاحقة القضائية في حال انسحب من اتفاقية استيراد الغاز مع تل أبيب، التي يتوقع أن تدخل حيز التنفيذ خلال الأسبوعين المقبلين، بتكلفة 15 مليار دولار للسنوات العشر المقبلة، في ظل مديونية مرتفعة، وعجز شاسع في الميزانية الأردنية، وشبه توقف تام للمساعدات الأميركية والخليجية.

من مناورة "سيوف الكرامة" (بترا)

ومن ثم في الداخل الإسرائيلي، لا يكف الساعون إلى السلطة عن تدبيج برامجهم الانتخابية، ودعاياتهم السياسية على حساب الأردن. فمرة يستقبل نتنياهو الضابط الأمني في السفارة الإسرائيلية، استقبالا إعلاميًا مبالغًا فيه بعد قتله مواطنين في عمّان، لتسويق نفسه إعلاميًا من جهة، وللاستخفاف بالنظام الأردني وإحراجه مع شعبه وقواه السياسية من جهة أخرى. وتارةً يخرج بتصريحات مستفزة، مفادها أن عمّان من بحاجة إلى تل أبيب وليس العكس، في محاولة للضغط على العصب الأردني الاقتصادي والسياسي المكشوف. ذلك أن إسرائيل وجدت في عمّان عائقًا أمام استكمال المكاسب التي حققتها مؤخرًا، خصوصًا في ما يتعلق باستكمال ما تعتبره نصرًا في القدس، إذ اصطدمت بحقيقة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية في المدينة. ومن جهة أخرى، اصطدمت بالرفض الأردني الصارم لإعلان نتنياهو نيته لضم الأغوار الفلسطينية في حال فوزه في الانتخابات، ولرفضه تصفية القضية الفلسطينية بطريقة مهينة وعلى حساب مصالح الأردن. 

نتنياهو يستقبل ضابط الأمن في السفارة الذي قتل مواطنين أردنيين

لكن النظام الأردني الذي يدرك محدودية إمكانياته، أجاد دائمًا لعبة التوازنات السياسية، وأثبت مرارًا فعالية مرونته وتموضعه في لعبة المحاور السياسية، الإقليمية والدولية، لحفظ مصالحه والدفاع عنها. أوضح العاهل الأردني طبيعة البلاد المستقلة برفضه طلبًا سعوديًا بعدم المشاركة في مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي حول القدس، في كانون الأول/ ديسمبر 2017 في إسطنبول، وسارع إلى تسخين العلاقات الفاترة مع المحور القطري - التركي لمواجهة الضغوطات الخليجية - الإسرائيلية. كما أعلن عن استعداده للتفاهم مع المحور الإيراني بخطوات عملية، ترجمها من خلال رفض دعوة أميركية في كانون الثاني/ يناير 2019، للانضمام لتحالف إقليمي بهدف مواجهة إيران، بل سارع لتحسين العلاقات مع حلفائها في المنطقة من خلال دمشق، بفتح الحدود معها لعبور البضائع والأشخاص العام الجاري، ومن ثم زيارة الملك عبد الله الثاني تبعتها زيارة رئيس الوزراء الأردني، عمر الرزاز، إلى العراق لإعادة الأمور لما كانت عليه قبل العام 2003. 

والأهم، أن النظام الأردني في مواجهة العنجهية الإسرائيلية، أعلن الشهر الماضي عدم تمديده العمل بملحقي الباقورة والغمر، واستعادة سيادته عليهما في خطوة أفسدت النشوة الصهيونية بأراضي الجولان المحتل، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، واقتراب ضمها المستوطنات في الضفة والأغوار. بل إن الأردن ذهب بعيدًا، الأسبوع الماضي، في أقوى رسالة يمكن أن يوجهها للداخل والخارج، من خلال مناورات عسكرية على الحدود الغربية، للمرة الأولى منذ توقيع معاهدة السلام، وأطلق عليها اسم "سيوف الكرامة"، أرسل فيها رسائل عاجلة ومؤرقة لكثير من الأطراف، مفادها أن الكيل قد طفح من ممارسات اليمين الإسرائيلي غير المحسوبة، وأن البلاد مستعدة حتى لمعركة غير متكافئة، ولسان حالها يقول للإسرائيليين إننا فعلناها مرة على الحدود الغربية الجنوبية عام 1968، وسنفعلها مرّة أخرى، إن لزم الأمر اليوم، على الحدود الغربية الشمالية.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة