الانتخابات البلدية في فرنسا: حضور البيئة في زمن الجائحة

الانتخابات البلدية في فرنسا: حضور البيئة في زمن الجائحة

عُقدت في 28 حزيران/ يونيو 2020 الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في فرنسا، التي جرت جولتها الأولى في 15 آذار/ مارس الماضي. وقد تأجلت الجولة الثانية بسبب جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19). وقد أسفرت الجولة الأولى عن انتخاب أو إعادة انتخاب رؤساء وأعضاء بلديات 30143 مدينة وبلدة ومركزًا حضريًا، ثم انحصرت الجولة الثانية في عدد لا يتجاوز 4500، لم يجر حسم نتائجها في الجولة الأولى، وهي حواضر تضم كبرى المدن وأكثر من 50 في المئة من السكان.

سجلت الجولة الثانية من هذه الانتخابات نسبة عزوف عن التصويت بلغت 60 في المئة من الناخبين، وهي أعلى نسبة امتناع عن التصويت تسجّل في فرنسا منذ عام 1965.

ويُجمع المتخصصون في الشأن الفرنسي على أن الانتخابات البلدية ذات حمولة سياسية ضعيفة نسبيًا مقارنة بالانتخابات الأخرى، الرئاسية والتشريعية؛ لغلبة الشأن المحلي المرتبط بقضايا الحياة اليومية، وليس بالأفكار الحزبية أو الميول السياسية، إضافة إلى أن شخصية المرشح لرئاسة البلدية وقربه من المجتمع المحلي تؤدي جميعها دورًا كبيرًا يمنحه فرصة تجاوز الانقسامات الأيديولوجية؛ فمثلًا هناك أكثر من مدينة فاز برئاسة بلديتها مترشح من الحزب الاشتراكي رغم أن مجتمعها يميل نحو اليمين والعكس صحيح، إلا أن المواقف والقضايا السياسية أدّت هذه المرة دورًا مؤثرًا كما تُبيّن النتائج الأخيرة.

صعود الخضر

أسفرت نتائج الانتخابات عن اكتساح موجة بيئية عارمة "الخضر" لمدن كانت تاريخيًا تديرها الأحزاب السياسية التقليدية، مثل مدينة بوردو التي ترأّس بلديتها مدةً طويلة رئيس الوزراء الأسبق آلان جوبيه، أو مدينة ليون التي كان جيرار كولومب، وهو أحد أبرز داعمي الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون ووزير داخليته السابق، رئيسًا لبلديتها منذ أكثر من 25 عامًا، وقد اختار خوض الانتخابات الأخيرة متحالفًا مع اليمين الديغولي ضد حزب الخضر (المسمى أوروبا–البيئة-الخضر).

في حين فاز الأخير في ستراسبورغ وبيزانسون وعدة مدن وبلدات أخرى أول مرة على الإطلاق. أما اليمين الديغولي، فقد خسر مرسيليا بعد أن أدارها مدة ربع قرن، متراجعًا أمام كتلة يسارية يُمثّل فيها "الخضر" كتلةً وازنة. وفي العاصمة باريس، تحالفت رئيسة بلديتها، الاشتراكية آن هيدالغو، مع "الخضر" لتحصل على 11 في المئة إضافة إلى حصتها من الأصوات، وتفوز بفارق شاسع عن منافستها من حزب "الجمهوريون" وزيرة العدل السابقة في عهد نيكولا ساركوزي، رشيدة داتي، وهي من أصل مغربي، التي حاولت التقرّب من خطاب اليمين المتطرف سعيًا لكسب أصوات مؤيديه في العاصمة باريس بتبنيها خطابًا تحذيريًا لمعالجة مسائل الهجرة من الدول العربية والإسلامية، وخطاب حفظ الأمن والنظام في بعض الأحياء المهملة بحسب تقديرها.

وقد خاض حزب الرئيس ماكرون، "الجمهورية إلى الأمام"، الذي شكّله بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2017، أولى انتخاباته البلدية بعد أن فاز على نحو مريح في الانتخابات الرئاسية وانتخابات البرلمان الأوروبي والانتخابات التشريعية. وقد أظهرت النتائج تسجيله خسارةً شبه تامة فيها، ما يمكن الاستنتاج بأنه أظهر عجزه البنيوي في ترسيخ وجوده في المناطق والأقاليم، وكذلك عن الاندماج في الكتل المجتمعية، على الرغم من أنه ادّعى الخروج عن العمل السياسي التقليدي والاستناد إلى المجتمع المدني.

وقد خسر مرشحوه أغلب الدوائر التي ترشّحوا فيها، ما عدا مدينة لوهافر، التي فاز فيها رئيس الوزراء الحالي القادم من اليمين إدوار فيليب. ويمكن أن يُعزى فوز فيليب في هذه المدينة الساحلية الأطلسية إلى شخصه وليس إلى حزبه؛ حيث كان قبل التحاقه بفريق ماكرون رئيسًا لبلديتها، وله فيها جذور وأثر في الإدارة والتواصل مع الناخبين.

وفي باريس، حيث كانت نسبة مَن صوّت لحزب ماكرون في الانتخابات الأوروبية تفوق 40 في المئة من الناخبين، انهار الحزب تمامًا في الانتخابات البلدية. ويمكن أن يُعزى ذلك إلى عدة عوامل؛ منها أن ماكرون اختار أحد مقربيه، الوزير بنجامين غريفو، ليكون مرشح الحزب في العاصمة، ولكنه انسحب بسبب فضيحة أخلاقية، ما دفع الرئيس إلى أن يطلب من وزيرة الصحة آنييس بوزان الحلول مكانه، فاستقالت من منصبها في ذروة جائحة كورونا التي كانت تعصف بالمجتمع الفرنسي لكي تتقدم لانتخابات رئاسة بلدية باريس، وقد استقبل الرأي العام هذه الخطوة على نحو سلبي جدًا، إذ رأت فيها الأغلبية عملًا انتهازيًا في خضمّ مأساة إنسانية.

ومن جهة أخرى، فقد عجز اليمين المتطرف المتمثل بحزب "التجمع الوطني" برئاسة مارين لوبان عن تحقيق أي تقدّم يذكر، ما عدا فوزًا مؤثرًا في مدينة يزيد عدد سكانها على 100 ألف، وهي بيربينيان قرب الحدود الإسبانية.

وقد فقد هذا الحزب، الذي تمحورت حملته الانتخابية على رهاب الإسلام والهجرة، بسبب جائحة كورونا جزءًا كبيرًا من "رأس ماله السياسي" لانحراف نظر الناخبين إلى خطر حقيقي متمثل بالوباء بعيدًا عن أخطار وهمية ما فتئ هذا الحزب يحذر منها ويلعب على وتر الخوف والرهاب منها.

وكان اليمين المتطرف، مؤيَّدًا من بعض اليمين التقليدي، قد أثار زوبعة "اللوائح الانتخابية الدينية"، متهمًا المجموعات الممثلة للجاليات الإسلامية بالسعي لتشكيلها؛ ما يعطي طابعًا دينيًا للّوائح في بعض المناطق، مُبعِدًا مفهوم العلمانية الذي يدّعي هذا اليمين المتطرف التمسك به. ولكن هذا الخطاب عانى ضعفًا شديدًا، وكاد يضمحل نتيجة تغيّر الأولويات حتى بين ناخبي التجمعات المتطرفة.

قراءة في النتائج

بيّنت الانتخابات البلدية الأخيرة عزوفًا متصاعدًا لدى الناخبين عن ممارسة حقهم في التصويت. ومن الممكن تفسير هذه الظاهرة، من جهة، بترسّخ انعدام الثقة بالسياسة التقليدية وأحزابها وممثليها، والميل إلى ممارسة السياسة في الشارع من خلال أعمال الاحتجاج التي بدأت بالليلة البيضاء وتلتها السترات الصفراء وأخيرًا المظاهرات الحاشدة المعادية للعنصرية ولعنف رجال الشرطة وحفظ النظام.

ومن جهة أخرى، أوضحت النتائج الأخيرة أن الاهتمامات البيئية هي عنوان لسياسة بديلة تتقدّم، وقد بدأت في تثبيت أقدامها في أوروبا عمومًا، كما يبدو في الحالتين الفرنسية والألمانية على وجه الخصوص. وقد عززت جائحة كورونا هذا الميل البيئي في الأشهر القليلة الماضية؛ إذ شعر الناس بالخطر الذي يتهدد البيئة نتيجة عدم احترام الإنسان، بنشاطه الاقتصادي ونزعاته الاستهلاكية، للتوازن الطبيعي.

ومن المرجّح أن تتبنى الفئات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار خطابًا بيئيًا في المستقبل، سعيًا لاكتساب أصوات الناخبين قبل موعد الانتخابات الرئاسية عام 2022. وقد استبق ماكرون هذا المد البيئي، بدعوة 150 مواطنًا من قطاعات مختلفة في المجتمع المدني الفرنسي، اختيروا عشوائيًا بالقرعة، لتشكيل ما سُمي "الاتفاقية المواطنية" لمناقشة اقتراحات تحسين البيئة ومواجهة التحديات المرتبطة بالتلوث البيئي والاحتباس الحراري. وقد قدّمت هذه المجموعة 149 اقتراحًا لرئيس الجمهورية، غداة صدور النتائج الانتخابية في قصر الإليزيه في لقاء واسع سلّطت عليه أجهزة الإعلام الأضواء.

وسيتم خلال الأيام القليلة المقبلة إعلان حلّ الحكومة القائمة، وتشكيل حكومة جديدة لن يعود على الأرجح إدوار فيليب إلى رئاستها بعد فوزه الكبير في انتخابات مدينة لوهافر، وبسبب علاقته المتوترة نسبيًا مع ماكرون، وكذلك خوف الأخير من صعود شعبيته؛ لذلك سيسعى ماكرون لاختيار بديل منه من الشخصيات ذات الشعبية والوزن السياسي.

لقد حاز رئيس الوزراء فيليب رضى شعبيًا عامًّا بسبب إدارته لجائحة كورونا، في حين فقد ماكرون عددًا من النقاط نتيجة غيابه الجزئي عن المشهد العام أثناء الأزمة. إضافة إلى ذلك، سيسعى ماكرون، بحسب توقعات المحللين، لإدخال تعديلات مهمة في الحكومة واختيار شخصيات لها اهتمام وتأثير بيئيان كبيران، كما سبق أن فعل في تشكيلة حكومته الأولى مع نيكولا هولو الذي سرعان ما استقال حينما شعر بأن جعْله رئيسًا للوزراء جاء لذرّ الرماد في العيون، وبأنه لن يتمكن من تطبيق سياسته البيئية التي تتعارض مع سياسات المؤسسات الصناعية وشركات الطاقة الكبرى التي تحميها قناعات الرئيس القادم من عالم المال والأعمال.

وتذهب بعض التسريبات إلى ميل ماكرون إلى اختيار وزير خارجيته، جان إيف لودريان، رئيسًا مقبلًا للحكومة؛ وهو الرجل الوفي الذي خرج عن الحزب الاشتراكي لينضم إلى فريق ماكرون منذ بداية مشروعه، كما أنه جاء من وزارة الدفاع بملفات ربطت السياسة الخارجية الفرنسية بسوق السلاح، إذ يُعتبر بارعًا في التسويق للأسلحة الفرنسية فيه، إضافة إلى أنه يعتبر من أكثر الوزراء شعبية في فرنسا، وهو قريب إلى حلفائها في الملف الليبي (مصر والإمارات العربية المتحدة).

انتخابات بلدية وسياسة خارجية

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية عام 2022، والرغبة الواضحة لدى ماكرون في متابعة مساره الرئاسي، يمكن الاستنتاج بأن تركيز السياسات الرئاسية المقبلة سيكون على محورين أساسيين، الأول بيئي والثاني مرتبط بالسياسة الخارجية.

فمن جهة، سوف يعمل ماكرون على سحب البساط من تحت أقدام حزب الخضر الأشدّ ميلًا إلى اليسار، بجعل الخطاب البيئي محور اهتمامه، وسيتم على الأرجح تشجيع المؤسسات المالية الكبرى والشركات الصناعية، التي حصلت على دعم حكومي كبير خلال الإغلاق الذي فرضته جائحة كورونا، على الالتزام بالحفاظ على البيئة والتخفيف من الاحتباس الحراري؛ فمثلًا بعد مفاوضات جرت مع شركة الطيران الوطنية لمنحها قرضًا ضخمًا، التزمت الشركة بأن تقفل رحلاتها القصيرة التي يمكن للسكك الحديدية أن تحل مكانها، واتباع سياسة بيئية للتخفيف من نسبة انبعاث ثاني أكسيد الكربون في الجو. كما اشترط على شركات صناعة السيارات الكبرى أن تركز أكثر على تطوير السيارات التي تعمل بالكهرباء.

وأخيرًا، توصل المفاوض الحكومي إلى إقناع شركة "إيرباص" بأن تستعجل الأبحاث في مجال الطيران النظيف مقابل القرض الكبير الذي منحته الدولة لها لمساعدتها في تجاوز آثار الأزمة الاقتصادية الحادة.

أما في حقل العلاقات الخارجية، فأغلب الظن أن يطلق ماكرون مبادرات دبلوماسية، وربما عسكرية عزف عن الخوض فيها في سنوات حكمه الماضية، ما أثّر بشدة في حضور فرنسا الدولي.

لذلك يرجّح أن يلجأ ماكرون خلال الفترة القادمة إلى القيام بدور خارجي أكثر فاعلية، أو أكثر حضورًا، يمكن أن يساعده في لفت الانتباه عن التراجع أو العجز في إدارة الملفات الداخلية. ومن مؤشرات هذا التوجه التصعيد الأخير مع تركيا في الملف الليبي؛ حيث ما زالت فرنسا، رغم النفي غير المقنع، تدعم اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر.

ويترقب البعض الدور الجديد الذي ستحاول فرنسا تأديته على المسرح الأوروبي الذي تعرض للاختلال في بداية جائحة كورونا، وكذلك على المسرح الشرق أوسطي والأفريقي، حيث لفرنسا مصالح متشابكة وعلاقات متناقضة.

خاتمة

سيكون أمام حزب الخضر فترة تجريبية تمتد سنتين قبل الانتخابات الرئاسية، سيحاول من خلالها إدارة المدن الكبرى التي فاز فيها، ليُثبت للفرنسيين عمومًا وللمترددين منهم خصوصًا أنه البديل العملي من يسار متآكل ومتشرذم، أو من يسار شعبوي يعتمد على الحشد العاطفي أكثر من البرامج النوعية الواضحة.

كما أنه سيسعى للظهور بأنه قادر على إدارة شؤون الناس بعيدًا عن الديماغوجية التقليدية وبالاقتراب أكثر من همومهم اليومية ومن بيئتهم الملوثة. وربما يسجّل "الخضر" مفاجأة ليست غير متوقعة في انتخابات عام 2022، إذا استمرت السياسات الماكرونية الحالية في تناقضها، وإذا نجحوا هم في حسن إدارة شؤون مدنهم الكبرى وبيّنوا أن التطبيق يمكن أن يمتد إلى مساحة الجمهورية.