وزارة الصحة وإعلامها العربي: قصّة فشل

وزارة الصحة وإعلامها العربي: قصّة فشل

تتجّه عدة بلدات عربية إلى الإغلاق الشامل، ليلا ونهارًا، وتعطيل الدراسة وإغلاق المصالح التجارية والحد من الخروج والدخول، بعد أن سجّلت ارتفاعًا في عدد الإصابات بفيروس كورونا، وبعد أن تركزت محطات الفحوصات في البلدات العربية خلال الأسبوعين الأخيرين.

وإذا ما استمر هذا الارتفاع في الإصابات في بلدات عربيّة، فإن عدد الوفيات سيرتفع أيضًا وكذلك الحالات الحرجة والخطرة، فيما يجري تحميل المواطنين في هذه البلدات مسؤولية الارتفاع نتيجة الأعراس التي تقام في الشوارع والأحياء دون رقابة على تطبيق تعليمات الوقاية من الفيروس، وينذر ذلك بأضرار اقتصادية للمصالح التجارية العربية والعمال والموظفين العرب، بالإضافة إلى الأضرار الصحية الناتجة عن الإصابة بالفيروس، وكذلك الآثار النفسية الناتجة عنه وعن الحجر المنزلي والإغلاق الشامل وتعطل الدراسة.

في الشهرين الأخيرين بدت البلدات العربية كأنها x zone، أي مناطق غير خاضعة لأي سلطة محلية أو قُطرية، وتحولت إلى محطات لاكتشاف الفيروس بعد إهمالها طيلة شهور منذ بدء الجائحة الحالية، دون اتخاذ إجراءات عملية جدية تحث المواطنين على الحذر والالتزام بتعليمات الوقاية من الفيروس، ولم تجر مراقبة الملزمين بالحجر الصحي المنزلي، سواءً من المصابين أو ممن كانوا على اتصال مباشر مع مصابين، فيما كانت لافتةً سهولةُ إلغاء الحجر من خلال التوجه لوزارة الصحة، وذلك لأمرين، أولًا لأن العديد من الرسائل الهاتفية التي وصلت المواطنين وتطالبهم بالدخول للحجر الصحي نتيجة تواصلهم مع مصاب مؤكد، كانت إما خاطئة أو غير دقيقة، إذ اطلعنا على حالات عديدة كان فيها المُطالَب بالحجر المنزلي في منزله ولم يتلق أي شخص مصاب في الساعة التي حددتها رسالة وزارة الصحة. والأمر الثاني، الاستهتار من قبل مواطنين بالتعليمات والتعامل مع الفيروس كأنه من الماضي ولم يعد يشكّل خطرًا على شرائح عديدة من المجتمع.

اكتشاف غمزو المفاجئ... برنامج عمله الغائب

فجأة، اكتشف منسق كورونا، البروفيسور روني غمزو، أن البلدات العربية قنبلة موقوتة وأنها تسجل ارتفاعًا بعدد الإصابات اليومية، إذ قال في بيان اليوم الأحد، إن معدل الإصابات في البلدات العربية خلال الموجة الأولى كان 5 في المئة، ووصلت اليوم إلى 30 في المئة. وأمام هذا الواقع لم يحرك غمزو ساكنًا واكتفى بزيارة المجالس المحلية العربية، ولم يعلن عن خطوات عملية جدية سوى فتح محطات الفحص والطلب من الجبهة الداخلية في الجيش الإسرائيلي والشرطة الاستعداد لضبط الإغلاق في "البلدات الحمراء". لم تقدم الحكومة ولا غمزو على توفير الاحتياجات اللازمة والضرورية للسلطات المحلية العربية، واستمر بجولاته في السلطات المحلية كأنه مشرف وليس مسؤولا عن مواجهة كورونا.

لم تتوقف الإدارة السيئة للأزمة الحالية عند هذا الحد، بل استمرت في التعامل مع المواطنين العرب كخطر يجب محاصرته دون تقديم المعلومات والتعليمات الضرورية بالوسيلة والمضامين الصحيحة. فأداء الإعلام العربي في وزارة الصحة أثبت فشله في هذه الأزمة، ولا يرتقي لحملة واسعة وفعّالة في نشر التوعية رغم الميزانيات التي صُرفت على الإعلانات والترويج في شبكات التواصل الاجتماعي. لم تصل هذه الحملة إلى شوارع البلدات العربية بل هي افتراضية تعتمد على وسائل التواصل والتلغرام، وفي بعض البلدات لافتات في الشوارع. لم نشهد حملات ميدانية مكثفة في البلدات العربية ولا في المدارس أو المؤسسات الصحية، ربما من باب التوفير والإهمال.

ومثال على فشل الحملة وعدم اتخاذ غمزو إجراءات عملية لمنع انتشار الفيروس في البلدات العربية ومنع الأعراس والتجمعات:

يوم 27 آب/ أغسطس زار غمزو مدينة أم الفحم ورافقه رئيس البلدية، د. سمير صبحي، وتجوّلا في شوارع وأسواق المدينة واطّلعا على الأوضاع من قرب. لكن المهزلة كانت في أن وزارة الصحة أصدرت بيانًا باللغة العربية تحت عنوان "غمزو يخرج منزعجًا من أم الفحم بعد أن شاهد عرسًا كبيرًا في شارع عام!"، ويبدو أن انزعاج الخواجا غمزو أكثر أهميّة من استهتار المواطنين ومطلب رئيس بلدية أم الفحم، و"حرده" ومغادرته المدينة لا يعني أنه يوفر المطلوب لوضع حد لهذا الاستهتار.

لكن الأمر المهم كان في خاتمة البيان وكأنه أمر ثانوي، وهو ما صرح به رئيس بلدية أم الفحم "إن انزعاج غَمزو هو أمر جيّد من أجل التحرك لاتخاذ خطوات جدّية..."، "غَمزو تجوّل في منطقة السوق ومواقع أخرى، وكنت أرافقه أنا وقيادة الشرطة والجبهة الداخلية، وكان فيها التزام بعض الشيء ثم توجه لمشاهدة عرس حاول أصحابه المحافظة على التوصيات، لكنك تعرف أن مجتمعنا مهما حاول فإنه لن يلتزم بالتعليمات بشكل دقيق وهناك شاهد ما أزعجه".

والأهم هو أن صبحي توّجه "برسالتين إلى غَمزو ووزير الصحة يولي إدلشطاين ودعوتهما للعمل سريعًا على نقل الأعراس إلى القاعات والمتنزهات المفتوحة مع ضمان تطبيق كل التحديدات والقيود، وافقني الرأي أيمن سيف الذي تحدثت معه بعد زيارة غَمزو للمدينة. صحيح أن غَمزو انزعج ولكن ربما هذا الانزعاج يدفعه إلى اتخاذ القرار السليم".

اكتظاظ أمام مركز فحص كورونا في مجد الكروم أمس
اكتظاظ أمام مركز فحص كورونا في مجد الكروم أمس

الأعراس نقطة انتشار كورونا؟ صحيح ولكن...

لم يؤد انزعاج غمزو إلى اتخاذه القرار السليم كما طالب رئيس البلدية وخبراء، أي فتح المتنزهات في الهواء الطلق أمام الأعراس بدلًا من إقامتها في الشوارع الضيقة من دون رقابة. ما حصل أن غمزو انتقل إلى مدينة الناصرة والتقى أطباء ومسؤولين من بينهم رئيس البلدية، علي سلام، واستمرّ بالوعظ دون أن يتخذ أي إجراءات حقيقية على الأرض لوقف الأعراس الذي يؤكد مرارًا وتكرارًا أنها مصدر التفشي.

استمر غمزو في اتهام الأعراس بتفشي كورونا، لكنه لم يطلب من جهات إنفاذ القانون التحرك لوقف الأعراس أو فرض الرقابة الصارمة عليها وعلى المطالبين بالحجر (وتوفير الرعاية النفسية والحماية الاقتصادية لهؤلاء حتى لا يتضرروا اقتصاديًا)، واستمر في الإدلاء بتصريحات صحافية وبيانات لا تغني ولا تسمن. فقط بعد أيام من زيارته لأم الفحم قررت الحكومة فتح المتنزهات في الهواء ولكن القرار لا ينفذ دون مصادقة الكنيست، واستمر الفيروس بالتفشي ولم يحرك أحدٌ ساكنًا من المسؤولين.

أما أداء السلطات المحلية والرؤساء فهو دون المطلوب، لدرجة أن بعض الرؤساء والمسؤولين في البلديات والمجالس يشارك في الأعراس والأتراح، ومنهم من أقام زفافًا رغم الأزمة الحالية.

مزيد من الميزانيات؟ كثير من المهنيّة أفضل

أما القائمة المشتركة، فيبدو أنها خافت من انتشار الفيروس واختفت عن الأنظار، واكتفت بنشر مقال هنا أو مقال هناك، دون أن تحرك ساكنًا وتساعد السلطات المحلية على مواجهة التفشي، ونقد سلوك غمزو وخطته التي لم تقدم أي شيء حقيقي للسلطات المحلية لمواجهة الفيروس، أو تسعف البلدات العربية من الخطر المقبل. فدعا النائب عن القائمة المشتركة، أحمد طيبي، خلال جلسة في الكنيست اليوم إلى "ضخّ المال للإعلام العربي، لتصل تعليمات وزارة الصحة إلى كل بيت في المجتمع العربي"، لكن المطلوب "ليس ضخّ المال فحسب"، فهذا استغلال سياسي شعبوي للأزمة ولا يعالج الجوهر، إذ تلتزم وسائل الإعلام العربية بكافة البيانات التي تصل من وزارة الصحّة دون مقابل مادّي، المطلوب هو العمل الإعلامي المهني وخصوصًا الإعلام الميداني بين البيوت والناس، وليس عبر قنوات التلغرام (لا يتخطى متابعو قناة وزارة الصحة بالعربية أكثر من 7 آلاف شخص) وشرح أسباب التضارب بين القرارات الحاليّة والسابقة.

وهذا يتطلّب مراجعة السياسة الإعلامية للوزارة برمّتها، وأن تتحوّل تعميماتها إلى مصدر موثوق للمعلومة وليس مكانًا للصق البيانات الصادرة عن "كل من هبّ ودبّ" من السلطات المحليّة والسياسيين، وفي هذا المثال كيف يمكن تفسير تعميم وزارة الصحّة بيانا لبلديّة الناصرة حول جهوزيّة المدارس بينما تتجّه للإعلان عن الناصرة "مدينة حمراء" أي إغلاق المدارس، فكيف يستقيم عند الوزارة الأمر وضدّه؟ التخبّط أولا والإهمال دائمًا.

أمّا مساعد غمزو، أيمن سيف، فقد صرح في بيان رسمي في 1 أيلول/ سبتمبر الجاري، إنه "كانت هناك تفاهمات وأجواء إيجابية بشكل عام، أظهر من خلالها رؤساء السلطات المحلية رغبة في التعاون إلى حد فرض قيود تتلاءم مع ظروف البلدة ونسب العدوى فيها، والقدرة على تنفيذ وتطبيق هذه القيود".

وأضاف البيان أنه "واستمع أيمن سيف إلى مطالب واحتياجات كل رئيس سلطة محلية من أجل إدارة الأزمة بشكل ناجع وفعال. ومن بين هذه المطالب فتح محطات للفحص، وتكثيف عمليات التحقيق الوبائي من أجل كسر سلاسل العدوى، وحملات إعلامية على المستوى المحلي، بالإضافة إلى تطبيق القانون بحزم من قبل سلطات تطبيق القانون، مساعدات مالية لإدارة الأزمة وفرض إغلاق مسائي لمنع إقامة حفلات الأعراس، وإخراج المرضى المؤكدين من بيوتهم ونقلهم إلى الفنادق المعدّة لمرضى كورونا، وعلى هذا الأساس يتم بناء خطة شاملة ومشتركة تضمن تخطي البلدات الحمراء لهذه الأزمة".

استعرض سيف مطالب رؤساء السلطات المحلية ولم يقدم أو يعطي أي التزام بأن الحكومة أو الجهة التي ينتمي إليها تسعى لتوفير المتطلبات الأساسية لمواجهة التفشي، كما طالب رؤساء السلطات المحلية، ونقل لنا المطالب تمامًا كما ينقلها مراسل صحافي لا أكثر.

لحملات إعلانيّة على المستوى المحلّي

لكن يجب الالتفات إلى أحد مطالب الرؤساء، وهي "حملات إعلامية على المستوى المحلي"، ما يؤشر إلى قصور واضح في أداء الوزارة والحكومة في التعامل الإعلامي والتوعوي في البلدات العربية، وهو التعامل ذاته الذي تقوم به وسائل الإعلام الحكومية الناطقة بالعربية، بالوصائية والعمل الإعلامي غير المهني وغير الإبداعي. والنتيجة؟ فشل الحملة الإعلامية، التي يجب تغييرها فورًا واتباع إستراتيجية إعلامية ميدانية، على الأرض، وليس صرف الميزانيات على السوشال ميديا. فقد أقر غمزو نفسه اليوم في بيان أنه "فشل الحوار مع المجتمع العربي".

هذا كله يؤكد أن إدارة الأزمة في البلدات العربية يجب أن تكون مسؤولية كل مواطن ومواطن بالتزام تعليمات الوقاية والتزام الحجر الصحي لمن طلب منه ذلك، وتشكيل لجان محلية تعمل على نشر الوعي وضبط الأعراس ولاستعادة دوام المدارس بأسرع وقت ممكن في البلدات التي تأجل فيها افتتاح المدارس. والأهم، إعادة تفعيل هيئة الطوارئ العربية في لجنة المتابعة وجمعية الجليل، التي أثبتت خلال ما يسمى الموجة الأولى أنها أهل وكفء لإدارة الأزمة في البلدات العربية بمهنية وجدية أتت بنتائج أفضل من سياسة غمزو الحالية.