التسالُم المستعار: السلام في نقيضه الإماراتي - الإسرائيلي

التسالُم المستعار: السلام في نقيضه الإماراتي - الإسرائيلي

⁃ لم يعد للسلام معنى في زمن العولمة من خلال المنصات الافتراضية، داخل الفضاء الإلكتروني حيث لا روح ولا تعاون ولا تضامن. في هذا الزمن ينشأ السلام أيضًا افتراضيًا عبر تكون أخوات عالمية موهومة مبنية على مشاريع مشتركة، تضعف معاً كلا من الانتماءات الوطنية والقيم الإنسانية المشتركة لكل البشرية، لصالح قيم "الحياد التقني" المجرد من الإنسانية، وقد عالجت الكثير من الدراسات هذا الميل الجارف للتقنية المحايدة تجاه القيم والانتماءات والمستعدة لخدمة كل من يدفع بغض النظر عن طبيعة برامجه، وعزز زمن وباء كوفيد-19 انتشار هذه الظاهرة.

⁃ رغم ذلك، في عالم المد التقني يختلف منتجو التقنية عن مستهلكيها، فالأوائل يستخدمونها للسيطرة والتحكم، ويحافظون على تماسكهم القومي حتى بأشكال شوفينية (شعار ترامب: لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى؛ وشعار نتنياهو حول تحقيق السلام عبر تعظيم القوة الإسرائيلية). وعليه، فإن المد التقني يلعب وظيفتين: الأولى هي تقوية منتجيه وتعزيز توجهاتهم لبسط سيطرتهم على العالم؛ والوظيفة الثانية هي تفكيك مستهلكيه دولًا ومجتمعات وإفراغها من الانتماءات الوطنية والقيم الإنسانية، وإدخالها في مشاريع فوق وطنية تعزز أخوات وهمية مقابل عداوات يجري تصنيعها أيضًا. وقد نجح ذلك مع بعض العرب حيث أصبحت الأخوة هي مع أميركا وإسرائيل، أما الحرب فهي مع تركيا وإيران والقوى الداعمة لهما في المنطقة. لم يخلق ذلك سلامًا لم يعد ممكنًا اليوم، بل تسالمًا هو أشبه بهدنة بين أطرافه التي تتوافق على شن الحرب ضد آخرين. إنه تشكيل حلف للاعتداء وشن الحرب على الآخرين باسم السلام.

⁃ التسالُم هو غير السلام. السلام في الأدبيات النظرية حوله هو نوعان: بارد (سلام يقوم على تبادل العلاقات الدبلوماسية بين الأنظمة فقط، أي سلام بمعنى حالة لا حرب)؛ أو بنيوي (سلام يتضمن علاقات تعاون اقتصادي وثقافي وغيره وبين الشعوب). أما التسالُم فهو وهم نشوء حالة سلام، هو شباك عرض، وعلاقات مصالح متبادلة مادية جافة منطلقة من أغراض خاصة ضيقة قصيرة النظر وقصيرة المدى معًا، مصممة لإرضاء أطراف ثالثة وضد أطراف أخرى. وبالتالي، فهو يخلق حالة توازي وليس حالة تكامل واندماج وتعاون صميمي. وفي حالة الإمارات – إسرائيل، فإن التسالم الجاري هو تسالم مستعار، أي أنه قائم على مستوى الاستعارة وليس على مستوى التحقق، كما لن يجلب الحماية للإمارات، وسيبقي دور إسرائيل وأميركا المشتهى لحمايتها في حالة من عدم التحقق، تلهث الإمارات خلفه، ولكن لا تناله.

⁃ هو تسالُم أن تأمن شر إسرائيل عبر أن تنام في حضنها. سلام ينطبق عليه المثل القائل "اليد التي لا تستطيع كسرها، قبلها وأدع عليها بالكسر". أي أنه تعبير عن الانصياع لموازين القوى بدلًا من مواجهتها.

⁃ يجري هذا التسالُم في الوقت المستقطع ويحاول أن يسرق المزيد من الوقت لإطالته. قيل أنه سيكون سلامًا دافئًا، ولكن العكس هو ما سيكون، فلا دفء في لقاء أصحاب المصالح، بل تنافس مغطى بكلمات معسولة من النفاق عن الحب والود والتعاون، الذي يغطي المصالح المتناقضة.

⁃ هو تسالم خارج الزمن العادي للشعوب، حيث لا زال 88 في المئة من الشعوب العربية يرفضون التطبيع مع إسرائيل، كما جاء في المؤشر العربي لعام 2020 الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة. إنه تسالُم يقطع مع الزمن العادي، ويخلق زمنًا آخر بين الأنظمة منبتًا عن زمن شعوبها.

⁃ لهذا فهو تسالُم هش وعرضة لأن تنتقل إليه التناقضات المستعصية لعالم المنطقة المضطرب باضطراد. وهو هش من داخل أطرافه أيضًا، سيما إسرائيل، فهي لن تقبل سلام الندية والمساواة المُهدد لهيمنتها على المنطقة. كما لن يقبل الطرف العربي، المنخرط فيه استسلامًا، الاستمرار فيه بعد حين وذلك بعد أن يكتشف الأجندة الإسرائيلية لنهبه والسيطرة عليه. وقد تمردت فلسطين والأردن سابقًا على السلام الموهوم بعد أن اكتشفتا الأجندة الإسرائيلية. وستتمرد الإمارات بعد أن تتجرع الحقيقة المرة، أو ربما تستكين لقدرها عبر المزيد من الانصياع.

⁃ هو استعراض الاستهلاك من الجانب العربي وإظهار الاعتزاز بالقدرة على شراء كل شيء؛ وافتراض أن القيم ذاتها قابلة للشراء. ومن جانبه أيضًا، هو شراء منتجات الثورة الصناعية الرابعة واستهلاكها كما يظهر في التخطيط الإماراتي المنشور على صفحة الإمارات الرسمية، كبديل عن الانخراط في إنتاجها.

⁃ هو السلام الظاهري، أي السلام كطبقة فوقية زائفة. هو أيضًا السلام التظاهري المترافق مع زحمة من البروباغندا والترويج، ولكن الأقرب للعالم الافتراضي مما هو واقعًا لعلاقات بين الشعوب، وعلى العكس فهو محاولة لجعل افتراض طبيعية إسرائيل واقعًا طبيعيًا، تقوم "واقعيته" على التكاذب المتبادل بين دولة الإمارات التي تتوهم أنها خلقت دور الدولة الإقليمية العظمى، وجعلته واقعًا لذاتها من خلال تمددها في اليمن والسودان وليبيا ومصر وسورية، وبين إسرائيل الدولة غير الطبيعية التي لا حدود لها ولا دستور، والتي تخطط وتعمل للنجاح في إرساء السلام الإقليمي من دون التنازل عن استمرار التوسع الاستيطاني الاستعماري في فلسطين، وعن مساعيها للهيمنة على المنطقة العربية بأسرها من خلال شرذمتها وتفكيكها. أي سلام الردع المبني على قوة إسرائيل كما طرح جابوتنسكي منذ عام 1925.

⁃ هو نتاج انتقالات ثلاثة للمنطقة العربية: من العروبة إلى الشرق أوسطية، فالتفكك على غرار الخليجية ومصالحها أولًا على حساب العروبة؛، ثم دولتي أولا داخل المنظومة الخليجية، حتى بتنا نشهد طموح الإمارات لإعداد نفسها لاحتلال الموقع الأول في مجلس التعاون الخليجي بدلًا من السعودي ، ويبدو أن هناك اتجاهات في أميركا وأوروبا تشجع الإمارات لأخذ هذا الدور الأول على حساب السعودية، وذلك انطلاقًا من رؤية الإمارات على أنها ذات كفاءة أعلى في الإدارة التكنوقراطية المحايدة الكوسموبوليتانية التي لا انتماء لها، وأنها الاقدر من السعودية في تنويع مصادر الدخل عدا النفط وإقامة وشائج تعاون وثيقة مع الرأسمالين الأميركي والأوروبي، وتعزيز مظاهر الاستقرار والعصرنة بشكل أفضل من السعودية في ظل الاستبداد وحكم العائلة الوراثية من دون دمقرطة، مما يعزز الظروف لإبقاء السيطرة النيوكولونيالية الغربية عليها.

⁃ وتستنجد حالة التسالُم المستعار بنظريات مستعارة: الوظيفية والوظيفية الجديدة المصممتين لخلق علاقات تعاون بين دول طبيعية، ولكنهما هنا تستخدمان لتبرير حالة تسالُم بين نظام استيطاني استعماري لم يتحول إلى دولة عادية، وبين دول قطرية مشوهة لا تمثل شعبها.

⁃ تقوم العلاقات هنا على التظاهر، والدجل، وإثارة الأوهام، والزيف والعلاقات الاستعراضية، والتلفيق، والنفاق المتبادل، وتستند إلى اللامعيارية واللاتضامن واللاأنسنة، وجعل المال والتكنولوجيا يتكلمان، وتحويل الإنسان إلى آلة محايدة من دون انتماء ومجردة من القيم، وإحلال المُتع الاستهلاكية قصيرة المدى محل السعادة رغم وجود وزارة للسعادة في الإمارات.

⁃ هذا التسالُم مُستعار لأن لا أميركا ولا إسرائيل ستحميان الإمارات كما ذكرت، مترافقًا من جهة اخرى مع حالة سريالية: تقصف غزة ودمشق فيما الوفد الأميركي - الإسرائيلي يتواجد في الإمارات يومي 31 آب/ أغسطس والأول من أيلول/ سبتمبر الماضيين، وسيتكرر المشهد ذاته مع لقاءات قادمة للطرفين.

⁃ هذا تسالُم يحدث على خلفية صعود دور مال الخليج في كبح الثورات العربية وتنظيم ثورات مضادة لها: مثلًا، تراجع الدعم الأميركي - الأوروبي منذ العام 2000 فصاعدًا، وحلول التمويل الخليجي مكانه لمصر والأردن وغيرهما، ما فتح الباب لانتقال القيادة في العالم العربي إلى دول الخليج ،وبالتالي فرض سياساتها وهيمنتها عليه تمهيدًا لتسويق نفسها كجزء من تحالف دولي تقوده أميركا وتشارك به دول مثل الهند في صراع ضد الصين وروسيا. وستنتهي هذه الحقبة بنهب أميركا وإسرائيل لمال الخليج وإفقار دولها من أجل جعل إسرائيل سيدة المنطقة، في وقت ترى الأنظمة العربية أن مصلحتها تكمن في استمرار حكم ترامب، وهذا ما يجعلها توافق على طلباته لها حتى بشأن فلسطين. فالسعودية ودول الخليج تخشى نجاح جو بايدن منافس ترامب في الانتخابات الأميركية المقبلة، كونه يمكن أن يثير قضايا حقوق الإنسان داخل السعودية، وأن يعيد الاتفاق مع إيران. إن هذه هي أنظمة وأدت الربيع العربي وتريد منع إعادة انبعاثه من جديد. كما تفضل مصالحها الضيقة على دعمها لفلسطين.

⁃ إذًا، نحن أمام سلام هش، كثير التناقضات الداخلية والإقليمية، مما يمنح فلسطين المجال لتحويل هذه الضربة للحقوق الفلسطينية إلى فرصة.

⁃ ولذلك، فإن العمل الفلسطيني تجاه ما سبق يمكن أن يشمل مروحة واسعة من البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا تكون أقل من طرح رؤية لتنمية المنطقة العربية بمواردها بدلًا من هدر هذه الموارد، والعمل لإيجاد الوسائل التي تكبح استمرار تبديد موارد الأمة من قبل فئة صغيرة متسلطة لذاتها ولدعم الاقتصاد الأميركي والعدوان الإسرائيلي - الأميركي، مترافقا كل ذلك مع الانحياز للشعوب العربية وقضاياها وحقوقها؛ فنحن كشعب يعاني من الاحتلال لا يمكننا إلا أن نكون إلى جانب كل مضطهد أينما وجد، كما لنا أن نجد المبادرات المناسبة لحل الصراعات البينية مع تركيا وإيران بما يعيد الأولوية إلى الوقوف على قدميها بدل رأسها، أي إلى أولوية الصراع مع إسرائيل ذات البرنامج التوسعي تجاه كل المنطقة.

وأخيرًا، طرح آلية للتصريف السلمي للنزاعات داخل الدول العربية وتطوير وساطة فلسطينية فعالة في هذا النزاعات، بما يعيد لفلسطين محورية وضعها بين العرب كثورة لا تهتم بذاتها فقط، بل ترى في قضايا العرب على أنها قضاياها أيضًا، وتبذل الجهد لحلها بما يصب بدوره في تطوير دعم قضية فلسطين. ولفلسطين في هذا المجال أن تساند أيضًا أي جهد لتأسيس أنوية تتجه للتوسع نحو وحدة عربية أوسع فأوسع على غرار تجربة الاتحاد الأوروبي، التي بدأت بدول قليلة في أوائل خمسينيات القرن الماضي، وظلت تتوسع إلى أن وصلت إلى 27 دولة مفتوحة الحدود في ما بينها، وتقرر سياسة خارجية مشتركة مع نظام اقتصادي مشترك وعملة واحدة.


د. وليد سالم، باحث وكاتب من القدس المحتلة