القائمة المشتركة: كسر الثوابت بدلًا من المشروع السياسي

القائمة المشتركة: كسر الثوابت بدلًا من المشروع السياسي

"لسنا في جيب أحد"، هذا ما يدّعيه رئيس "القائمة العربية الموحدة" (الحركة الإسلاميّة الجنوبيّة)، النائب منصور عبّاس، خلال المُقابلات الإعلاميّة التي يُجريها في الآونة الأخيرة، للدفاع عن ذاته وعلاقته مع "الليكود" وبنيامين نتنياهو. ويُضيف: نحن نرفض أن نكون في جيب غانتس أو اليسار- الوسط الإسرائيليّ. وحتّى أنّه ذهب أبعد من ذلك في مُقابلة أجراها مع القناة 12 الإسرائيلية، مساء أمس الأربعاء، وادّعى أن هذا الشعار - أي "نحن لسنا في جيبة أحد"، بات يُقتبس في الشارع العربيّ في هذه الأيّام، بحسبه. أن لا نكون في جيب أحد، فهذا ضروريّ ومطلوب، ولكن في الحقيقة، فإن هذا الشعار غير مكتمل، ويجب على منصور عبّاس، وللمصداقيّة، أن يُكمل شعاره ليتّسق مع "نهجه الجديد" ليكون: نحن لسنا في جيب أحد، نحن ندخل إلى أي جيب ينوي المقايضة.

هذا هو الشعار الحقيقيّ، هذا هو التفسير الحقيقيّ لنهج منصور عبّاس ومقولة "كُل شيء مطروح على الطاولة". وهذا ليس الشعار الوحيد غير المُكتمل الذي يطرحه عبّاس في الإعلام، إذ يطرح أيضًا: "في إسرائيل لم يعد هُناك يمين ولا يسار". وهذا أيضًا صحيح، ولكن يتوجّب عليه الاستمرار في تعريف نهجه ليكون: في إسرائيل لم يعد هُناك يمين ولا يسار، إذ باتت السياسة برمّتها سياسة يمين، لذلك سنكون مع اليمين. وباختصار؛ الأزمة هي أنّنا نتفق مع عبّاس على التحليل- الشق الأول من الشعار، ولكن الاستنتاج كارثيّ، في أقل تقدير، فما يطرحه عبّاس عمليًا: لسنا في جيب أحد، سنكون في أي جيب؛ لا يوجد يمين ويسار، سنُحاول أن نكون انتهازيين. وليس اعتباطًا أقول "سنُحاول"، فالانتهازيّة في السياسية ليست شتيمة بل قاعدة، أمّا ما يقوم به عبّاس وما قام به قبله أيمن عودة في محاولة انتهاز بيني غانتس، ليست انتهازيّة ولا سياسة، إنّما مُجرّد مُحاولات يدفع ثمنها الفلسطينيّ في الداخل، وستبوء بالفشل لأن إسرائيل هي إسرائيل والانتهازيّة فيها كما السياسة والحقوق: حصرًا لليهود.

منذ اللحظة الأولى بعد انتخابات العام 2015، خرجت العديد من الأصوات التي طالبت بنقل القائمة المُشتركة إلى مرحلة جديدة: الآن توحّدنا، علينا أن نبني برنامجًا سياسيًا يحمل هذه الوحدة إلى أبعد من مجرّد وحدة حدّدتها نسبة الحسم. وحتّى أن سياسيين من كافة أقطاب القائمة المشتركة طالبوا بنقلها إلى مرحلة جديدة، فالشعار "توحّدنا" الذي خرجت به القائمة المُشتركة في الانتخابات، لا يستطيع منطقيًا أن يبقى ذاته، فالجديد - أي الوحدة يغدو روتينيًّا، والشعار يغدو مبتذلا ويفقد من بريقه وقدرته على الاستقطاب. أمّا بعدها، فتبنّت القائمة المُشتركة شعار "إسقاط نتنياهو"، وهو شعار آخر استهلاكيّ دعائيّ لا يملك أي عامود فقريّ، قاد في نهاية المطاف إلى التوصية على غانتس كتطبيق، وفي النهاية لم يسقط نتنياهو، بل أخذ معه غانتس وتحوّل الشعار اليوم إلى "إسقاط الحكومة"، غانتس ونتنياهو سويًا. وماذا سيكون الشعار في المرحلة المُقبلة؟ غير واضح حتّى الآن، لأن الخارطة السياسية الإسرائيليّة والاصطفافات الانتخابيّة لم تتضح بعد، فالخارطة استعدادًا للانتخابات المُقبلة لا تزال تتشكّل. هُناك احتمال لقائمة وسط جديدة تستبدل "كاحول لافان" من حيث الدور، بالإضافة إلى أن بديل نتنياهو من الممكن أن يكون أكثر يمينيّة من نتنياهو ذاته، نفتاليّ بينيت على سبيل المثال. والكارثة أن القائمة المُشتركة تحوّلت من دون برنامج سياسيّ، إلى مجرّد رد فعل على الخارطة السياسيّة الإسرائيليّة، ولا تملك أي مشروع خاص بها، رغم الخصوصيّة التي يتم إبرازها بقوّة خلال أي نقاش سياسيّ مع باقيّ مركّبات الشعب الفلسطينيّة. لتغدو، خصوصيّتنا كفلسطينيّين في أراضيّ 1948 باتجاه واحد: تجاه الحالة الفلسطينيّة. أمّا في ما يخص السياسة الإسرائيليّة، فباتت المشتركة تُهمّش خصوصيّة فلسطينيّتها كُل مرّة من جديد، على عتبة مُحاولات "التأثير". وفي الوقت الذي غيّر أيمن عودة التحليل لهدف تبرير الخطوة، وسمّى غانتس رابين كما سمّى ذاته توفيق زيّاد، حلّل منصور عبّاس بشكل دقيق، واستنتج الكارثة.

لم تكن التوصية على غانتس بحد ذاتها الكارثة، بل بقدرتها على كسر ثابت تاريخيّ في السياسة الفلسطينيّة في أراضي 1948. لقد قُلنا إن الموضوع ليس غانتس أو غيره إنّما بكسر الثابت الوطنيّ، بكسر الحائط الذي يمنعنا من الاصطدام بحكومات إسرائيل المجرمة بحق شعبنا. وليس اعتباطًا يُشير منصور عبّاس في كُل مقابلة يُجريها مع الإعلام العربيّ أو العبريّ أو الإعلام الاجتماعي، إلى غانتس والتوصية عليه. إنّه يعي جيدًا أن خطوته الحالية ليست إلّا استمرارًا للنهج، فيُعيد التذكير به دائمًا وكأنّه هامش يُشير إلى المصدر والخطوة الأولى التي يستمر بها. وليس اعتباطًا أيضًا، أشار في مُقابلة أجراها مع القناة 12 الإسرائيليّة، إلى أنّه يقوم بتحضير الأرضيّة لليسار الإسرائيليّ للقيام بخطوات لم تكن لديه الجرأة للقيام بها. وبكلمات أخرى، هو قصدًا وبعلم وإرادة، يقوم بكسر خطوط عريضة حتّى بالنسبة إلى اليسار الصهيونيّ، ويدعوه إلى السير على "نهجه". وهُنا، يبدو أن منصور عبّاس قد أنهى فعليًا على كافة الثوابت التي كانت في السياسة الفلسطينيّة داخل أراضيّ 1948، ليبدأ بتحطيم الثوابت القليلة جدًا الموجودة لدى اليسار الصهيونيّ أيضًا كالجلوس مع رئيس حكومة فاسد مثلًا. أمّا جرائم الحرب، والنكبة، والإفقار، والغيتوهات التي يعيش فيها الفلسطينيّون في أراضيّ 48 المُحاصرة بالأوتسترادات وبلدات دولة اليهود، فهذا قد كسرناه منذ زمن طويل. الآن، تحوّلت السياسة الفلسطينيّة إلى سياسة تحطيم ثوابت وطنيّة، فقط لا غير. وكأن أحدهم قد أمسك بمطرقة من الحجم الثقيل، وبدأ المسيرة: أيمن عودة يكسر الثابت الأول، ليبني على أنقاضه منصور عبّاس ويسبقه لتدمير الثابت الثانيّ. واليوم، يمكن استئجارنا لكسر ثوابت تجمّعات أخرى، كاليسار الصهيونيّ على سبيل المثال لا الحصر.

لا أحد من هذه الشخصيّات، منصور عبّاس أو أيمن عودة، سيدفع ثمن هذه السياسية، فالأثمان في ظرف استعمار استيطانيّ ومؤسسة عنصريّة كإسرائيل تدفعها الشعوب والمجتمعات والجماعات: دفع اليهود ثمن التعاطيّ مع عنصريّة النازية؛ ويدفع العرب اليوم في كافة أقطار العالم العربيّ ثمن مقامرات المراهنات السياسيّة للأولاد في الخليج بدءًا من الإمارات وصولًا إلى السعوديّة حتّى سورية ولبنان؛ كما يدفع الفلسطينيّ اليوم أيضًا ثمن رهانات بن زايد الذي يُجرّب مع نتنياهو ويستغل الثاني هذا الاستغلال لإثبات أن "السلام هو سلام القوّة"، ليزيد من قوّته داخليًا وخارجيًا؛ وكما يدفع أيضًا الفلسطينيّ في غزّة والضفّة ثمن رهانات خاسرة قامت بها القيادة الفلسطينيّة ولا تزال. هذا هو الثابت عند التعامل مع نظام استعماريّ عنصريّ كإسرائيل، ورهانات منصور عبّاس سيدفع ثمنها أيضًا الفلسطينيّون في الداخل على صعيدين أساسيين ومهمّين: المزيد من التشرذم في الهويّة السياسيّة والمزيد من الضبابيّة وعدم الحسم في العلاقة مع المؤسسة، ما يدفع إلى مزيد من الأسرلة المشوّهة والانتهازيّة الأخلاقيّة، التي تدفع بصورة غير مُباشرة وتدريجيّة للمزيد من العنف والتشوّه الذي يدّعي عبّاس مُحاربته، وكأنّه مجرّد ظاهرة وليس نتاج عشرات السنوات من التهميش والفقر والرجعيّة؛ وثانيًا، المزيد من القوّة لليمين في إسرائيل، وبالتاليّ المزيد من التهميش والقمع الممنهج وغير المُمنهج. وهُنا، من المهم تذكير عبّاس بأن "الحليف الطبيعيّ" لنتنياهو هو اليمين الدينيّ، الذي كان رافي بيرتس آخر وزراء التربية والتعليم من صفوفه، الذي لم يزر خلال ولايته برمّتها، أي مدرسة عربيّة. وأن زعيم التيّار بينيت، أصدر كتاب المدنيات الشهير، الذي يشوّه ويكذّب روايتنا ومن نحن، فيخلق أجيالًا لا تعي ذاتها ولا مكانتها ولا دورها ولا ماهيّة الدولة التي تتعامل معها، وكأنه، من الطبيعيّ أن نعيش في "دولة اليهود".

في إسرائيل لم يعُد هناك يسار أو يمين، هذا تحليل صائب وأتفق معه بقوّة، بل ويجب أن يكون موجودًا في كُل مقر حزبيّ وندوة سياسيّة. ولكن السؤال: ماذا بعد اليمين واليسار في إسرائيل؟ هذا هو السؤال الذي يجب على القيادة السياسيّة في الداخل، إن وُجدت اليوم أصلًا، أن تُجيب عليه. وهو سؤال يفتح الباب على أسئلة عدّة أهمها مصير النظام القضائيّ الإسرائيليّ الذي يضمن أصلًا وجود الهامش السياسيّ الذي تنشط فيه القوى السياسيّة في أراضيّ 48: هُناك هامش ديمقراطيّ في إسرائيل، يستهدفه اليمين الدينيّ والقوميّ الإسرائيليّ على طريق تحويل إسرائيل من دولة "ديمقراطيّة يهوديّة" ليست ديمقراطيّة حتّى النهاية ولا يهوديّة حتّى النهاية. ويستهدفه اليمين فعلًا بهدف إخلال هذا التوازن لصالح اليهوديّة على حساب الشق الديمقراطيّ.

هذا هو الهدف من "قانون القوميّة"، وأيضًا هدف وزيرة القضاء السابقة، أييلت شاكيد، كما زميل منصور عبّاس، ياريف لافين، وقيادة "الليكود" ونتنياهو عمومًا. والنتاج الفعليّ لهذا التوجّه سيكون على صعيدين: أولًا انهيار القليل المُتبقّي من قيمة "المواطنة" في الدولة اليهوديّة؛ وثانيًا التأسيس القانونيّ والتشريعيّ لمفهوم "الخدم". أي السكّان غير اليهود في "أرض إسرائيل" كما يسمّيها اليمين الإسرائيليّ. والسؤال يُطرح حول ماهيّة المُستقبل في دولة يهوديّة صافية بالنسبة إلى حالة سياسيّة قامت ببناء ذاتها وبرنامجها وسياستها استنادًا إلى خصوصيّة الشق الديمقراطيّ في "دولة اليهود"؟ هذا هو السؤال الأساسيّ، فمع كل انتخابات تذهب التحليلات مرّة تلو الأخرى إلى تثبيت انتصار اليمين الدينيّ والقوميّ. والإجابة الواضحة حتّى الآن والوحيدة بالمُناسبة موجودة لدى عبّاس: القبول والخنوع وأدلجة مكانة "الخدم". أمّا إجابات أخرى، فحتّى الآن لم تظهر، وهذه كارثة إضافيّة ستكون حاضرة، عاجلًا أم آجلًا.

للصراحة، هُناك في الداخل الفلسطينيّ اليوم مشروعان سياسيان يعيشان أزمة جديّة جدًا: الحزب الشيوعيّ والجبهة يعيشان أزمة أيمن عودة الذي يعمل وفقًا لنهج النجوميّة الخاصة ويهمّش الدور الحزبي؛ والتجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ الذي يعيش هو الآخر أزمة الابتعاد عن الطرح والأيديولوجيا رغم أهميّة طرحه السياسيّ في هذه المرحلة تحديدًا، حيث اليسار واليمين انهار والحل في تغيير التوجّه نحو "الدولة اليهوديّة" عبر "دولة المواطنين" كنقيض. الأول، يعيش في حالة انقسام لم تعد تخفى على أحد رغم عدم وضوح حجم هذا الانقسام والصراع الداخليّ، ولكنّه الأهم اليوم في السياسة الداخليّة ومصيره سيُحدّد إن كنّا سنستمر في الانهيار التدريجيّ منذ بداية تأسيس القائمة المُشتركة أم سنعود إلى المربّع القديم الذي لطالما طالبنا بتغييره، ولكن الدرس الأساسيّ كان أن التغيير مطلوب، ولكن ليس بكُل ثمن. أمّا بخصوص التجمّع، فإن المعركة عليه أيضًا غاية في الأهمية، إذ إن استعادة دور هذا الحزب من شأنه أن يُعيد حالة المُنافسة على رفع السقف السياسيّ لوجود بنية نظريّة متينة لديه.

أمّا الطيبيّ، فلطالما كان يلعب على النجوميّة الفرديّة، وينتظر اليوم أن تتضح الصورة ليعلم أي سيّارة سيركب نحو الدورة المُقبلة، وعلى "القائمة العربية الموحدة" أن تُحاسب أولًا. هذه هي الصراعات الموجودة في الداخل اليوم وهي الصراعات المُهمة.

أمّا الخُلاصة هي أنّ التغيير ضروريّ، ولكن تغيير الأشخاص والأسماء والأعمار من المُمكن أن يكون كارثيّا، ونحن في أراضيّ 1948 النموذج الذي يجب التعلّم من خلاله مع كل حديث عن التغيير. وأمّا جوهر هذا التغيير، فهو الانتقال من سياسة ذات عامود فقريّ نظريّ وعمليّ، نحو الشكليّات والنجوميات والأفراد. أمّا بخصوص التجريب، فإنّه ضروريّ ويحصل أيضًا، إذ تقوم مراكز الأبحاث مثلًا بتجريب سيناريو عبر وضع لاعبين لرؤية النتائج، كما ويجرّب الباحث لمعرفة الحقيقة، ويحاول أحدهم رسم خارطة على ورقة لمعرفة إن كانت الخطوات ستقود إلى الهدف، وفي مواقع عدّة جرّب الإنسان الأكل في الطبيعة على الحيوانات ليعرف السام من غير السام. والثابت دائمًا: هُناك هدف، وهُناك مُختبر. أمّا ما يحصل في السياسة الفلسطينيّة عمومًا وفي الداخل خصوصًا، فإنّ التجريب هو السياسة العامة، والمختبر هو المجتمع، كما أن عدم وجود مشروع سياسيّ، يقود إلى أنّه لا يوجد أصلًا هدف يجرّبون للوصول إليه.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص