انتخابات الكنيست المقبلة والخط الأحمر والمقاطعة

انتخابات الكنيست المقبلة والخط الأحمر والمقاطعة

من المتوقع أن تخوض الأحزاب العربية انتخابات الكنيست المقبلة في قائمتين انتخابيتين أو أكثر. فقد جرى إجهاض القائمة المشتركة للأحزاب العربية من داخلها وأيضًا من خارجها. ورغم تحقيقها إنجازا انتخابيا مهما وغير مسبوق بحصولها على 15 مقعدا في الكنيست، وكان من المتوقع أن يزداد عدد المقاعد التي تحصل عليها في الانتخابات التالية، إلا أن عدة عوامل ساهمت في إجهاضها كان من أهمها:

أولا، تعامل العديد من الأحزاب العربية التي شكلت القائمة المشتركة معها كقائمة انتخابية فحسب، لضمان الحصول على تمثيل لها في الكنيست، وذلك بعد أن رفعت الكنيست عتبة الحسم إلى ثلاثة وربع بالمئة، التي كان لا يستطيع أي حزب من الأحزاب العربية اجتيازها إذا خاض الانتخابات لوحده.

ثانيا، بقاء جزء من مكونات القائمة المشتركة متحفظا من مسألة تنظيم العرب الفلسطينيين في داخل الخط الأخضر على أسس قومية كشعب متماسك له قيادة وطنية موحدة التي تناضل نضالا جماهيريا، وبرلمانيا أيضا، ضد الحكومات الإسرائيلية وسياساتها العدوانية والعنصرية، ولتحقيق الحقوق القومية والمدنية للعرب الفلسطينيين في داخل الخط الأخضر.

ثالثا، وقوف الحكومة الإسرائيلية، والمؤسسة الإسرائيلية بشكل عام، ضد القائمة المشتركة لخشيتها من إمكانية أن تساهم القائمة المشتركة في تطوير النضال الوطني للفلسطينيين في داخل الخط الأخضر، وفي تعزيز مكانتهم القومية والمدنية وفي تغيير طبيعة علاقاتهم مع الدولة. وقد حاولت المؤسسة الإسرائيلية، حكومة وأحزابا ونخبا، تدجين القائمة المشتركة وتخفيض تطلعاتها والحد من دورها، إما بواسطة التحريض العنصري ضدها لنزع شرعيتها، كما فعل نتنياهو، أو بواسطة محاولة تقسيمها إلى متطرفين ومعتدلين، كما فعل المعسكر المناوئ لنتنياهو، بغرض جعل المعتدلين في القائمة المشتركة احتياطا إستراتيجيا لهذا المعسكر، أو كما فعل نتنياهو نفسه لاحقا، عندما قسم الأحزاب العربية إلى معتدلين ومتطرفين، واعتبر الحركة الإسلامية الجنوبية حركة معتدلة وأجرى مفاوضات معها لضمها إلى الائتلاف الحكومي الذي كان يسعى لتشكيله في أعقاب انتخابات الكنيست الأخيرة.

كان من المفروض أن يعزز تشكيل القائمة المشتركة في سنة 2015 دور الأحزاب السياسية العربية، وأن يرفع من مكانتها ويبث روح جديدة فيها ويحثها على زيادة أعضائها وإحياء منظماتها الحزبية، وتوسيع جمهور أنصارها، وتعميق انتشارها في صفوف الشعب. بيد أن ذلك لم يحدث. ومن المفارقات أن ما حدث كان عكس ذلك تماما. فقد استمر تراجع قوة الأحزاب العربية وازداد انحسار عضويتها بشكل كبير، وتقلص كثيرا عدد المتفرغين الدائمين الحزبيين، وضمرت الحياة الحزبية فيها، وضعفت جدا فروعها في المدن والبلدات والقرى العربية وكادت أن تتلاشى، واضمحلت منظماتها الحزبية مثل منظماتها الطلابية الجامعية، ومنظماتها النسوية، ومنظمات الشبيبة. واقتربت هذه الأحزاب من التحول كلية إلى أحزاب انتخابية للكنيست التي تدب الحياة فيها عشية انتخابات الكنيست لانتخاب قائمتها للكنيست والمشاركة في حملاتها الانتخابية. وقد رافق ذلك كله، استمرار تخلي قيادات الأحزاب ومؤسساتها القيادية عن النقد والنقد الذاتي، وعن تقييم التجربة والمسيرة الحزبية وعن محاسبة المسؤولين عن الفشل، ما ساهم في استمرار تدهورها.

ولعله لا يقل خطورة عن ذلك كله، هو اضمحلال الفكر السياسي لدى القيادات الرسمية للأحزاب العربية وفشلها في قراءة واقع إسرائيل، والواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المتغير للعرب الفلسطينيين في داخل الخط الخضر، وتقصيرها في وضع رؤية نضالية التي تتجاوب مع هذا الواقع.

وفي ظل تردي حالة الأحزاب العربية، ازدادت أهمية الكتل البرلمانية للأحزاب العربية على حساب مجمل النضال الجماهيري العام لهذه الأحزاب. وجرى خلق صورة خادعة وخطيرة في الوقت نفسه مفادها أن نشاط أعضاء الكنيست العرب في الكنيست ليس رديفا أو مكملا لنضال الأحزاب الجماهيري، وإنما هو الأكثر أهمية. وفي هذه الأجواء أصبح بعض أعضاء الكنيست العرب يعدّون أنفسهم أنهم ليسوا فقط قادة في أحزابهم، وإنما هم فوق أحزابهم، خاصة إذا كان هذا البعض رئيسا لقائمة حزبه الانتخابية. اعتباره نفسه فوق حزبه لا تتم دفعة واحدة، بل هي عملية طويلة نسبيا ومركبة. ولا يعني اعتباره نفسه فوق حزبه، بعد أن يصبح مشهورا على إثر انكشافه على وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بأنه يتجاهل حزبه وجمهوره. على النقيض من ذلك، فهو يهتم كثيرا في تعزيز علاقاته الاجتماعية مع أعضاء وجمهور حزبه وخاصة أولئك الذين يشاركون في انتخابات قائمة الحزب للكنيست. فلا يترك عرسا أو مأتما أو عيد ميلاد، أو أي مناسبة اجتماعية أخرى إلا ويحضرها. فهذه العلاقات الاجتماعية التي ينميها ويهتم في الحفاظ عليها تصبح مصدرا مهما لإعادة انتخاب حزبه له في انتخابه قائمة الحزب للكنيست. ومن الملاحظ أن مشاركته في هذه المناسبات الاجتماعية تكون أكثر بعشرات المرات من مشاركته في مظاهرة أو اعتصام أو ندوة سياسية. عالمه الأساسي الذي يعيش فيه يصبح المشاركة في هذه المناسبات الاجتماعية، والتواصل مع وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ومع نخب إسرائيلية، لا سيما مع الصحافيين وجمعيات إسرائيلية وأميركية المهتمة بالفلسطينيين في داخل الخط الأخضر ولها أجندة سياسية واضحة بشأنهم، تسعى إلى دمجهم في النظام السياسي الإسرائيلي ليكونوا قوة احتياط لهذا الطرف الإسرائيلي الصهيوني أو ذاك، إلى جانب تواصله مع المؤسسة الإسرائيلية في سياق عمله كعضو كنيست.

التوأم السياسي أيمن عودة ومنصور عباس

قد يبدو للوهلة الأولى أن أيمن عودة ومنصور عباس كطرفي نقيض، ولكن في حقيقة الأمر هما توأم سياسي في توجههما الأساسي نحو المؤسسة الإسرائيلية، لا سيما في ما يخص مسألة دخول الائتلاف الحكومي أو دعمه من الخارج.

لقد ارتكب أيمن عودة ومنصور عباس خطأ إستراتيجيا خطيرا للغاية، الذي تناقض تناقضا حادا مع أسس القيم الوطنية لشعبنا الفلسطيني في داخل الخط الأخضر، ومع مسيرته النضالية خلال العقود الطويلة الماضية، ومع تاريخ حزبيهما في العقود الأخيرة ومع موقف جمهوريهما.

كان البادئ أيمن عودة. ففي مقابلة مشهورة له مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" (22 آب/ أغسطس 2019)، أعلن عن رغبته في دخول حكومة إسرائيلية التي يشكلها بيني غانتس عندما كان رئيسا لحزب "كاحول لافان" ("أزرق أبيض"). في تصريحه هذا الذي احتل حينئذ عناوين الصحف قطع أيمن عودة خطا أحمر غليظا. فرغبته واستعداده أن يشارك في حكومة ائتلافية إسرائيلية بقيادة غانتس، تعني عمليا بشكل جلي وواضح، وفي ظروف الاحتلال والبطش بالشعب الفلسطيني والتنكر لحقوقه سواء في المناطق المحتلة في سنة 1967 أو في داخل الخط الأخضر، أنه يوافق أن يشارك في منظومة القمع الإسرائيلي ضد شعبنا الفلسطيني في داخل الخط الأخضر، وفي المناطق المحتلة سنة 1967.

حمل تصريح أيمن عودة خطورة مضاعفة؛ فعلاوة على خطورة مضمونه في حد ذاته، وخطورة محاولة أيمن عودة إعادة موقف الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة إلى الخلف عشرات العقود، فإنه فتح الباب لمنصور عباس كي يحذو حذوه لاحقا وفي الوقت الذي يناسبه. وهذا ما حدث فعلا.

فعشية انتخابات الكنيست الأخيرة أجرى مكتب نتنياهو اتصالات مع منصور عباس بشأن إمكانية أن تدعم الحركة الإسلامية الجنوبية ائتلافا حكوميا يشكله نتنياهو. وقد تعززت هذه الاتصالات بعد ظهور نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة، ووافق منصور عباس على دخول ائتلاف حكومي يشكله نتنياهو. بيد أن حزب "الصهيونية الدينية"، بقيادة سموتريتش وبن غفير، رفض المشاركة في الائتلاف الحكومي الذي تشارك فيه الحركة الإسلامية الجنوبية أو الذي تدعمه من خارج الحكومة. وقد مارس نتنياهو ضغوطا جمة على قيادة حزب "الصهيونية الدينية" لتغيير موقفه من هذه المسألة. وفي السياق ذاته، اجتمع منصور عباس مع الحاخام دروكمان، الأب الروحي للاستيطان الكولونيالي اليهودي في المناطق المحتلة وأحد أشد حاخامات الصهيونية الدينية تطرفا وعنصرية، لرجائه وحثه على إقناع حزب "الصهيونية الدينية" قبول المشاركة في ائتلاف نتنياهو الحكومي الذي تشارك فيه الحركة الإسلامية، أو تدعمه من الخارج. بيد أن دروكمان رفض طلب منصور عباس وتمسك بموقف قيادة حزب "الصهيونية الدينية" الذي يرفض المشاركة في حكومة تستند إلى دعم الحركة الإسلامية الجنوبية.

المشاركة في منظومة القمع

لدي شعور وكأننا نعيش في غفلة من الزمن في ظل انحسار العمل الوطني وضعف الحركة الوطنية. فلم تحظ مسألة مشاركة حزب عربي في الحكومة الإسرائيلية بالأهمية التي تستحقها. ولم يتم تذويت ماذا يعني أن يكون حزبا عربيا شريكا في ائتلاف حكومي في إسرائيل، وما هي نتائج هذه المشاركة على قيمنا ووجداننا وحقوقنا وتاريخنا ومستقبلنا، وعلى نظرتنا إلى أنفسنا ونظرة الآخرين إلينا.

ربما يحاول أن يقدم المهزومون والخانعون الذين يئسوا من النضال أسبابا عديدة لتبرير دخول حزب عربي إلى الحكومة الإسرائيلية، مثل تخصيص ميزانيات وإلخ، ولكن تظل دوما حقيقة ساطعة أمام أعيننا، لا يمكنهم الهروب منها، وهي أن أي حزب عربي ينضم إلى الحكومة الإسرائيلية يصبح جزءا لا يتجزأ من منظومة الاحتلال والقمع القومي والتمييز العنصري، المسلطة على شعبنا في داخل الخط الأخضر وفي المناطق المحتلة ستة 1967. ويصبح هذا الحزب فور دخوله الحكومة مسؤولا قانونيا وسياسيا وأخلاقيا عن مختلف ممارسات وسياسات الحكومة تجاه شعبنا، سواء في داخل الخط الأخضر أو في المناطق المحتلة، بما في ذلك مختلف السياسات العدوانية والجرائم التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية بحق شعبنا، مثل إقامة المستوطنات واقتحام الأقصى وتهويده، والقتل المتعمد للفلسطينيين بدم بارد ومصادرة الأراضي وهدم البيوت وإلخ.

وأخطر منذ ذلك كله، وحتى لو خصصت الحكومة الإسرائيلية بعض الميزانيات للعرب في داخل الخط الأخضر، كما يدعي منصور عباس، فهذه الميزانيات هي من حقهم على أي حال وليست منة من الحكومة؛ فهذا يعني محاولة من منصور عباس تحويل شعبنا إلى شعب من المرتزقة والأنذال، الذي يقبل أن ينضم إلى منظومة القمع الإسرائيلية مقابل بعض الميزانيات. وهذا ما يرفضه شعبنا رفضا قاطعا.

القضايا والمشاكل التي يواجهها شعبنا في داخل الخط الأخضر كثيرة جدا، وبعضها أكبر بكثير من قدرة الأحزاب العربية على إيجاد حلول لها في الزمن المرئي. ولكن من المهم أن تظل الأحزاب العربية متمسكة دوما بالبوصلة الوطنية وبالإرث النضالي وبالإنجازات التي حققتها في نضالها الطويل ضد سياسات الحكومات الإسرائيلية المتلاحقة، وأن تستمر في النضال المتواصل لتحقيق حقوقها القومية والمدنية.

لا يزال المجتمع الإسرائيلي يتمسك بشدة بمواقفه المعادية لحقوق الفلسطينيين، ونخبه تستخف جدا بمختلف حقوق الفلسطينيين القومية والمدنية والإنسانية، سواء في المناطق المحتلة في سنة 1967 أو في داخل الخط الأخضر. لقد باتت النخب الإسرائيلية المختلفة تدرك في قرارة نفسها أنها تعيش في نظام أبارتهايد، وهي تدافع بكل قوتها عن هذا النظام وعن قيمه العنصرية والعدوانية؛ وهي لا تريد شركاء عرب في الحكم إطلاقا وإنما مرتزقة وعملاء الذين يقبلون ويؤيدون سياسات الحكومة الإسرائيلية بحذافيرها المعادية للفلسطينيين والمتنكرة لحقوقهم.

مسألة مقاطعة انتخابات الكنيست المقبلة

أما والحال كهذه، فإنه من المهم والمطلوب في عشية انتخابات الكنيست المقبلة أن تراجع الأحزاب العربية موقفها، خاصة الحركة الإسلامية والجبهة، وأن تحدد موقفها بشكل واضح من مسألة الدخول في الائتلاف الحكومي، سواء المشاركة في الائتلاف أو دعمه من الخارج، وكذلك أن توضح إذا ما كانت ستوصي بأن يشكل أحد قادة الأحزاب الصهيونية الحكومة أم لا. ومن المفيد والمطلوب أن تحدد الأحزاب العربية في قراءتها للواقع الإسرائيلي، إذا ما بات يسود في إسرائيل نظام أبارتهايد أم لا، وما هو موقفها منه؟ وهل تدعو إلى تفكيكه أو إزالته؟ وهل تدعو إلى فرض عقوبات دولية على إسرائيل من أجل إنهاء نظام الأبارتهايد؟ هذه أسئلة مهمة للغاية وخاصة بعد أن أكدت عدة منظمات دولية وإسرائيلية لحقوق الإنسان أن إسرائيل باتت دولة أبارتهايد، كان من بينها "هيومن رايتس ووتش"، و"أمنستي إنتيرنيشينال"، و"بتسيلم".

في اعتقادي أنه في ظل تراجع الأحزاب العربية والخلل السياسي والقيمي الذي حلّ ببعض قياداتها، مثلما حلّ مثلا بمنصور عباس وأيمن عودة وغيرهما، وعدم محاسبتهم من قبل أحزابهم، من المهم جدا إدخال مضامين ومعايير جديدة إلى مسألة مقاطعة انتخابات الكنيست، وأن لا تبقى دعوة المقاطعة تقتصر على العامل الأيديولوجي. العامل الأيديولوجي في الدعوة لمقاطعة الانتخابات هو عامل هام ولكنه غير كاف. فسلاح مقاطعة الانتخابات هو سلاح سياسي بالدرجة الأولى، والجانب الأيديولوجي هو جزء من هذا السلاح. ويأتي في مقدمة المعايير التي بات من الضروري إدخالها في الاعتبار سؤال: هل المشاركة في انتخابات الكنيست، في هذه الظروف وانتخاب أحزاب عربية التي بدل أن تناضل ضد الحكومة الإسرائيلية وضد سياستها المعادية لنا، تدعو إلى الانضمام إليها بشكل مباشر أو غير مباشر، تخدم شعبنا وحركته الوطنية أم تخدم منظومة القمع الإسرائيلية؟

في اعتقادي أنه إذا لم تتخذ الأحزاب العربية وخاصة الحركة الإسلامية الجنوبية والجبهة موقفا واضحا تلتزم فيه بشكل قاطع بعدم المشاركة في أي ائتلاف حكومي إسرائيلي، سواء المشاركة في الحكومة فعليا أو من خلال دعمها من الخارج، ولم تلتزم كذلك بعدم التوصية على أي من قادة الأحزاب الصهيونية بتشكيل الحكومة، ولم تحدد موقفها من نظام الأبارتهايد، فإنه من واجب مختلف الفئات الوطنية الدعوة إلى مقاطعة انتخابات الكنيست المقبلة، وأن تنظم نفسها بأسرع وقت في حركة واسعة عابرة لمختلف الأحزاب، كي تتمكن من إنجاح المقاطعة الفعالة وإفشال وصول هذه الأحزاب إلى الكنيست.

بودكاست عرب 48