زناة الكلام ومقاولوهم../ وديع عواودة

كلما لحظت واحدا من مشاهد تكالب حزب "العمل" على القرى والمدن العربية تحضرني خاطرة لا تبرح ذاكرتي منذ سنوات طويلة ولا بأس من كشفها من جديد.

في سنوات الخمسينيات اقتتلت عائلتان من كفركنا على خلفية صراع حمائلي أزهقت فيه أرواح وأصابت جسد القرية بضربات مميتة. الشرطة في تلك الأيام تريثت حتى أتت النيران على كل بقعة خضراء في قانا الجليل وباتت القرية كقريتين حل بينهما نزاع مرير بدلا من علاقات القربى والجيرة.

واستمرارا لمد نار"الحرب الاهلية" بالمزيد من الحطب وتحريك جمرات تبقت تحت رماد كل فترة هدوء، احتار "العمل" كيف يجد الحيلة للاستئثار بأصوات الطرفين في إنتخابات الكنيست دون أن يشاركه حزب منافس. وكانت النتيجة أن اتفق ساسة "المباي" مع مخاتير ورؤساء القرية على إجراء "منافسة " بين العائلتين حول من الأقوى في تأمين أكبر عدد ممكن من الاصوات له من خلال أن يصوت أبناء الأولى بأوراق بالعبرية، فيما اختار المنافسين أوراقا بالعربية وكلاها ل" مباي"!

وتكررت "اللعبة " في ثلاث دورات إنتخابية للبرلمان الإسرائيلي وكان فيها " مباي" هو المنتصر والعائلتان سوية في الجانب الخاسر مرتين.في المرة الأولى تعاموا عن من مارس عليهم " فرق تسد" وتأجيج الصراع بين الأهل تمهيدا للضحك على ذقونهم، وفي الثانية مكافأة من صادر الأرض والهوية وفرض عليهم الحكم العسكري وغيرها من الفظائع. وقد عمم "مباي" خدعته على الوسط العربي برمته مستعينا بالمخاتير لتيسير أخراج ألاعيبه لحيز التنفيذ بمساعدة المخاتير الذين اهتم كل منهم بجمع بطاقات هوية أقاربه.

هذه حالنا في الستينيات فهل تبدلت اليوم؟
أمام الزحف المبادل بين " العمل" وشرائع واسعة من المواطنين العرب يمكن القول ما أشبه البارحة باليوم.. فاللعبة لم تتبدل بجوهرها غير أن خطيئة عرب حزب "العمل" اليوم أخطر وأشد ولا يغفر لها لا في دنيا ولا في آخرة. فيما خلا من سنوات كانت الأمية بمعنى جهل الأبجدية، والجهل والعوز تلعب دورا أساسيا في بيع الناس لضمائرهم ولأنفسهم، اما اليوم فلا أحد يكابد فاقة وبتنا نتحدث بلغة الانترنت وبيننا آلاف الأكادميين، ما يعني أن عمليات بيع الذمم تتم الآن عن وعي ومع سبق الإصرار مما يجعلها جريمة اخلاقية.

بعد خمس سنوات من قيام عساكر حكومة "العمل" بفتح النار على المواطنين العرب وارتكاب المجزرة مكررة ما اقترفته في يوم الأرض الأول عام 76 "يتفشى" مقاولو الأصوات لتجنيد آلاف المنتسبين العرب للحزب الذي يتحمل 80 بالمائة من خراب بيوتهم منذ النكبة إلى اليوم. بعد شهور قليلة تحل الذكرى الخمسون لمذبحة كفر قاسم من إنتاج " العمل" والذكرى الثلاثون ليوم الأرض الأول الذي أسالت فيه حكومة العمل ذاته دماء الشهداء والجرحى في الشوارع العربية. فماذا عساه يجيب من انتسب لحزب الجلادين على سؤال ابن له، مثلاُ، كيف تنتسب إلى من صادر الأرض وقتل من هب للدفاع عنها؟

ربما يملأ بعض المنتفعين من ناشطي ومقاولي حزب "العمل" جيوبهم أو يصيبون جاها وهميا على أكتاف عامة المنتسبين لكن ليس بوسع الأغلبية العظمى من المنتسبين الإفلات من الذنب والمشاركة في هذه الفضيحة، وهم أيضا ومن يبيعون أمهاتهم سيان!

بموجب أكثر من معيار يقترف منتسبو حزب العمل، أفراداً ومقاولين، جريمة لا صفح عنها ولا غفران، كونهم يمنحون جائزة لمن كان ولا يزال يغمط حقوقهم المدنية ويعاملهم كالهنود الحمر، وشهادة شكر لمن قتل أسيل ومحمد ومحسن ورفاقهم ولنا أن ندعوهم بل نتحداهم إلى التحديق للحظة واحدة بعيون أمهات الشهداء التي لا زالت تقطر حسرة ودما على قتل زهراتهن. كما ندعوهم إلى التذكر أن لهم إخوة وأقارب وأبناء شعب في مخيمات اللجوء لا زالوا مشتتين في أصقاع الدنيا يتجرعون العلقم كلما أشرقت الشمس وربما تغيب ولا يوفر الرغيف والدواء لأطفالهم نتيجة مخططات الترحيل التي وضعها "بن غوريون" الأب الروحاني ل" العمل".

وكيف يقبل أولئك المنتسبون أن يخذلوا الأشقاء على مرمى العصا في الأراضي المحتلة عام 67 ممن لا يتوقعون منا سوى إسنادهم سياسيا في معركة التحرير التي يخوضونها وسط بحر من الدماء والدموع..لا في مؤازرة أخبث الاحزاب الصهيونية عليهم ..وعلى أنفسنا.

هناك بات الناس مشغولين منذ سنوات بالموت وفي تشييع جثامين الشهداء جنازة تلو الأخرى من أعزائهم كل يوم فبأي وجه نقابلهم وكيف نبرر هذه الفعلة الشنيعة.

واللافت أن "قوادي" وقادة "العمل" يحاولون تمرير المؤامرة على الجمهور العربي بالزنا بالكلام وبحيل ديماغوغية أبرزها ماكرة تتهم النواب العرب بعدم الجدوى فهم "لا يغنون ولا يسمنون من جوع.." كما قال زعيمهم العجوز الوسواس شمعون بيريز في كفرمندا هذا الأسبوع.


وأمام هذا الواقع كان حري بالأسبوعيات العربية المحلية أن تتصدى لهجمة " العمل" على الروح والحقوق والهوية والتاريخ بدلا من قيام معظمها بفتح الصفحات لمرشحيه وأباطيلهم، فلماذا توقفت "كلاب الحراسة" عن فضح اللصوص..والحرامية؟


(كفر كنا - الجليل)