برتقالنا وبرتقالهم/ وليد ياسين

لم يخالجنا ولو للحظة، حتى بدون الدعوى القضائية التي قدمها التجمع الوطني الديموقراطي ضد المستوطنين، بأن اللون البرتقالي بات سمة تميز هذا الحزب منذ سنوات، وان ارتفاعه في شوارع قرانا ومدننا العربية كان يشير إلى التجمع وإلى نشاطه وتغلغله في الشارع العربي، لكن مظهراً آخر بدأ يجتاح شوارعنا العربية مؤخراً بات يطرح أكثر من سؤال عما إذا كان جمهورنا يميز بين برتقالي التجمع الذي يرمز إلى الوطنية والجذور الراسخة لحملته وبين برتقالي المستوطنين الذي يرمز الى ترسيخ الاحتلال الاسرائيلي والاستيلاء على أرض شعبنا الفلسطيني.

ما دفعني الى هذا التساؤل هو ليس التشكيك بمقدرة الاقلية العربية في الداخل على التمييز بين برتقالنا وبرتقالهم، وانما اندفاع بعض السائقين العرب، من حيث يدرون أو لا يدرون أبعاد فعلتهم، إلى السماح لنشطاء الاستيطان المتربصين بالسائقين على مفارق الطرق، بتعليق تلك الشارات البرتقالية، التي ترمز الى الاستيطان فقط، على سياراتهم، والتجوال بها في بلداتهم العربية، مستفزين، بوعي أو عن غير وعي، ذلك الجمهور الذي يعرف ما يقف وراء هذه الشارات والغاية من رفعها.

لا أعرف إن كان قادة المستوطنين قد تعمدوا اختيار البرتقالي لوناً لمعركتهم ضد ما يسمى خطة الانفصال عن قطاع غزة وشمال الضفة الغربية (ويجب أن نسميها اخلاء مستوطنات فقط لأنها ليست انفصالا مطلقاً ولأن اسرائيل أعلنت صراحة أنها لا تعني انسحابها الكامل من جزء من هذه المناطق على الأقل)، نكاية بالتجمع الوطني الديموقراطي الذي يرى فيه المستوطنون، مثل جل اترابهم في اليمين الاسرائيلي المتطرف، "معاديا" و"مهدداً لوجود الدولة اليهودية"، بسبب دعوته إلى "دولة جميع مواطنيها". لكن تصريحا أطلقه أحد المستوطنين بعد قيام التجمع بتقديم دعوى قضائية تطالب بمنع المستوطنين من استخدام هذا اللون في نشاطهم ضد "اخلاء المستوطنات" يوحي بأن هناك من فكر في هذا الاتجاه حقاً، بل ربما يكون الهدف أبعد من ذلك، وهو تضييع ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل من حيث المظهر بين برتقالنا وبرتقالهم، على أمل ان يؤدي ذلك الى تضييع الجدار السميك، الايديولوجي العميق، بين البرتقالين.

لقد رفضت المحكمة الاسرائيلية الدعوى التي قدمها التجمع لمنع المستوطنين من استخدام هذا اللون، رغم اقرارها بأنه بات سمة مميزة للتجمع الوطني الديموقراطي. وادعت المحكمة أنه "كان يجب التوجه اليها مبكراً لضمان عدم وقوع ضرر للطرف الآخر"، على حد تعبيرها. برأيي ان هذا التسويغ ليس أكثر من عذر لا يمكن تصنيفه إلا تحت عنوان "أقبح من ذنب"، فلو كان "الضرر الذي سيلحق بالطرف الآخر" هو المحرك لهذا القرار، فلماذا لم تأخذ المحكمة في الاعتبار الضرر السياسي الذي سيلحق بالتجمع، وهو ضرر يفوق الجانب المادي. وقد لا أبالغ إن قلت إن جوانب هذا الضرر باتت ملموسة في شوارعنا من خلال موافقة بعض السائقين العرب على تعليق هذه الشارات على سياراتهم، ومرة اخرى ربما عن غير وعي بما ترمز إليه، أو لموقف متخاذل ومتأسرل من قبل البعض الآخر، وهو لم يعد مستهجنا في ظل ظواهر الأسرلة الأخرى التي باتت تغزو شوارعنا. لكنني أميل أكثر إلى موافقة المحكمة على الشق الثاني من فحوى قرارها وهو القول انها "لا تريد اصدار قرار لا يمكن تنفيذه بسبب إنتشار اللون بين المستوطنين"، وبذك فهي تقر بأمرين معاً: الأول انها تفضل مصلحة الطرف الآخر (المستوطنين اليهود) على الطرف الأول (التجمع العربي)، كونها تتحسب للأضرار التي قد تلحق بالمستوطنين، وقد لا تكون أكثر من مادية، بينما تتجاهل الضرر الذي قد يلحق بالطرف الآخر، التجمع. والثاني انها تقر بحقيقة وهن السلطات الاسرائيلية امام جموح المستوطنين وعدم مقدرتها على تطبيق القانون بحقهم.

قد يقول قائل ان بمقدور السلطة مواجهة المستوطنين، وانها اثبتت ذلك في بعض المواجهات التي وقعت بين الجانبين مؤخراً، لكنني اقول لهؤلاء: صحيح أنه يمكنها ولكنها لا تريد. فما يحركها في مواجهتها للمستوطنين هو ذات الشعار الذي يرفعه المستوطنون أنفسهم، وهو أن الدولة اليهودية لا تقف ضد اليهود، وان كانوا يأتون بممارسات عنيفة وارهابية كانت محاكم اسرائيل ستلجأ الى أشد الأحكام قسوة لفرضها على من يدان بارتكابها حين لا يكون يهودياً. ولسنا بحاجة الى الابتعاد كثيرا لتثبيت ذلك، ويكفي أن نشير الى الفارق الكبير في تعامل اسرائيل وقانون وقضاء اسرائيل مع المواطنين العرب في احداث اكتوبر 2000، بادعاء اغلاقهم لمحاور طرق رئيسية، وتعاملها بقفازات من حرير مع المعتدين اليهود في خضم تلك الأحداث على جامع حسن بك في يافا، حيث حاولوا احراقه، وكذلك تعاملها الحالي، في عام 2005، مع المستوطنين رغم قيامهم باغلاق محاور طرق رئيسية فعلاً، والمخاطرة بحياة الناس أضعاف أضعاف الخطر الذي زعمته السلطات حين حاكمت العرب وحملتهم مسؤولية قتلها لـ13 وردة في اكتوبر 2000.

لن آتي بالمزيد من الأمثال، وهي كثيرة، "كي لا تضيع الطاسة" على حد قول مثلنا العربي، فما أردته من هذه العجالة هو الاشارة والتحذير من ظاهرة الشارات البرتقالية التي بدأت تغزو سياراتنا العربية، وتأكيد الفارق بينها وبين برتقالية رايات التجمع الوطني الديموقراطي، وربما استغلال هذه المسألة لضرورة تأكيد أهمية تحرك كل الحركات السياسية والاجتماعية الناشطة في الوسط العربي، أكثر من ذي قبل، لمحاربة ظواهر الردة التي تغزو شارعنا العربي، ومنها، على سبيل المثال، ظاهرة اقدام بعض الشبان العرب على حمل أسماء عبرية في سبيل نيل فرصة عمل أو في سبيل تقبلهم في الشارع الاسرائيلي، وهي ظاهرة تنطوي على خطورة كبيرة لم يأت الرد عليها بما يكفي وكما يجب من قبل المجتمع العربي إثر الكشف عنها.

ما زال امام الحركات السياسية العربية الكثير من العمل لترسيخ مفهوم الحق بالمساواة والحق بالعمل والحق بالوجود على أرض الآباء والأجداد، كيلا "تضيع الطاسة" ويختلط برتقالنا ببرتقالهم وأحمرنا بأحمرهم، وأخضرنا بأخضرهم.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018