محطة أخيرة../ ساطع نور الدين

لم يكن يخاطب جمهوراً لبنانياً، كانت غالبية الحضور من النخبة الفلسطينية المتبقية في بيروت، التي جاءت للتعرف والاستماع الى ذلك الفلسطيني الآتي من مكان بعيد جدا، ليعيد وصل ما انقطع منذ زمن طويل بين بيئته، التي اصطلح على تسميتها بعرب ال48، وبين بقية البيئات العربية، التي تواجه اليوم معضلات أشد مما يواجهه المقيمون تحت الاحتلال الاسرائيلي، حول الهوية والانتماء والدولة والديموقراطية.

في الجامعة الاميركية في بيروت، اكتشف ذلك المزيج اللبناني الفلسطيني الذي يرقى الى ما قبل قيام دولة لبنان وضياع دولة فلسطين، للمرة الاولى امس الدكتور عزمي بشارة، الذي سبق ان لمع اسمه كعضو عربي في الكنيست الاسرائيلي وزعيم حزب ينادي بالحقوق الثقافية لعرب ال48 ومساجل في الاعلام العربي والاجنبي، كمفكر ومحاضر اكاديمي، في موضوع بالغ الدقة والحساسية في مختلف بلدان العالم العربي: التعددية والديموقراطية.

لم يكن المنطلق للمحاضرة ذلك المجتمع المركب وتلك الدولة المفتعلة التي ينتمي إليها بشارة، ولا تلك التجربة الصهيونية الفريدة التي نجحت في دمج القوميات والهويات المتعددة في بيئة متماسكة ومشروع متقدم.. مع أن المقارنة كانت ولا تزال مغرية مع ذلك المحيط العربي الواسع الذي يكاد يفقد هويته القومية ويستعيد وعيه الديني السابق لفكرة الدولة القطرية...

كما كانت عادة الجامعة الاميركية في بيروت في اواسط القرن الماضي، كان السجال بالامس يدور فيها تحديدا مع السياسة الاميركية في العالم العربي، التي تبشر اليوم بالتعددية مع انها كانت في الاصل نقيض الديموقراطية وعائقا أمامها، وتروج للمجتمع المدني مع انه ليس تكوينا بديلا للدولة، وتعترف بمختلف الهويات التفصيلية لتناهض العروبة أساسا وترفض اعتبارها هوية جامعة.

كان تحذير بشارة صريحا ومباشرا من ذلك الخطاب الاميركي والغربي الذي يلقى قبولا ورواجا في العالم العربي، ويؤسس لشروخ عميقة ليس لها علاج في مختلف المجتمعات العربية، على أساس العرق او الدين او الطائفة او المذهب.. وكان نداؤه حارا من اجل اعادة انتاج فكرة المواطنة كأساس لبناء الدولة، ومن أجل إعادة تأسيس العروبة كانتماء طبيعي مشروع.

صفق الجمهور الفلسطيني، وصمت الجمهور اللبناني الذي لا يزال يسأل نفسه عما إذا كانت العصبية التي أنزلت الشباب الى الشارع تشكل توقا حقيقيا الى هوية وطنية جديدة، على نحو ما استفسر بشارة خلال زيارته الاولى الى بيروت قبل اشهر، وهو ما لم يجد مبررا للسؤال عنه خلال زيارته الحالية.. ربما لانه كان يعرف الجواب سلفا!

لكن معرفة ذلك الجواب ترد ضمنا على البعض من مقدمات بشارة في سجاله مع الآخر، الاميركي والغربي، الذي لم يخترع خطاب التعددية والديموقراطية عندما عاد الى عالم استخدم هويته العربية لإرساء دكتاتوريات مدمرة لمجتمعات لم يعد لديها اليوم ما تخسره سوى.. الجنّة.


(صحيفة السفير)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018