هل تعـود الأشـياء إلى أصولها؟ / أنطوان شلحت

لم يكن أريئيل شارون "نبتة" غريبة أو طارئة في تربة السياسة الإسرائيلية. ولعلّ أول ما يتداعى إلى الذهن الآن بعد انتهاء "عصره" أنه يمكن توكيد ذلك، لناحية دحض كل المزاعم التي انشغلت، أكثر شيء، بتسويق "صورة جديدة" لهذا الزعيم، القادم إلى السياسة من بزة الجنرال، كما الكثير من الساسة الإسرائيليين.

وللمعلومية فإنه منذ إعلان شارون عن "قبوله" لرؤيا الرئيس الأميركي جورج بوش لحل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني المعتمدة على "مبدأ الدولتين" (أعلنت في 24 حزيران 2002)، وأكثر فأكثر بعد تطبيق خطة "فك الارتباط" في صيف 2005، ثمة انشغال غير مسبوق في إسرائيل والعالم، بما في ذلك العربي للأسف، بما اصطلح على توصيفه بـ"صورة شارون الجديدة"، مقارنة بصورته "القديمة" التي ارتسم وفقًا لها، فيما يتعلق على وجه التحديد بسيناريوهات تسوية النزاع المذكور، باعتباره من أشدّ الأعداء الألدّاء لفكرة قيام دولة عربية أخرى بين النهر والبحر وبكونه أكثر المتمسكين إن لم يكن "المبتكر" لمفهوم "الأردن هو الدولة الفلسطينية".

في زحمة هذا الانشغال ضاعت آراء حصيفة رأت حقيقة "صورة" شارون ومنها رأي نقدي ثاقب لباحث إسرائيلي تعرّض لتفاصيل هذه الـ"صورة"، بين ما كانت وما يعتقد أنها مستمرة عليه وبين ما يجري تسويقه من "عناصر جديدة" طرأت عليها، وأخضعها للفحص في ضوء مواقفه من حدثين هامين تزامنا، بهذا القدر أو ذاك، مع قبوله السالف لرؤيا بوش:
الأول هو أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة.
والحدث الثاني مبادرة السلام العربية التي أطلقتها قمة بيروت، مؤكدًا أنه إذا كان في الحدث الأول ما يفسر دوافع "التغيير" لدى شارون (أقلمة نفسه للظروف الدولية الجديدة التي شرعت الإدارة الأميركية البوشية تدفع بها خطوات كبيرة إلى الأمام) فإن الحدث الثاني قد وضع هذا "التغيير" على محكّ الاختبار العملي وأشّر إلى أن شارون، الرافض للمبادرة، لا يزال شارون.

في هذا الشأن كتب ذلك الباحث يقول "مقابل هذه المبادرة انكشفت حكومة شارون بكونها مجرّدة من أية رؤيا سياسية". وفي مجرّد هذا ما يحيل أو ينبغي له أن يحيل إلى أن "التغيير" الذي طرأ على شارون كان تكتيكيًا وليس تغييرًا جوهريًا، لناحية اتخاذ موقف أخلاقي يحقق نوعًا من العدل النسبي.

هذا الانشغال كان مرشّحًا للتصاعد على ضوء انشقاق شارون عن "الليكود" وتأسيسه لحزب "كديما"، وذلك إلى جهة إعادة إنتاج المزاعم التي تكرّس "الصورة الجديدة" بحيث يكون إخراج الحقائق من هذه المزاعم أشبه بعملية استخراج الكستناء من النار، بعد أن أصبح شارون محاطًا أكثر من ذي قبل برأي عام يدقّ له الطبول، واليسار (الصهيوني) الذي وقف له بالمرصاد ذات يوم بات ينظم المظاهرات تأييداً له..

والأهم من كل ذلك أن وسائل الإعلام الإسرائيلية أصبح أداؤها منذ زمان مفارقًا لماهية الدور المفترض بوسائل إعلام الدول الديمقراطية أن تؤديه.

حاليًا في غياب شارون تلوح في الأفق إمكانية عودة الأمور إلى أصولها الحقيقية، إذا لم يكن من قبل المخدوعين الإسرائيليين فعلى الأقل من قبل المخدوعين العرب وبينهم بعض العرب هنا في الداخل. فهل حقًا؟!


["فصل المقال"]

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018