العربدة الإسرائيلية في أريحا: الإطار السياسي/ ماجد كيالي

بمعايير المنطق والسياسة الواقعية يمكن اعتبار عملية القرصنة العسكرية، التي شنّتها إسرائيل مؤخّراً، على مقرّ المقاطعة في أريحا، والتي تركّزت على اختطاف أحمد سعدات (الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) ورفاقه، بمثابة عملية عبثية لا طائل منها، أو نوع من العمل الزائد والمجاني، باعتبارها خارج السياق التاريخي والسياسي، بعد ما آلت إليه الأمور، نتيجة أكثر من خمسة أعوام من الصراع الدامي والمدمر بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، وجنوح الفصائل الفلسطينية إلى التهدئة، والتحول إلى اعتماد الوسائل السياسية.

أما الذرائع الواهية التي برّرت بها إسرائيل عمليتها، بدعوى اعتزام السلطة إطلاق سعدات، فهي مجرد تغطية لسياسة جنون العظمة وغطرسة القوة وامتهان الآخر، التي تنتهجها، في معاملاتها مع الفلسطينيين، مستغلة في ذلك قوتها العسكرية وسيطرتها على الأوضاع وعدم قيام المجتمع الدولي بإبداء الضغط عليها، إلى المستوى اللازم، لثنيها عن هذه السياسة الرعناء.

في المستوى المباشر بدا أن للعربدة الإسرائيلية في أريحا أهدافاً متعددة ضمنها اعتقال سعدات ورفاقه، لمحاكمتهم واعتقالهم بإسرائيل، بدعوى التخطيط والمشاركة في اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي، قبل أربع سنوات، في استمرار للعقلية الثأرية الانتقامية التي تنتهجها إسرائيل، في هذه الحالات.

ومن حيث التوقيت يمكن الاستنتاج بأن هذه العملية استهدفت تحقيق غرضين: أولهما، تعزيز مركز أيهود أولمرت، وحزبه "كديما"، في الانتخابات الإسرائيلية، التي ستجري في أواخر مارس الحالي. وثانيهما، معاقبة الشعب الفلسطيني على اختياره حماس لإدارة السلطة، في انتخابات المجلس التشريعي، ضمن سلّة العقوبات التي اعتمدتها إسرائيل لهذا الغرض، لتصعيب الوضع على الفلسطينيين؛ والتي منها إغلاقها معابر رفح والمنطار (كارني) وجسر الملك حسين.

وبالمعنى العام فإن هذه العملية تأتي في سياق انتهاج إسرائيل لسياسة تصفية القيادات الفلسطينية، باعتقالهم أو اغتيالهم، لحرمان الفلسطينيين منهم وإضعاف حركتهم الوطنية؛ وهو ما دأبت عليه إسرائيل، ونتج عنه اغتيال العشرات من القياديين والكوادر، من الفصائل الفلسطينية الفاعلة (فتح وحماس والجهاد والجبهتين الشعبية والديمقراطية)، ومن ضمنهم، مثلاً، أبو علي مصطفى الأمين العام السابق للجبهة الشعبية، والشيخ أحمد ياسين قائد حركة "حماس".

أيضا يمكن اعتبار هذه العملية استمرارا لنهج إسرائيل في انتهاك الاتفاقات الدولية التي وقعت عليها مع الفلسطينيين، وضمنها اتفاق أوسلو (1993) واتفاق الخليل (1997) واتفاق واي ريفر (1998) وغيرها من الاتفاقات، وصولاً إلى خطة "خريطة الطريق"، التي وضعت عليها 14 تحفظاً، ثم تنصلت منها عبر خطة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة وبعض مستوطنات الضفة.

لكن كل ما تقدم لا يكفي لوحده لتفسير العربدة الإسرائيلية، المنفلتة من عقالها، والمتمثلة باستمرار أعمال الاغتيال والاعتقال ضد الفلسطينيين، والتضييق عليهم، والاستهتار بسلطتهم، والسيطرة على معابرهم، والتحكم بحياتهم، والإصرار على المضي في بناء جدار الفصل العنصري، ومحاولات تهويد القدس، والتوجه نحو ضم الكتل الاستيطانية في أريئيل ومعاليه أدوميم وغوش عتسيون، واعتماد الحلول الأحادية الجانب.

على ذلك يخشى أنه ثمة أهداف سياسية كبيرة، بل وجّد خطيرة، تقف وراء مجمل السياسات الابتزازية التي تنتهجها إسرائيل، ضد الفلسطينيين، وضمنها عملية أريحا، يكمن تبيّن أهمها في المجالات التالية:

1- إشاعة حال من الفوضى والفلتان الأمني، في مناطق السلطة الفلسطينية، وإظهار ضعف قدرة السلطة على الإمساك بزمام الأمور، ما يمكن إسرائيل من ترويج فكرتها بشأن عدم أهلية الفلسطينيين لإدارة ذاتهم بذاتهم، وبالتالي تغطية تملصها من استحقاقاتها السياسية والمادية إزاء السلطة، وتمكينها من تكريس الأمر الواقع، بإبقاء سيطرتها (ولو بشكل غير مباشر) على حياة الفلسطينيين وعلى أجزاء من أراضيهم المحتلة.

2- استدراج الفلسطينيين إلى ردود فعل عنيفة، غير محسوبة، ما يتيح لإسرائيل الاستفراد بهم، والإمعان في استنزافهم وتدمير مقدراتهم، وبالتالي تبرير ادعائها بعدم وجود شريك فلسطيني للتسوية معها. وكانت إسرائيل دأبت على انتهاج هذا الأسلوب، منذ بداية الانتفاضة (أواخر العام 2000)، حيث تعمدت دائما نقض اتفاقات الهدنة، كما تعمدت القيام بعمليات الاقتحام والاغتيال لاستفزاز الفلسطينيين ودفعهم إلى مواجهة مسلحة معها، أي في المربع الذي ترتاح فيه، لتقوم بدورها بأعمال البطش بهم، بدعوى الدفاع عن النفس، أو بدعوى مواجهة المقاومة (أو الإرهاب بمصطلحاتها)!

3- تكريس التهرّب من خطة "خريطة الطريق" إلى طريق التسوية الأحادية، بحيث تتمكن إسرائيل في ظل الأوضاع المتوتّرة (التي تستدعيها بذاتها) بترسيم حدودها، من طرف واحد، بمعزل عن حقوق الفلسطينيين ومصالحهم، وهو ما أكده ايهود اولمرت، القائم بأعمال الحكومة الإسرائيلية، ومرشّح حزب "كاديما" لرئاسة الحكومة المقبلة؛ خصوصا أن الانسحاب الأحادي بات عنوان المرحلة بعد أن أصبح جزءا مهما من برنامج حزب "كاديما" الانتخابي.

4- التحرر من عملية التسوية التي انطلقت من اتفاق أوسلو (1993) وبالتالي التخلّص من الكيان الفلسطيني الناشئ (السلطة)، لصالح قيام كيانات فلسطينية صغيرة، ومنعزلة في الضفة والقطاع، على أساس تنمية قيادات أمنية محلية، على حساب القيادة الفلسطينية الشرعية؛ وهذا هو أحد السيناريوهات التي تعتمدها إسرائيل لخلق قيادات بديلة.

وبالاجمال فإن تفسير سياسات إسرائيل الوحشية والعنيفة ضد الفلسطينيين، إنما يكمن في واقع أن هذه الدولة مازالت غير ناضجة لعملية تسوية تاريخية، تتأسس على إيجاد معادلة سياسية توازن بين الواقع وبين الحق، على أساس من التكافؤ والعدالة النسبية. وتلك هي باختصار الحسابات المعقدة للسياسة الإسرائيلية المتّبعة ضد الفلسطينيين، والتي تتضمن في عملية أريحا أيضاً.

وتفسير كل ذلك أن إسرائيل مازالت غير مستعدة تماما للاعتراف الناجز بالفلسطينيين، لأن ذلك يفترض الاعتراف بحقوقهم، ما يضع علامة شك كبيرة على حقها بالوجود، ويضعف صدقية وجودها الأخلاقية والسياسية والايدولوجية.

أما الحديث عن التوظيفات الانتخابية لعملية أريحا، وغيرها من عمليات التنكيل بالفلسطينيين، فهي نوع من تبسيط السياسة، لأن قادة إسرائيل هم المسؤولون عن السعار اليميني وعن تنمية حال التطرف في المجتمع الإسرائيلي.

على أية حال فإن الفلسطينيين، الذين يخوضون التحرر الوطني، معنيون، بعدم الوقوع في الاستدراجات الإسرائيلية، نحو ردود فعل غير مدروسة ومضرة، سواء باللجوء لعمليات انتقامية مزاجية في غير محلها أو وقتها، أو بالقيام بأعمال عشوائية ضد مكاتب أو مواطنين أجانب، تقوم بخدمة الفلسطينيين وتبدي التعاطف معهم. فهذين الأمرين بالذات هما ما تريد إسرائيل انجرار الفلسطينيين لهما، حتى تنزع عنهم طابع الضحية، وحتى تضفي علامة شكّ حول عدالة قضيتهم، ما يمكنها من عزلهم، والامعان في البطش بهم، للقضاء على كيانهم الناشئ، وصولا إلى إخضاعهم وفرض املاءاتها السياسية عليهم.

وهذه الحقائق ينبغي أن يعيها الفلسطينيون في إدارة كفاحهم المشروع وفي سعيهم لتحقيق أهدافهم العادلة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018