كيف شفت الشرعيّة الدوليّة يا رفيق؟!/ رشاد أبو شاور

الجرّافات التي هاجمت جدران سجن أريحا، الثلاثاء 14 الجاري، مثّلت مشهداً من سيناريو قرأناه في (التوراة)، ملخصّه: غزاة شرسون قدموا من الصحراء ،يقودهم شخص اسمه يوشع بن نون، تمكّنوا من إحراق أسوار أريحا، ثمّ اقتحموها، وقتلوا كل مواطنيها رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، ثمّ استحوذوا علر كّل مقتنيات أهلها!

تقول (التوراة) ان يوشع بن نون أمر الشمس أن تتوقف في كبد السماء، وأن لا تغيب حتى ينهي معركته مع الكنعانيين (الريحاويين) !، وأن الشمس صدعت لأمره، وقامت بدور بروجكتورات التصوير السينمائي الهوليوودي!

بعدئذ لا نعرف كيف غابت الشمس، هل استأنفت دورانها حول الأرض، في فضاء الله، تلقائيّاً، بعد مدّة التوقّف الاضطراري، أم أن يوشع تفطّن رغم انهماكه في الذبح ونهب ما خّف حمله وغلا ثمنه، فأمرها بالمغيب!

تتّمة السيناريو (التوراة)، أن جيش يوشع استحوذ على ممتلكات الكنعانيين، من أدوات طبخ، وحلي النساء الكنعانيّات ...

لا تخبرنا التوراة عن سّر شهوة أولئك القوم للاستحواذ على أريحا، ومن أباح لهم حق تدمير أسوارها ـ لم تكن الإدارة الأمريكيّة قد وجدت ـ والقيام بسرقة جماعيّة لمدينة متحضّرة، زراعيّة، والحقد عليها بسبب بناء أهلها أسواراً ترّد عنهم المعتدين ...

ما جاء في التوراة لم تثبته الدراسات الآثاريّة، والحفريّات، وبقيت نيّة (الجريمة) نصّاً دينيّاً، وشهوة الاستيلاء على ما يملكه الكنعانيّون في كّل مدنهم، تحرّك من آمنوا بتلك الخرافات، إلى أن بدأ في عصرنا تنفيذ سيناريو القتل، والحرق، والتدمير، والسرقة، وعلى مدي سنوات بدأت عام 48 وحتى يوم أريحا، يوم الهدم والاختطاف، ، الفصل الجديد في سفر الإبادة والتدمير!

ما وقع يوم 14 آذار فيه إشباع لرغبة دفينة في نفوس الصهاينة تجاه أريحا، إقناع للنفس بتاريخيّة الحدث التدميري، وأقدميّة الاحتلال، ووقوعه في عصور خلت، أي أن التدمير الحالي يقنع مقترفيه بواقعية ما جاء في التوراة، ويعوّضهم عن تكذيب التاريخ، وما أفصحت عنه الحفريّات، وما تقوله الأرض الفلسطينيّة...

فقط من الانتداب البريطاني، والرعاية الأمريكيّة التّامة، يستمدّ هذا الاحتلال قوّته، وقدرته على التدمير، وبالبث الحي على الهواء مباشرة، وأمام الرأي العام العالمي العاجز.

بشرعيّة دوليّة ممثلّة بالدولة المهيمنة: أمريكا، والدولة (العظمي) التابعة: بريطانيا، يمارس التدمير، ولا يدان، بل يدعم بالتواطؤ العلني، بتسليم أحمد سعدات ورفاقه وإخوانه، و.. في مجلس الأمن، تمنع أمريكا وبريطانيا صدور بيان يدين الهجوم (الإسرائيلي) على سجن أريحا، ويطالب بإطلاق سراح سعدات ورفاقه وإخوانه!

أكنّا نحتاج إلى جريمة جديدة تضاف إلى مسلسل جرائم الكيان الصهيوني، وانحياز أمريكا وبريطانيا الكلّي، حتى نتوقّف ونعيد النظر في مفهوم الشرعيّة الدوليّة، وقرارات الشرعية؟

ما زاد ألمي من كل ما رأيت، تصريح (الرفيق) جميل مجدلاوي عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية، والذي أدلى به للفضائيات عقب جولة مفاوضات مع قيادة حماس لبحث مشاركة الجبهة في الوزارة: قلنا لحماس ان عليها الاعتراف بقرارات الشرعيّة الدوليّة!

ما هذا الحرص على قرارات الشرعيه الدوليّة يا رفيق ؟!
الشرعيّة الدوليّة هي: الجرّافات، والآباتشي، وتدمير جدران سجن أريحا، واختطاف الرفيق سعدات ورفاقه وإخوانه، بعد مغادرة الحرّاس الأمريكيين والبريطانيين، و..سقوط اتفاقية سجن أريحا، تماماً كما سقطت اتفاقيّة سجن (أوسلو)!
أتري الشرعيّة يا رفيق، ومصداقيتها ؟!

منذ انتداب بريطانيا على فلسطين بقرار من عصبة الأمم، وحتى يومنا هذا، والشرعيّة الدوليّة تغطّي نهب فلسطين، وتشريد وذبح شعبها ...

الشرعيّة الدوليّة هي التي أصدرت قرارات: الانتداب، التقسيم، والكتاب الأسود، وغيره من الكتب، ناهيك عن القرارات التي لم تنفّذ، كقرار حّق العودة، رغم مرور عشرات السنين على صدوره ..يا رفيق !

شيّد كازينو (الواحة) قبالة مخيّم عقبة جبر، أحد المخيمات البطلة التي أسقطت (حلف بغداد) وقهرت الجنرال البريطاني (تمبلر) عام 55، وكان حضر إلى الأردن للتبشير بحلف (بغداد)، فهبّت الجماهير في (الضفتين) في تظاهرات عاصفة، وطردت ذلك الجنرال شرّ طردة .. تلك أيّام مجيدة!

كازينو القمار أنشئ كمنجز اقتصادي سياسي، يرسم طريق ملامح دولة فلسطين القادمة، والتي بشّر بها أقطاب (أوسلو)، واعدين بأنها ستكون نمراً آسيوياً ! فإذا بها بطّة بين شريك السلام، لا تملك أن تدافع عن نفسها، كونها بلا أنياب، ولا مخالب ! نمر من ورق يعني.. وماذا تتوقعون من (دولة) تبدأ أوّل مشاريعها، ومنجزاتها الاقتصادية، بكازينو للقمار و...!

أفّاقون يسرقون مال شعبنا، ويلطخون شرفه، وينشئون اقتصاد (قمرجيّة)، اقتصاد لعب، ونهب، وسمسرة، في فلسطين أرض البطولة والشهادة.. نيّة إغلاق الكازينو أثلجت صدري، وأحسب أنه سيكون من فضائل الوزارة الجديدة . وكوني إبن منطقة (أريحا)، وعلاقتي بها روحيّة، وكوني كتبت لها الكثير من نتاجي الأدبي: روايةً، ومسرحاً، وقصصاً قصيرةً، ومقالات، أجد أنه لي الحّق، بل من واجبي أن اقترح تحويل مبنى الكازينو متحفاً فلسطينيّا يعني بتاريخنا القديم، والمعاصر، وهذا سيكون حدثاً له معني وطنيّاً يشي بمرحلة جديدة في حياتنا، على أن يشرف عليه مؤرّخون، وعلماء آثار، ويدعى للمحاضرة فيه علماء ومؤرّخون عالميون يتمتّعون بالمصداقية، والسمعة، والمستوى العلمي المشهود له، وبخّاصة أولئك الذين انحازوا للحقيقة ودفعوا الثمن، وتحمّلوا محاربة الصهيونيّة عقاباً لهم على انحيازهم للحقيقة ...

وأنا أتأمّل مشهد شباب الأمن الوطني، وهم يخرجون أشباه عراة، تحت رشّاشات دبّابات المحتلين الصهاينة، وجدتني أطلق هذا الهتاف في تظاهرة تتألّف منّي وحدي: آه لو أن عرفات يوم حوصر في المقاطعة وأمهل بعشر دقائق قبل هدمها على رأسه ومن معه، وحين زحفت جموع الشعب الفلسطيني (أبو المعجزات)، قارعةً أدوات الطبخ المعدنيّة ـ وهي غير تلك الطناجر، والصحون التي نهبها يوشع ومن معه ـ وأوقفت الدبابات والجرّافات عند حدّها، خرج ببندقيته وانضّم للجماهير، معلناً انتهاء اتفاقات أوسلو ..لما كان حدث كل الذي حدث.. ولما استفحلت الشرعيّة الدوليّة الأمريكيّة البريطانيّة ذبحاً بنا..

الأخوة والرفاق: كيف شفتم الشرعيّة الدوليّة وجرّافاتها في أريحا؟!
.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018