كل شيء مباح، كل شيء ممكن!/ أنطوان شلحت

من شأن قراءة في البرامج الانتخابية للأحزاب الإسرائيلية الرئيسة التي ستشارك في انتخابات الكنيست الـ17، يوم الثلاثاء 28 آذار الجاري، أن تجعلنا نتوصل إلى الخلاصة التي سبق أن عبّرنا عنها كما عبّر عنها آخرون أيضًا، ومؤداها أن إسرائيل تمضي إلى هذه الانتخابات وهي أكثر تمسكًا بسياسة الضمّ والتوسع والعدوان، التي لم تكفّ عنها يومًا. أما "الرؤيا" حول حلّ "دولتين للشعبين"، التي لا ينفك البعض يروّج لرسوخها في المسلكية السياسية الإسرائيلية العامة، فتبقى في هذه البرامج لا أكثر من "ضريبة كلامية" بينما هي في الممارسة مجرّد رؤيا غائمة مغلّفة بكل ما في مقدوره أن يفضي إلى المزيد من تمكين الدولة الإسرائيلية وتعزيز أمنها، في جهة وإلى استئصال كل ما من شأنه أن يجعل الدولة الفلسطينية العتيدة دولة قادرة على الحياة، وخصوصًا موردي الأرض والحيّز، في جهة أخرى موازية ومكمّلة.

وقد صدق الصحافي جدعون ليفي، الذي أشار (صحيفة "هآرتس"، 19/3/2006) إلى ولادة "إجماع وطني" جديد في المجتمع الإسرائيلي في الآونة الأخيرة حول ما يعرف بـ"الكتل الاستيطانية". وإلى أنه في الوقت، الذي يشير فيه المحللون واستطلاعات الرأي إلى انزياح مزعوم نحو اليسار وإلى وجود أغلبية مؤيدة لإقامة دولة فلسطينية وإخلاء مستوطنات، تتزحزح الخارطة الحقيقية يمينًا وبصورة متطرفة. فإن برامج الأحزاب الكبرى الثلاثة كديما والعمل والليكود- يمين ووسط ويسار كما يبدو ظاهريًا- موحّدة تماما في إجماعها حول إبقاء المستوطنات الكبرى في يدي إسرائيل. وحتى برنامج جنيف، الذي يعتبر "متطرفًا" (من وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية والشعبية)، يبقي معاليه أدوميم في داخل إسرائيل.

"فجأة- يقول ليفي- ينهض الإنسان في الصباح ويكتشف أن حوله إجماعًا جديدًا: ليس واضحًا تمامًا كيف تبلور الإجماع اليميني فجأة. ذات مرة كان هناك إجماع حول القدس والآن أصبح حول نصف الضفة، ومع ذلك يطلقون على هذا: زحزحة نحو اليسار".
والحقيقة أنه قبل ليفي بوقت كثير كتب المعلق السياسي لصحيفة "هآرتس" ألوف بن، تحت العنوان "فرحة البلدوزر"، فيما يشبه النبوءة، يقول إن من يعتقد بأن أريئيل شارون تحوّل إلى يساري وبدأ الاهتمام بـ"حقوق الفلسطينيين" على خلفية "خطة الانفصال"، يكون كمن ارتكب خطأ جسيمًا. فشارون لا يزال يعتقد أن البلدوزرات والشقق السكنية هي التي تحسم الحدود، بتأييد ودعم من أميركا. وأضاف أن "سياسة الكتل الاستيطانية" التي اتبعها شارون تُصيب قلب الوسط السياسي في إسرائيل. فإن الجميع يحبون معاليه ادوميم وأريئيل، باستثناء حركة "سلام الآن" وبعض الزاعقين من اليسار (يقصد اليسار الراديكالي، لا الصهيوني). فإيهود باراك، الذي كان آنذاك يريد منافسة شارون، يلتف عليه من اليمين ويحذّر من فقدان "الكتل الاستيطانية" بسبب النهم المفرط. وشمعون بيريس تمتم محتجا على "توقيت" الإعلان عن خطة البناء في معاليه أدوميم، لكنه لم يعترض على المبدأ. والنتيجة المطلوب استخلاصها هي أن الانتخابات القادمة ستدور، إذًا، حول قضية من الذي سيحافظ على أريئيل وبيت آرييه أفضل من الآخر؟.
غير أنه إذا أضفنا إلى الإجماع الذي يقول به ليفي "إجماعًا وطنيًا" آخر لدى تلك الأحزاب حول وجوب الانفصال ديمغرافيًا عن الفلسطينيين دون الحاجة إلى تحقيق حل عادل ودائم، أي دون الحاجة إلى الانسحاب إلى حدود العام 1967 ودون حق العودة ودون القدس، فإن الكلام السالف يحيل، ضمن أشياء أخرى، إلى طمس الفوارق بين ما يسمى بـ"يمين" و"وسط" وحتى بين هؤلاء وبين ما يسمى بـ"يسار"، في الخريطة الحزبية الإسرائيلية، عشية انتخابات يتفق الجميع على كونها مصيرية. بل إن واقع الحال والبرنامج الانتخابي يقتضيان السؤال فيما إذا كان حزب "ميرتس" نفسه ما زال في "اليسار" الذي اعتبر حتى وقت قريب أحد رموزه الدالة، في حين أن برنامجه الانتخابي لا يستأنف، حتى لا نقول يؤيّد، على هذا الضمّ، ويؤيّد "قانون العودة" العنصري ويعارض حقّ العودة المشروع، بحجة الخشية من أن يهدّد الأخير الطابع اليهودي لإسرائيل، الذي جاء الأول من أجل تدعيمه.
كما ينضوي حزب "ميرتس"، وفق برنامجه، تحت كنف "إجماع وطني" آخر يقول بأن التفاوض مع أية حكومة فلسطينية لا ينبغي أن يتم قبل أن تتوفر فيها الشروط التالية: تعترف بإسرائيل، تتبرّأ من الإرهاب وتحترم الاتفاقيات التي تمّ توقيعها بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. ولا يلبث أن ينتقل منه ليرتمي في أحضان "إجماع وطني" ثالث حول الخطوات الأحادية الجانب، مع فارق أن تأييده لهذه الخطوات يأتي من باب مناداته بإنهاء الاحتلال، لأن ذلك ينطوي أيضًا على مصلحة إسرائيلية، ولا غضاضة في ذلك.
وللمعلومية فقط فإن أكثر مصطلح قد يخطف الأبصار في البرامج الانتخابية هو مصطلح "الخطوات الأحادية الجانب"، سواء ورد ذكره في البرامج التي تتبناه وتؤيده أو في البرامج المعترضة عليه، علمًا بأن المعترضين عليه لا يفعلون ذلك بدافع الحماس للوصول إلى تسوية من خلال الاتفاق مع الطرف الآخر. ومن هذا التناقض بين الفئتين يتولّد، للمفارقة، "إجماع وطني" رابع أو خامس- لم أعد أذكر- مفاده أن إسرائيل وحدها هي التي يجب أن تمتلك مفاتيح الحلّ والربط، في كل ما يتعلق بصيرورة الصراع مع الفلسطينيين.
لقد سبق أن أكدنا، في مناسبة سابقة، أن من أكثر الأمور لفتًا للنظر أيضًا في البرامج الانتخابية أن التشديد على وجوب "يهودية إسرائيل" يأتي فوق أي اعتبار. وأن لهذا الأمر دلالات داخلية، بشكل خاص في المواقف المعبّر عنها من قبل بعض هذه البرامج حيال المواطنين العرب في الداخل، إلى ناحية إمعان إسرائيل في تعميق الكولونيالية الداخلية، وهو ما تجسّده، ليس على سبيل الحصر، المخططات الرسمية الأخيرة الرامية إلى ترحيل العرب من النقب والداعية إلى تطبيق ترانسفير ضد العرب في المثلث تحت شعار "تبادل مناطق"!.

وعلى ما يبدو فإن الخلاصة الأهم من كل ما تقدّم هي أن إسرائيل ماضية أكثر فأكثر نحو ترتيب وضعيتها (النهائية؟) بعد هذه الانتخابات، في الوجهة التي دشّنها أريئيل شارون وأمل في أن يبلغ نهايتها- الوجهة الأحادية الجانب.
صحيح أن هذا المضي يجري تسويغه منذ الآن بادعاء "انعدام الشريك" في الجانب الفلسطيني. وهو ادعاء اكتسب أبعادًا مضاعفة مع انتصار "حماس" في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الأخيرة، علمًا بأنه كان ادعاءً قارًّا قبل هذا الانتصار أيضًا.

وفي سبيل بلوغ هذه الغاية يظهر أن كل شيء مباح وكل شيء ممكن، وفي طليعة ذلك عدم رؤية أن هناك إنسانًا فلسطينيًا يكابد الآثام والشرور، فما بالك بأرض هذا الإنسان وحقوقه؟.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018