وزير التهديدات الإستراتيجية ليبرمان والوضع السوداوي/ د.يوسف رزقة*

يبدو أن عامل (الخوف من المصير) مكون أساس في الرؤية الإسرائيلية، وأعني بعامل الخوف : ( الإحساس الداخلي لدى الفرد والمجتمع والقيادة المتناوبة على الحكم (يمين أو يسار أو وسط) بأن مستقبل دولة إسرائيل في خطر وأن بقاء الدولة مازال في خطر رغم مرور ما يزيد عن نصف قرن منذ النشأة)، لذا يجب في نظرهم منع الآخر (وبالذات الفلسطيني ثم العربي والإسلامي) من الاستقرار وتحقيق النمو والنهضة والوحدة، وهذا يقضي من الدولة ومكوناتها مراقبة أقوال الآخر وثقافته ومدارسه وأحزابه وأفعاله. وإجهاض خطواته نحو النمو والاقتدار، وهو ما نسميه فلسطينياً بسياسة العدوان المستمر.

توشك هذه الرؤية (الخوف = العدوان) أن تكون ثابتة في الفكر الإسرائيلي منذ النشأة في عام 1948م وحتى تاريخه في عام 2006م حيث سجلت استطلاعات الرأي التي أجراها مركز (داحاف) مؤخراً في شهر سبتمبر وبعيد انتهاء حرب لبنان السادسة أن 23% من سكان يرون أن إسرائيل لا تملك مؤهلات البقاء كدولة في هذا المكان من العالم.

ولا أحسب أن هذه الرؤية المركبة من معادلة (الخوف= العدوان) ستنتهي قريباً من فكر القيادة الإسرائيلية الصهيونية، وهذا ما يمكن أن يفهمه المرء من الاستطلاع السابق ومن ضم (ليبرمان) إلى حكومة أولمرت في هذه المرحلة بالذات، ومن الاستحداث الغريب للوزارة الغربية التي أسندت إليه التي حملت اسم وزير (التهديدات الإستراتيجية) ولمزيد من البيان لهذه الحقيقة نلخص جزءاً من المقابلة التي أجرتها صحيفة يديعوت أحرنوت مع أفيغدور ليبرمان:

تقول الصحيفة إن ليبرمان بقرار الانضمام إلى الحكومة خالف رأي مستشارة الأسطوري (آدتوفنكلشتاين) لأنه بذلك يضحي بمستقبله أن يكون زعيماً لليمين بديلاً عن نيتانياهو.
اليسار الإسرائيلي يهاجمه مدعياً أن يسعى إلى فرض الدكتاتورية، واليمين يهاجمه فيقول إنه يحاول إنقاذ حكومة أولمرت مانعاً صعود اليمين إلى الحكم.

وليبرمان يجيب قائلاً: "لا أريد السيطرة على الحكم، أو إنقاذ كديما، إن كل ما أرمي إليه هو (إنقاذ دولة إسرائيل) : نحن أمام عامين حاسمين وتحديات كبيرة، والحرب القادمة وشيكة"، وأريد أن أكون بجانب طاولة الحكومة عند اتخاذ القرارات المصيرية، وبإمكاني أن أسهم هناك وأن أقدم خدماتي".

ويضيف ليبرمان" نحن في الدقيقة التسعين، وهناك مؤشرات كثيرة على ذلك، أنا ألتقي مع سفراء شرق أوربا، وأسمعهم يتحدثون عن أن عدد الإسرائيليين الذي يطلبون الجنسية الأوربية عددٌ مخيف. ذات مرة كان اليهود في الخارج يطلبون الجنسية الإسرائيلية ووفروا أموالهم هنا لأيامهم السوداء، واليوم انقلب ظهر المجن، وأصبح الإسرائيلي يرغب بالجنسية الأجنبية ويودع أمواله في الخارج". (450 ألف إسرائيلي غادروا إسرائيل في سنوات الانتفاضة وأقاموا في كندا وغيرها، وقد فشلت لجنة أرسلت لإقناعهم بالعودة في مهمتها ـ هذه الأعداد بحسب مصادر إسرائيلية).

ليبرمان الرجل القادم من روسيا يبدو اليوم الأكثر سوداوية في نظرته إلى واقع دولة إسرائيل، وحين تسند إليه مهمة إدارة الصراع مع التهديدات الإستراتيجية بحسب مسمى وزارته الغريبة فإن هذه التهديدات تشمل على أقل تقدير الفلسطينيين داخل الخط الأخضر والمقاومة الفلسطينية والعلماء الإسلاميين، والممانعة العربية (سوريا + حزب الله) وإيران ببرنامجها النووي، وهي عناصر واقعة في محور الشر بتسمية بوش الكنسية.

هذه الروح السوداوية التي تسكن ليبرمان وأولمرت من شأنها أن تُفجر معادلة (الخوف = العدوان) على نحو غير مسبوق في قطاع غزة يقول أولمرت أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست: "في قطاع غزة يتواصل تهريب كبير للوسائل القتالية ونحن ملزمون باتخاذ خطوات تقلص إمكانية المخربين" (هذا القول مجرد ذريعة للقتل) في الجلسة نفسها قال أولمرت : " لقد صفت قوات الجيش الإسرائيلي 300 مقاتل في الأشهر الثلاثة الأخيرة".

نحن في فلسطين نعلم أن معادلة (الخوف/ العدوان) تعني في الفكر الإسرائيلي القتل من أجل القتل، وتعني القتل الذريع دون تمييز تحت ذرائع كاذبه، نحن نعلم أن 137 ممن قتلوا في الأشهر الثلاثة الأخيرة كانوا من الأطفال دون سن السادسة عشرة بحسب تصريح معاوية حسنين رئيس قسم الطوارئ في وزارة الصحة الفلسطينية وأن منهم 39 امرأة.

ليبرمان صاحب الرؤية السوداوية والأكثر حديثاً عن مستقبل دولة إسرائيل بين الوزراء يرى أن أهلنا داخل فلسطين يمثلون تهديداً استراتيجياً يجب التعامل معه بطردهم من ديارهم، والمحافظة على نقاء الدولة اليهودية. ويرى أن المقاومة الفلسطينية بأسلحتها الخفيفة تمثل تهديداً استراتيجياً ؟! ويرى أن التعليم الفلسطيني يمثل تهديداً استراتجياً؟! ويرى أن أوسلو الهزيلة تمثل تهديداً استراتيجياً؟! ويرى في المبادرة العربية تهديداً استراتيجياً؟! ومن ثم يمكن القول بأن المنطقة فلسطينياً وعربياً واقعة تحت طائلة التهديد الإستراتيجي الذي يهدف إلى إجهاض محاولات النهضة العربية.

إن امتلاك دولة الاحتلال التفوق (النووي والتقليدي) على مجموعة الدول العربية لم ينزع من نفوس الإسرائيليين عامل الخوف الوجودي، ولم يوفر لهم الاستقرار (الذاتي والجمعي) رغم إنهم خاضوا حروباً انتصروا فيها على العرب، ومن ثم فإن ظاهرة العدوان وحب القتل تتجدد لديهم على مدار الساعة، وهو ما يُفسّر استمرار حالة الصراع الساخن ورفض التهدئة والهدنة والسلام العادل.

لقد استثمرت القيادات الإسرائيلية المتعاقبة معادلة (الخوف/ العدوان) ـ لتحقيق الأهداف الصهيونية على مستوى الداخل والخارج. فعلى مستوى الداخل تمكنت القيادة من ابتزاز الشخصية اليهودية (المتباينة في ثقافتها ومصالحها) لتوحيد جهودها لدعم الفكرة الصهيونية وتوحيد قواها في مواجهة الفلسطيني والعربي في صراع ممتد، ومن ثم تقبل المجتمع الإسرائيلي فكرة (الدولة القلعة) بمتطلباتها العدوانية من شد عسكري دائم وعدم التسامح مع الفلسطينيين والعرب ممن يحملون رؤية وطنية وإسلامية على السواء، وتقبل مبررات القتل الذريع للمدنيين والأطفال والنساء.

وعلى مستوى الخارج تمكنت القيادات الإسرائيلية المتعاقبة من ابتزاز النظام الدولي وبالذات أميركا وأوربا مالياً وعسكرياً ووقعت مع أميركا اتفاقيات ضمان أمن وحماية، واستقنعها وأقنعتهم برفض المطالب العربية والفلسطينية بحسبان أن ما يطرحه الفلسطينيون والعرب ـ حتى على مائدة المفاوضات ـ يحمل تهديداً استراتيجياً ينفي بقاء دولة إسرائيل.

إن تقييم أحداث نصف قرن يكشف عن نجاح القيادات الإسرائيلية في تحقيق المكاسب المرجوة على الجبهتين الداخلية والخارجية، وأنها وظفت عامل الخوف الوجودي الذي يساوي في النظرة الفلسطينية العدوان، ويساوي في لغة بوش: الدفاع عن النفس، بينما فشلت القيادات الفلسطينية والعربية من فضح معادلة الخوف، وأنها عدوان، وأنها دعوة للقتل من أجل القتل والإبادة العنصرية وفشلت في توحيد الجبهة الداخلية، واستثمار التعاطف العالمي.

إسرائيل بمعادلة (الخوف/ العدوان) تمكنت من إقامة الدولة القلعة، والمجتمع المحارب، (الجد تحت السلاح والأب تحت السلاح والابن تحت السلاح والحفيد تحت السلاح والمرأة تحت السلاح)، وخاضت حروبها العدوانية المتكررة بتأييد أميركي، وتفهم أوروبي، وصمت دولي، وحرب لبنان السادسة والاحتياجات المتكررة لغزة والضفة تشهد على هذه الحالة بشكل يثير الاستفزاز والغضب ليس فلسطينياً بل عربياً وإنسانياً؟!!!

إسرائيل تهربت من تنفيذ مقررات الشرعية الدولية، وتهربت حتى من استحقاقات أوسلو السخيفة!! وحظيت بتفهم أميركي أوربي لتهربها بعد أن نجحت في تسويق معادلة الخوف على المستقبل. والقيادات العربية والفلسطينية عن ذلك مكة بمعزل !! بل إن بعضهم يقدم خطاباً يعزز فيه قبول المعادلة الإسرائيلية دولياً بحسن نيه أو بسوء نية.

إنه بعامل الخوف تعبث إسرائيل في العراق ولبنان وباكستان وأفغانستان، وبه تهدد إيران والخليج العربي ومصر، وبه تبرر الاجتياحات والقتل الذريع في غزة والضفة، وبه تبرر هدم البيوت وتجريف الأراضي، واعتقال آلاف الأسرى وهو تبرير ساذج لا يقوى على النقاش، ومع ذلك فإن ما يصعب تبريره بهذا (المبرر الفاسد) هو هدم إسرائيل للجسور، وتجريف الطرقات، واقتلاع الأشجار، والحصار الاقتصادي، وإغلاق المعابر، وتدمير محطة توليد الكهرباء الممولة من الدول الأوربية والمكفولة بضمانات تحميها من العدوان في أثناء الاضطرابات.

إن من منتاجات معادلة (الخوف/ العدوان) المتجددة المنذرة بالخطر والتصعيد والقتل تربط الحالة الغزية باللبنانية في التحليل الإستخباري الإسرائيلي. حيث تقول الاستخبارات الإسرائيلية إن غض الطرف عن تسليح حزب الله لمدة عام تقريباً انتج حرباً إسرائيلية فاشلة، ومكّن لحزب الله في الساحة اللبنانية، وهدد بطن إسرائيل، وإن غض الطرف عن حماس يمكن أن ينتج الحالة نفسها؟!! لذا يجب التحرك بقولة للقتل والهدم والتدمير إن تضخيم قدرات حماس وما تملك من أسلحة، واستثمار الحالة اللبنانية ونتائجها بالسرعة الممكنة (القراءة العسكرية تعرف الفروق الكبيرة بين الساحة اللبنانية والفلسطينية، حيث أن معوقات التسلح والبناء العسكري في غزة يصعب تجاوزها واختراقها).

هذا التضخيم المقصود للأنفاق، ولعمليات التهريب والتسلح، و الربط بين الساحتين هو صناعة استخبارية تسعى إلى إراقة الدم الفلسطيني والتحريض على القتل والهدم، وهي أمور "تدركها أصوات إسرائيلية وترفضها لأنها كاذبه. تقول هذه الأصوات ماذا تملك غزة من سلاح مقابل ما تمتلكه إسرائيل ؟! إنه تضخيم يقصد إل فكفكفة النظام السياسي الفلسطيني الضعيف أصلاً، وتدمير الخيار الديمقراطي، وحرمان المجتمع من إمكانية الاستقرار وتطوير الحياة الديمقراطية وتحريض على حرب أهلية تحت عنوان تقوية الرئاسة وإضعاف حماس.

إنه في المقابل يوجد لدى الفلسطينيين معادلة خوف، ولكنه الخوف المساوي للظلم، إن عامل (الخوف = الظلم) أكثر توفراً في الجانب الفلسطيني، الفلسطيني فقد الجزء الأكبر من وطنه في عام 1948م وهو يتخوف من فقد أجزاء مهمة ومقدسة من وطنه الذي احتل في عام 1967م، حتى ولو قبل الفلسطينيون بالمفاوضات وسيلة لاسترجاع ما احتل من أرضه في عام 1967م (راجع مباحثات براك عرفات).

المجتمع الفلسطيني متخوف من الموقف الأميركي المؤيد لإسرائيل والموقف الأوروبي المتردد، وهو يتخوف من القوة العسكرية المتفوقة التي تمتلكها إسرائيل، وهو خائف من استمرار غياب الدولة ذات السيادة على جزء من وطنه لسنوات قادمة طويلة، إن عامل (الخوف / الظلم )أكثر تغلغلاً في المجتمع الفلسطيني وهو سبب مباشر من أسباب المقاومة، غير أن ما يحرك الفلسطيني هو التفاؤل والأمل، وحب الناس والحياة والمستقبل، وهو يمتلئ بالصبر والمصابرة لأنه فقط يمتلك الإيمان والتوكل. وهو يؤمن بوعد الله بالنصر، وهو مسكون بحب الآخر بغض النظر عن الاختلاف في الدين أو الجغرافيا، لأن الفلسطيني المقاوم مسكون بالروح الإنسانية وأخلاق الفروسية الكريمة، وهي صفات تعزز الأمل في جبهة داخلية فلسطينية موحدة في إدارة الصراع.

سوداوية ليبرمان مرشحة لأن تنتج مزيداً من العدوان والقتل ليس في الساحة الفلسطينية المشتعلة فحسب، بل وفي ساحات إقليمية أخرى، ولن تنتج بالتأكيد رؤية إستراتيجية مفيدة للدولة العبرية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018