في محنة الديموقراطي اليتيم على مأدبة اللئيم../ عصام الخفاجي

يورد محضر واحدة من جلسات مجلس الحكم، الذي ضم ساسة عراقيين يعطون المشورة للحاكم الأميركي حتى منتصف 2004، بول بريمر، إثارة السير جيريمي غرينستوك، السفير البريطاني آنذاك، قضية مرت عابرةً (ككثير غيرها) على المجلس. وكان كثيرون من أعضاء هذا الأخير معنيين بتعزيز مكاسبهم السياسية والمادية أكثر من اهتمامهم ببناء مؤسسات دولة حديثة تقف على مسافة متساوية بين المواطنين، أيا تكن انحداراتهم الدينية أو المذهبية أو القومية أو المناطقية أو العائلية، كما يشي أي تعريف للدولة الحديثة.

قدم السيد غرينستوك ما قال إنه تقدير متحفظ مفاده أن الحوزة العلمية في مدينة النجف تتسلم إيرادات قدرها سبعون مليون دولار شهريا، أي 840 مليون دولار سنويا. وتساءل السفير إن كانت الحكومة العراقية راغبة في، أو قادرة على، التنسيق مع الحوزة في موضوع كيفية التصرف بهذه الموارد الهائلة بما يخدم العراقيين ويمنع تسربها إلى جهات أو أفراد تريد التحول إلى أمراء حرب.

كان هذا في أواخر 2003، حين كانت نذر الكوارث التي يشهدها العراق اليوم قد بدأت تلوح في الأفق. لكن الخطر الأكبر آنذاك كان الجريمة المنظمة التي لم تتخذ بعدا سياسيا بعد. خرجت تظاهرات في بلدة الفلوجة تندد بتجاوزات القوات الأميركية، لكن محافظة الأنبار، التي ينظر اليها اليوم كحاضن "طبيعي" للمعارضة المسلحة، كانت في الواقع من بين المناطق الأكثر هدوءا طوال فترة الحرب وما بعدها. أما نينوى (ومركزها مدينة الموصل) فقد ثارت ضد الطائفية منذ الشهر الأول لما بعد سقوط صدام، حين نصّب سني موصلي نفسه محافظا لها، فخرج السكان محتجين على ارتباطاته السابقة بمخابرات النظام البعثي.

كأنني إذ أذكّر بهذه الوقائع أتحدث عن عصر سحيق في القدم لبشاعة ما شهدنا من تطورات بعدها. فكيف لو ذكّرت بقصف صدام حسين للرمادي، عاصمة الأنبار، عام 1995 حين انتفض سكانها ضد نظامه، والمجزرة التي ارتكبها بحق بعض من أبرز أبناء تكريت عام 1996، بتهمة التآمر ضد نظامه؟ حتى العرب السنّة من العراقيين بدوا مستسلمين للقصف الكلامي من جانب الإدارة الأميركية والمعارضة العراقية لصدام حسين اللتين ظلتا لا تريان في شرور الأخير غير "محنة الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال".

يقيناً إن أي منصف لا يستطيع إنكار الجرائم الجماعية المرتكبة ضد الشعب الكردي والتمييز البشع الذي تعرض له مع الشيعة العراقيين، من جرائم التهجير الجماعي بحجة التبعية لإيران، مرورا بمأساة الأنفال، ووصولا إلى القمع الوحشي لإنتفاضة 1991 إثر هزيمة النظام في ما يسمى بحرب الخليج الأولى. ولئن كان الدفاع الجمعي عن هوية مضطهدة وإبرازها بشكل إنتقامي، بل عدواني، تجاه الهويات الأخرى التي يتم تصويرها أو تخيلها مسؤولة عن الإضطهاد أمرا مألوفا في التاريخ، فإن من الخطأ البالغ افتراض أن الشكل الذي تتخذه الهوية المنتصرة بعد قهر مديد، والعدو الذي تطارد، أمران معطيّان من البدء. بل ان ظروفا وعوامل عدة تلعب أدوارا شديدة الأهمية في إضفاء الشكل الذي تتخذه عموما، والشكل الذي اتخذته في عراق ما بعد صدام على وجه التحديد.

ولكي لا يبدو الحديث مفرطا في التجريد، دعونا نتناول حالات ملموسة.

على امتداد فترة حكم البعث (1968-2003)، وهي حقبة تعادل أكثر من أربعين في المئة من عمر الدولة العراقية الحديثة، كانت الأيديولوجية القومية العربية تتحاشى الحديث بالإيجاب عما تريد أن تحقق بالملموس (ويصعب القول إن شعارات «الوحدة والحرية والإشتراكية» برامج بالمعنى العلمي والعملي للكلمة). كان التركيز ينصب، بالأحرى، على أهداف «سلبية»: الأمة العربية ضحية لأعداء خارجيين. أيديولوجيا تخترع هوية جمعية من خلال تحديد من نقف ضده، لا من خلال ما يجمعنا بالفعل. وهي، في الوقت نفسه، أيديولوجيا تتلذذ بالمعارك المدمرة لأنها تثبت أن ثمة عدوا خارجيا يتربص بنا، فتلعب الحروب بالتالي دورا صاهرا للهوية الجمعية المتخيّلة أو الحقيقية.

لكن الهوية الجمعية في ظل ايديولوجيا عروبية في عراق تتكون أغلبيته من الشيعة والأكراد اتخذت شكلاً مختلفا عن الهوية الجمعية في ظل الأيديولوجيا ذاتها مطبقة في سورية، المواجهة لإسرائيل وتركيا كجيران غير عرب.

وفي عراق ما بعد صدام، لم يتطلب الأمر عبقرية لتوقع أن النظام السياسي اللاحق لا يمكن أن يستقر إن لم يعكس التوازنات القومية والطائفية في البلد والمظالم التي يشعر بها أبناء الجماعات التي تعرضت للتمييز. إنما لم يكن من المحتم، لا من وجهة نظر المقهورين ولا من وجهة نظر السياسيين الجدد، أن يتمثل الحل لمشكلة التمييز في أن يتولى رجل الدين تمثيل طائفته المقهورة (الشيعة) أو التي تقف على أبواب القهر (السنة العرب).

كلام شعاري؟ دعونا نأخذ مثالا من واقع العراق نفسه. في 1963 قاد حزب البعث انقلابا دمويا ضد حكم عبد الكريم قاسم. لا يريد كثيرون تذكر، أو التذكير، بأن العرب الشيعة كانوا يمثلون الأغلبية الساحقة من قيادة حزب البعث آنذاك وأن عدوهم قاسم كان سنياً. فما الذي حصل؟ نزلت جماهير مدينة الثورة الشيعية (التي يسمونها مدينة الصدر اليوم) إلى الشوارع دفاعا عن حاكم سني ضد حزب شيعي. وظلت أحياء الكاظمية وقنبر علي الشيعية تقاوم البعث لمدة تجاوزت أسبوعا بعد مقتل قاسم.

اعتراض معقول: مضى على ذلك كله أربعون عاما تغير فيها المزاج العام كليا. وهذا صحيح. إنما المؤشرات البسيطة التي أشرت إليها في البداية تقول إن طريقا جديدة كان يمكن أن تفتح لنظام عادل غير طائفي أو متحيز ضد الشعوب الكردية والتركمانية والكلدوآشورية في العراق، أو ضد الأديان المسيحية والصابئية واليزيدية.

سبعون مليون دولار شهريا تدخل لحوزة النجف وحدها. فكم يدخل للوقف السني؟ وللصدر؟ ولقوات بدر؟ ولعشرات غيرهم من كل الأطياف؟ كل هذا في بلد كان يمتلك ما اسماه الغرب الجيش الخامس الأكبر في العالم عام 1990، ويمتلك بالتالي ترسانة هائلة من الأسلحة، فضلا عن العلاقات الدولية للنظام العراقي التي مكنته من رشوة متنفذين في أقاصي العالم وأدناه.

ملايين، بل مليارات الدولارات في أيدي جماعات لا سيطرة للدولة عليها، مصحوبة بالقدرة على الوصول إلى الأسلحة المتقدمة ببساطة نسبية والإستفادة من شبكة علاقات تمكن المتحكمين من التحرك عالميا وإقليميا. أي مزيج متفجر؟ ومع هذا، مع هذا كله جرت انتخابات أواخر 2005 في ظل جو من الإرهاب الفكري والجسدي لا أحتاج إلى وصفه. ولم يذهل أحد لنتائج كانت متوقعة سلفاً، عكست الإستقطاب الطائفي الذي آلت اليه البلاد والذي كان من قادوا إليه سعداء به. لكن أليس مثيرا لإهتمام من يدافعون عن الديموقراطية في العراق أن من نزلوا إلى حلبة الإنتخابات في هذا الظرف على أساس برنامج غير ديني حصلوا على 26 مقعدا؟ ألا يثير الإهتمام أن كردستان التي ترشحت في هذه الإنتخابات في قائمتين، إسلامية وقومية غير دينية، حصلت فيها الأخيرة على أكثر من خمسين مقعدا فيما حصل الإسلاميون على خمسة مقاعد فقط؟

فماذا يفعل الديموقراطي اليتيم على مائدة اللئيم؟

واحد من الـ"حلول" يتمثل في العودة إلى حياتنا التي باتت عادية: اجتماعات منفيين في الخارج (كما فعلنا مؤخرا في عاصمتنا لندن) والتعامل مع الوضع القائم، لاكعدو لنا، بل كغريب علينا.

حل آخر يتمثل في البحث عن تمويل يضاهي ما يحصل عليه "الآخرون" لننشئ ميليشياتنا "الديموقراطية". الجواب: ليس ثمة مال كهذا سينصب عليكم أيها ال ديموقراطيون. وإن انصب مثل هكذا مال عليكم، فكيف تكونوا ديموقراطيين مع ميليشيات يجبرها منطقها الداخلي على أن تكون عصابات؟

وحل أخير، بعيد المدى، يقول إن كان واحد من سبعة عراقيين صوتوا لغير الطائفيين في العام الماضي، فما الذي يمكن لتحالف مع القوى الكردية غير الطائفية أن تفعله، إن تخلى الأصدقاء الكرد عن حسابات الأمد القصير، وفكروا فيما يجمعهم مبدئيا مع قوى الديموقراطية في العراق "العربي".


"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018