هادلي، نيغرو بونتي ،سولانا... ولارسن../ عبد اللطيف مهنا

ثلاثة نشطوا مؤخراً في المنطقة وأطل رابعهم برأسه... اثنان بأقل ضجة إعلامية ممكنة، والثالث رافقته كالعادة ضجة إعلامية استولدتها، كما هو حاله دائماً، تصريحاته أينما حل أو ارتحل. أما الرابع فكعادته لا يطل عبثاً وإنما انسجاماً مع الحركة العامة للمصالح التي هي من ذات النوع الذي جلب الثلاثة إلى المنطقة...

الأول، ستيفن هادلي مستشار الأمن القومي الأمريكي. والثاني جون نيغرو بونتي مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية أو منسق الأنشطة بين أجهزتها. والثالث، خافير سولانا رجل المهمات الأوروبية ذات النكهة الأمريكية، منسق السياسات الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي. أما الرابع، فتيري رود لارسن مبعوث الأمم المتحدة إلى المنطقة، أو الصدى الأممي للتوجهات الغربية الإسرائيلية فيها عموماً.

...ستيفن هادلي قيل أنه ناقش فيما ناقش في زيارته البغدادية خيارات أمريكية خطيرة ثلاثة، هي زيادة عديد قوات الاحتلال، ومنح العراقيين مزيداً من "الحكم الذاتي الثلاثي"، بمعنى المضي قدماً في مخطط التهيئة لتقسيم العراق، جنوباً وشمالاً ووسطاً، وتقاسم عائدات النفط بين هذه الكيانات المفتعلة الثلاث!

...نيغرو بونتي الذي اختير لحقبة معينة سابقاً سفيراً في بغداد المحتلة، أو مشرفاً ميدانياً على مكائد الاحتلال هناك، والذي عرف تاريخياً، وقبل أن يصبح مندوباً لبلاده في الأمم المتحدة، برجل المهمات السوداء في أمريكا الوسطى، حل بدوره ضيفاً على مقابله الإسرائيلي رئيس الموساد مئير داغان، والتقى رئيس الوزراء أولمرت وسواه من المسؤولين المعنيين، وذلك يأتي، ووفق المصادر الإعلامية الإسرائيلية، في سياق المساعي "لتحريك الوضع الإقليمي"!!!

...سولانا، سبق الاثنين فجال في المنطقة من القاهرة حتى بيروت، مروراً بتل أبيب ورام الله، قال الكثير والتقى العديد من المسؤولين بمن فيهم داعية الترانسفير المعروف نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير التهديدات الاستراتيجية أفيغدور ليبرمان، مقترح انتهاج الحل الشيشاني الروسي لمعضلة مقاومة الاحتلال في غزة. وتجاهل عبر جولته الإلتقاء باثنين، هما، رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس وزراء سلطة الحكم الذاتي الإداري تحت الاحتلال في الضفة وغزة. هذا علناً، أما سراً، فالتقى يرافقه مبعوث الإتحاد الأوروبي للشرق الأوسط، مارك أوت، وفقما سُرّب عبر الإعلام الإسرائيلي، قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الثلاث، الموساد، والشاباك، وأمان، أو على التوالي، مائير داغان، ويوفال ديسكين، وعاموس يدلين...

والمعروف أن رجل الديبلوماسية والأمن الأول في القارة العجوز قد زار خلال الحرب العدوانية الأخيرة على لبنان مضيفيه الإسرائيليين فقط ثلاث مرات، وبأنه يتلقى تقارير هذه الأجهزة الثلاث، ويتابع الملف الفلسطيني تحديداً عبر تقارير الشاباك... من بين ما سرّب عن ما تم بحثه في لقائه مع قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية هذه المرة، كان الملف النووي الإيراني، في خطوة مضافة وصفتها صحيفة "معاريف"، بأنها كانت "ارتقاءً في التعاون والحوار بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي" بشأن هذا الموضوع.

...أما تيري رود لارسن، فقد تناغم قي تصريحاته مع ما يعد للبنان، والذي لا يمكن فصله بحال من الأحوال عن ما تهدف إليه المهمات الثلاث لكل من هادلي ونيغرو بونتي وسولانا، وما يدور في فلسطين والعراق وحتى أفغانستان مروراً بالملف النووي الإيراني... مهّد لحكاية توسيع مهمة "اليونفيل" أو بالأحرى تعزيز دور قوات (الأمميين الأطلسيين) في لبنان، واستطراداً، كان هذا منه في ظل الحديث عن مشروع قرار أممي أمريكي فرنسي بلمسات بريطانية كجاري العادة لوضع لبنان تحت طائلة هراوة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة..

أطلق تيري رود لارسن، أو بالأحرى كرر، اتهاماته أو مزاعمه حول تدفق تهريب السلاح إلى المقاومة اللبنانية عبر الحدود السورية!
وإذا كان لا يمكن فصل ما يدور في فلسطين حيث تحصد راهناً مذبحة "سحب الخريف" الإسرائيلية أرواح الفلسطينيين وتدمر الآلة الحربية بلدة بين حانون بيتاً إثر بيت. والعراق حيث يقول تقرير القيادة المركزية الأمريكية أنه يغرق في الفوضى، وما يعد للبنان، ولا بين مهمات الرجال الثلاث وتناغم الرابع معهم، فيجدر التوقف أمام ما تقوله صحيفة "يديعوت احرونوت" الإسرائلية، من أن "الإدارة الأمريكية ستخرج قبل نهاية العام الحالي بمبادرة سياسية بعيدة المدى لتغيير الوضع القائم في الشرق الأوسط وفي مركزها خطة لانسحاب تدريجي من العراق"... هنا نأتي لمهمة هادلي المستبقة لتوصيات لجنة بيكر، والتي تأتي على هامش التحضير ليوم الحساب الانتخابي الأمريكي القادم مع يوم الانتخابات التشريعية النصفية الأمريكية المقترب حلولها بعد أيام قليلة... نحن هنا أمام هموم الورطة الأمريكية في العراق وتلمس سبل الخروج منها، والتوفيق بين هذا الهدف الملحّ وصعوبة الحفاظ على استهدافات المشروع الأمريكي المتعثر في بلاد الرافدين، أو بلغة أخرى رحيل الاحتلال شكلاً مع ضمان نوع من بقائه واقعاً!

هذا الانسحاب التدريجي، أو موضوعياً، بوادر الهزيمة الأمريكية على المدى الأبعد، ظلت دائماً مصدراً للهاجس الإسرائيلي منذ بدء الغزو للعراق، إذ ربما لا أحد يتابع ما يجري في العراق بل حتى يشارك الأمريكان بدرجة ما باطنياً، على الأقل، فيه، وكذا يحرِّض ويحرص على إنجاح المشروع الأمريكي وإدامته في العراق، أكثر من إسرائيل...

"يدعوت احرونوت" تقول: "هذا الانسحاب ستكون له انعكاسات كبيرة للغاية على أمن إسرائيل". أما زميلتها "هآرتس" فنقلت عن مسؤولٍ كبير قوله: "إنني متخوف جداً مما سيحدث، ذلك أن الانسحاب الأمريكي من العراق سيكون له تأثير خطير جداً علينا"... هذه الهواجس وتلك الورطة التقت فيهما مهمة هادلي مع زميله نيغرو بونتي على التوالي في كل من بغداد وتل أبيب ثم انتقال الأخير إلى بغداد...

مهمة سولانا كانت بالتوازي أوعلى وقع توقيع اتفاقيتين بين حلف الناتو وإسرائيل، إحداهما دعيت ب"برنامج التعاون الفردي"، الذي يشمل 27 مجالاً من مجالات التعاون، منها: تبادل المعلومات الاستخباراتية، وإدارة الأزمات، وكيفية الرد على ما يسمى الإرهاب، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، والمناورات العسكرية المشتركة. والثانية، ما يطلق عليها "عملية المجهود الفعال" الأمريكية المنشأ والبوشية النكهة، والتي تقضي بالتعاون في مجال تعميم القرصنة الدولية، بمعنى التكاتف في ملاحقة السفن الموصوفة بغير الصديقة في البحار والمحيطات لتفتيشها بحثاً عن ما يسمونهم الإرهابيين وأسلحة الدمار الشامل... وحيث نقلت صحيفة "معاريف" ما مفاده أن بوش في لقائه مع شيراك أجاب على تساؤل للأخير حول احتمال شن هجوم عسكري إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية بالتالي: "نحن لا يمكننا أن نستبعد ذلك تماماً، وفي حال تفذت إسرائيل الهجوم فأنا أتفهم ذلك"!!!

...وحيث يتوسع الدور الأطلسي كونياً إذ وصلت هراوته حتى الآن إلى أفغانستان وتموهت أو تدثّرت بدرجة أو أخرى في عبائة "اليونيفيل" في لبنان الذي عرج سولانا على عاصمته في رحلته هذه، نأتي إلى تصريحات تيري رود لارسن... والتوقف بالتوازي معها، أمام ما قاله متحدث باسم وزارة الدفاع الفرنسية، ونقتطف منه ما يلي:

"أنه ينبغي من أجل تقرير عملية الاستقرار في لبنان، إحراز تقدم بشأن قواعد متعلقة بإدارة المجال الجوي اللبناني"!
هذا الكلام الفرنسي سبق الحديث الإسرائيلي المسرّب عن مشروع القرار الأممي المشار إليه الذي يرمي إلى وضع لبنان تحت طائلة البند السابع إياه، أو توسيع مهمة قوات اليونيفيل وتطويرها وكذا تطوير آليات التنسيق الاسرائيلي معها، وفق المطلوب اسرائيلياً. وهو كلام يسوق لهدف جلي هو الإيهام بأن ذلك إنما ليس إلا توخياً لإقناع إسرائيل بالتوقف عن خروقاتها الجوية للبنان، وانتهاكها المتكرر لسائر بنود القرار 1701!
هل يمكن فصل هذا التوسيع المنشود عن الطلعات الجوية الإسرائيلية المكثفة التي تصول وتجول في طول لبنان وعرضه، لا سيما التي كانت إبان بث المقابلة التلفزيونية مع السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله، كرد عليها وفقما قالت بعض المصادر الإسرائيلية، والتي كانت قمتها شن غارات وهمية على الضاحية الجنوبية تحديداً في بيروت؟!!

ونستطرد، فنذكر التحليق من فوق مقر قيادة "اليونيفل" ذاتها في الناقورة، والرسائل الجوية المشاكسة للأسطول الألماني على الشواطئ اللبنانية، والتي لم تأت سفنه، كما أكدت المستشارة الألمانية في تصريحها الشهير، إلا لحماية إسرائيل!

إذن، المطلوب هو توسيع مهمة "اليونيفل"، أيضاً مع التهديد الابتزازي للبنانيين بأن عديدها قد لا يصل إلى 2000 جندي، لذا يأتي دور الإفادة من الرسائل الجوية الإسرائيلية متعددة المرامي، وتناغم لارسن معها في مزاعمه حول تهريب الأسلحة عبر الحدود... المطلوب إذن الوصول إلى ما أراده بيرز عندما قال في لندن:

الطائرات الحربية الإسرائيلية "ستتوقف عن التحليق فوق لبنان فقط عندما يتم نزع سلاح حزب الله، وتتسلم إسرائيل خرائطه"!
هل يمكن فصل هذا عن بيان البيت الأبيض الذي يرد فيه على مقابلة نصر الله؟!!

هذا البيان الذي أقل ما يقال فيه أنه محاولة لنسف فكرة دعوة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري للقاء تشاوري بهدف إصلاح ذات البين، أو قطعاً أمريكياً للطريق أمام مطالبة المعارضة بتشكيل حكومة وحدة وطنية كحل تسووي للأزمة السياسية هناك، تلك الحكومة المطلب التي يرى الأمريكان أن مجرد التظاهر من أجل تحقيقه يعد انتهاكاً لبنانياً للسيادة اللبنانية واعتداءً غاشماً من المعارضة على القرارات الدولية!!!
ولمنع مثل هذا الضرب من التحدي اللبناني للمشيئة الأمريكية، الذي يبدو أن واشنطن ترى فيه مظهراً من مظاهر هزيمة المشروع الأمريكي في لبنان، ربما كان ما جاء في المصادر الإعلامية اللبنانية حول تهديد السفير الأمريكي في لبنان جيفري فيلتمان للعماد ميشيل عون عبر تحذيره للأخير مما قد تجرّه مواقفه على مستقبله السياسي!!!
ستيفن هادلي، وجون نيغروبونتي ومعهم خفير سولانا، وصداهم تيري رود لارسن، جاءوا في سياق مهمة واحدة، وتحدوهم أيضاً هموم واحدة، هي:

غرق المايسترو الأمريكي أو القوة الأعظم الملتاثة إمبراطورياً في مستنقع الورطة العراقية بالتوازي مع الورطة الأفغانية، والإحساس بالأضرار الاستراتيجية التي لحقت بها جراء ما يمكن وصفه بفشل المراهنات الغربية إجمالاً على مردود حروب اسرائيل الدائمة في لبنان وفلسطين جراء صمود الدم اللبناني والفلسطيني في وجه أعتى قوة إقليمية ترتكب دون رادع أو وازع أشد أصناف القهر وحشية قد عرفتها البشرية. إلى جانب الفشل المدوي في معالجة الملف النووي الكوري، وكذا وقف التحدي الإيراني المتزايد في هذا المجال... وصولاً إلى تعثر بدعة الحرب الكونية على ما يسمى الإرهاب... وإلى أن نأتي إلى قلق الإدارة الأمريكية من يوم الحساب الإنتخابي الأمريكي الذي يدق أبوابها... كانوا ثلاثة رجال ورابعهم والمهمة تظل واحدة!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018