الانتخابات الأميركية: خبران../ حسام عيتاني

خبران، واحد جيد وآخر سيئ، يرسمان الاطار العام للانتخابات النصفية الاميركية التي تجري اليوم. لن تحمل الانتخابات تغييراً حاسماً الى السياسة الخارجية الاميركية لكنها ستشكل سبراً لإمكانات تغييرها في المستقبل المنظور.

الخبر الجيد هو أن الرئيس جورج بوش يتجه الى خسارة الاكثرية المريحة في مجلسي الكونغرس والتي انساقت وراءه منذ هجمات 11 ايلول 2001 من دون نقاش جدي، ما أورد الولايات المتحدة وأنحاء كثيرة من العالم، خصوصا منطقتنا، موارد التهلكة وجعلها تدفع أثمانا باهظة لسياسات قصيرة النظر. يصح التوصيف ذاته بالنسبة الى الداخل الأميركي. لقد كانت رئاسة بوش من أسوأ الفترات في مجالات كانت تعتبر أنها شهدت إنجازات في العقود القليلة الماضية، بدءا من هجوم الشركات الكبرى (التي يسيطر الجمهوريون على مجالس إدارتها) على ما تبقى من المحميات الطبيعية للحصول على حقوق التنقيب عن النفط فيها، الى التدهور الكبير في السجل البيئي والمعاجلة الكارثية التي أحاطت الادارات الاتحادية بها، إعصار كاترينا قبل عام ونيف والذي لم تنته آثاره بعد. أضف الى ذلك، التضييق على الحريات العامة واللجوء الدائم الى الاتهامات بالتخوين (العرب ليسوا وحدهم في هذه النعمة!) والتواطؤ مع الارهابيين الى كل من يشكك في صواب سياسات إدارة بوش، حتى بتفاصيلها الصغيرة. وانتشر في فترة الرئاسة المذكورة نوع من الفساد المقونن (إذا جاز التعبير) يقوم على توزيع العقود المجزية على المحسوبين على الرئيس وخصوصا في الخارج. فشركة <بكتل> لم تجد غضاضة من الانسحاب من العراق، متذرعة بالاسباب الامنية ومقتل العشرات من موظفيها هناك، بعدما حصلت على 1.03 مليار دولار مقابل مشاريع سيئة التنفيذ والصيانة ومعرضة للانهيار في كل لحظة، على غرار مشروع أكاديمية الشرطة العراقية.

ووفق ما يسود الاعتقاد وما تشير اليه استطلاعات الرأي، فإن الديموقراطيين سيتولون السيطرة على عدد من اللجان الحيوية في الكونغرس المقبل مثل لجنة المخصصات التي سيعمل الديموقراطيون، في حال تولوا رئاستها، على تنغيص حياة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد عند كل طلب يتقدم به.

غني عن البيان أن الجمهوريين سيخوضون معركة ضارية للتمسك بكل ما نالوه من مكاسب أثناء عهدي بوش، ما يقود الى الخبر السيئ. يمتلك الرئيس الاميركي حق الاعتراض على كل قانون يصدر عن الكونغرس. بل ان مستشاري بوش القانونيين اكتشفوا ثغرة في الممارسة القانونية في الولايات المتحدة تسمح للرئيس بتعطيل كل قانون لا يوافق عليه.

وعلى الرغم من أن الحق هذا قد أسند الى الرئيس في ظروف تاريخية سابقة ودقيقة وأن الاكثرية من الرؤساء السابقين لم تلجأ إليه إلا في ظروف في غاية الخصوصية، إلا أن بوش بالغ باللجوء اليه الى الحد الذي بات ميزة من ميزات قيامه بدوره الدستوري وخلاصته إلحاق الرئيس للقانون بما يسمى <بيان التوقيع> والذي يتضمن تفسير الرئيس الخاص لمضمون القانون. ويعمد بوش الى إلحاق البيان هذا بنص القانون المنشور في <السجل الاتحادي> <فيدرال ريجستر> المعادل للجريدة الرسمية في بلادنا بما يكسبه قوة تنفيذية معادلة للقانون ذاته. (تفاصيل هذه الممارسة والالتفاف على الدستور والقوانين الاميركية موجودة في مقالة اليزابيث درو <انتزاع السلطة> المنشورة في عدد 22 حزيران الماضي من مجلة <نيويورك ريفيو اوف بوكس> حيث تقول ان بوش جعل السلطة التنفيذية أقل قابلية للمساءلة من أي فترة سابقة في التاريخ الاميركي الحديث).

إذاً، حقبة بوش ليست على وشك الأفول لكنها باتت في الطريق اليه، اذا أراد المرء إبداء التفاؤل. وقد يقول قائل ان بوش وإدارتيه قد أطلقوا، أو سرعوا في أقل تعديل، دينامية عالمية من الصراعات الممتدة من كوريا الشمالية الى الداخل الاميركي بحيث يستحيل على أي إدارة مقبلة تتولى الحكم في كانون الثاني من العام 2009 ان توقفها من دون أن تجعل العالم بأسره يمر بمخاض معاكس قد لا يكون أقل دموية من ذاك الذي أجبر بوش وأصحابه، العالم على معايشته.

يكفي للتدليل على ذلك رصد المناخ الذي أشاعته الادارة الاميركية في الموضوع الفلسطيني. صحيح ان الانتفاضة كانت قد اندلعت في عهد بيل كلينتون وان هذا الاخير حمل مسؤولية فشل مفاوضات كامب ديفيد الى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، من دون وجه حق وفق ما أظهرت العديد من الشهادات اللاحقة، إلا ان الصحيح ايضا ان جولة من المفاوضات أطلقت بعد ذلك في طابا وكانت تبشر بإمكان تحقيق شيء ما، لو توافرت لها حاضنة دولية معنية بالتوصل الى تسوية سلمية في المنطقة. بداهة ان التشخيص المذكور مبتسر الى حد ما، لكن بداهة ثانية تقول ان جورج بوش سار في الطريق المعاكس تماما لهذه الوجهة. فوصلنا الى الحالة الراهنة.

ويتعين إبداء تحفظ كبير هنا على كل الآراء الداعية الى المراهنة على تغيير جذري للسياسات الاميركية في المنطقة والعالم، يكون الديموقراطيون أبطاله. هؤلاء ليسوا في هذا الوارد. فالاغلب الأعم ان التقدم الذي سيحرزونه اليوم لن يأتي إلا بسبب الضيق العام من حماقات بوش المتتالية، في الداخل والخارج، من دون أن يعني ذلك ان الديموقراطيين يملكون برنامجا جديا مقابلا، ناهيك عن ان علاقاتهم التقليدية بإسرائيل تحتاج الى مراقبة دقيقة بعد الانزياح الاسرائيلي نحو اليمين وتحالف حكومات تل أبيب مع اليمين الديني الاميركي.

فالحزب الديموقراطي لم يبرأ بعد من الامراض التي أصابته منذ عقود. وحالة الانتعاش الراهنة قد لا يمكن التأسيس عليها من أجل الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018