نساء بيت حانون../ رشاد أبو شاور

وأنتن تندفعن تحت الرصاص ودوي الطائرات، وهدير الدبابات، وسط الموت، بكامل أمومتكن، وأخوتكّن، وبنوتكن...
وأنتن تحملن من تسقط منكن في الميدان، مدرجات بدم أخواتكن، وجاراتكن، وبناتكن...
وأنتن تصحن بحناجر الغضب: أين أنتم يا عرب؟ أينك أيها العالم لترى وتسمع؟!.
لا أجابكنّ العرب الذين تنادين، ولا حدّق العالم متمعناً المشهد، محدداً البصر في وجه القاتل، لاعناً ما تقترف يداه، متبرّئاً مّما يفعل.

عقود خلت والنداء يتردد ولا من مجيب سوى الصدى: أين أنتم يا عرب؟ ولا عرب، فالعرب الذين تنادين ليس فيهم من العروبة دم، ولا نبض عروق، ولا انتماء، ولا شهامة فرسان.

من ربط مصيره بالكرسي، ارتضى أن يكون ولي نعمته ( السفير) الأمريكي، وبركات البيت الأبيض عنده فوق بركات الله والشعب.. لا رجاء من هذا الصنف من ( الرجال)، ولذا تتبدّد نداءاتكن الغاضبة في الفراغ، ولا تلامس صرخاتكن ( نخوة المعتصم) !

منذ دير ياسين، وقبيّة، ونحالين، وخان يونس، والدوايمة، وكفر قاسم، وصبرا وشاتيلا، والجراح الفلسطينيّة، والأشلاء، وجثث الضحايا تتراكم فوق بعضها في الشوارع، وحليب صدوركن ينادي، ولا مجيب، فأنتن تنادين موتى النخوة والشعور، وهيهات أن يتحرك عرق في أموات تحسبنهم أحياء، ( حكّام ) هم خشب مسندة.

هؤلاء الذين تنادين لو اقتحم العدو قصورهم _ وهو يحتلها سرّاً وعلناً _ واقتاد أفراد أسرهم أمامهم لذبحهم،لما تزحزحوا عن كراسيهم، فراحة مؤخراتهم فوق كل اعتبار، ولذا لا ينمو فيهم عقل أو ضمير مع إدمان حالة الدعة والكسل العقلي والروحي.

لا جيوش تلبّي نداءاتكن، يتساءل جنرالاتها عن معنى أرتال الدبابات المخزونة، أو المستعرضة في ( الأعياد الوطنيّة)، والطائرات التي تمزّق هدوء السماء وتقوم بحركات بهلوانيّة تذكّرنا براقصات هّز البطن العربيّات... أين الطائرات التي تحمي السماء، وتنقّض كالعقبان والصقور والنسور على فرائسها التي تجرؤ على الاقتراب من سمائها.

لقد ولّى الزمن الذي دوّى فيه النشيد:
دع سمائي فسمائي محرقة
راحت لحظات العزّة، وها نحن في زمن حكّام الطوائف، وما بعد بعد الطوائف...
نحن في زمن يا سيداتي يعاقب فيه الرجل على رجولته، والمرأة على جسارتها، والطفل على جدعنته وقفزه على ظهر دبابة الميركافا بالحجارة وبالقمامة، محدّقاً في عيون الكاميرات، مطلقاً من عينيه الذكيتين رسائل لمن تنادينهم بـ(العرب )، وللعالم، للرأي العام العالمي، لما يسمّى بالشرعية الدولية: أن انظر، وتحرّك وانطق بكلمة الحّق أيها الجبان...

أنتن تتساءلن، وأحسب أنكن تدّن بلا رجاء ما تسمينه بالعالم: وين العالم ييجي يشوف !
وبخبرات أمهاتكن، وجدّاتكن من قبل، وما تعشن من مرارة تجربة، فأنتن تصدرن حكماً على ضمير هذا العالم الغائب، النائم، المنوّم، اللاهي، المبتّز، الخائف، المنافق...

أنتن تعرفن أن العلّة ليست في العالم، ولكنها قبل كل شيء فينا نحن العرب، فالاستهتار بنا سببه من يحكمون شعوبنا، وينهبون بلداننا، يذلوننا، يمتهنون آدميتنا، يحولون بلادنا إلى ( عزب ) يورثها آباء استمرأوا الكراسي لأبناء يعدّون أقفيتهم للبروك على كراسي الفساد، فلا يزحزهم عنها سوى الموت حتى وإن خرفوا، فتنسحب مؤخرة مترهّلة لتحّل مكانها مؤخّرة شبقة للكرسي، فلا تشبع من الجلوس والرحرحة، ولا تزحزحها صناديق اقتراع، أو صيحات غضب عاتية، أو استغاثات نسوة فلسطينيات...

تنادين من يا نساء فلسطين الشجاعات الصبورات، يا من انقضضتن تحت الموت، وأنقذتن المحاصرين في بيت الله، وافتديتن فلذات الأكباد البواسل.
في زمن ضمرت فيه الرجولة، وهانت فيه الكرامة، وابتذلت الوطنيّة بحيث باتت شعارات محليّة معادية لفلسطين، والعروبة، والمقاومة في العراق ولبنان، لم يعد ممكناً أن تبقين في البيوت منتظرات أخبار المذبحة، ولذا اقتحمتنّ الشارع...

تحكي الأحزاب السياسيّة العربيّة إسلاميّة وقوميّة ويساريّة عن ( الشارع)، فأين هو الشارع الذي تحرّكه، تقوده، تتقدّم قياداتها صفوفه، رافعة شعارات الانحياز لفلسطين وشعبها، مهيمنةً عليه بقوّة الجماهير حتى تسقط الاتفاقات مع العدو الصهيوني، فارضةً قرارات ومواقف على حكوماتها، كاسرةً لحصار التجويع المميت الهادف لدفع الفلسطينيين لليأس وهجرة أرضهم، لتتلقفهم ( كندا) العريقة بمشاريع التهجير والتوطين!
لم يعد مقبولاً أن تتحجج الأحزاب العربيّة، وفي مقدمتها الإسلاميّة بثقلها وقدراتها، بأن السلطات لا تسمح لها بالتظاهر والتعبير عن رأيها...

في بنغلادش، في تركيا، في الباكستان، تتظاهر الأحزاب مع فلسطين، وفي وجه حكوماتها، لا بالسلاح، ولكن بالزحف في الشوارع، محددة معسكر الأعداء وفي المقدمة أمريكا بوش، وقادتها في المقدمة رجال دين ومجتمع مدني.

كيف تندفع نساء فلسطين متحديات بأجسادهن، بأقدامهن الحافية، ترسانة العدو الحربيّة، ويسقط منهن شهيدات، وجريحات، وينقذن الأبطال المحاصرين في المسجد، بطرق وأساليب مبتكرة، أفشلت خطّة قوّات العدو في قتل وأسر أكثر من ستين شاباً محاصراً، بينما أنتم تنتظرون الإذن لكم للسماح بتظاهرات ومسيرات واعتصامات مريحة استعراضية غير مثمرة، هي في حقيقة الأمر رفع عتب، وتبرئة ضمير؟!

أمهاتنا، أخواتنا، يضفن لدورهن في رعاية وحماية الأسرة الفلسطينيّة، وتماسك المجتمع الفلسطيني، وتنشئة الأطفال والطفلات اليتامى على عزّة النفوس، وحب فلسطين، وكراهية الظلم، والتعلّق بالتعلّم، وتعويد قبضاتهم على مسك الأقلام لكتابة الدروس، والحجارة لرشق الدبابات وجنود الاحتلال، يضفن مأثرة جديدة، نعرفها، ولكنها كانت خافية على غيرنا، فهنّ وريثات نسوة حملن الزاد والذخيرة والبنادق للمجاهدين في مغاورهم، على قمم الجبال.

نسوة بسيطات، أما رأيتوهن؟ نسوة لا تشغلهن الكاميرات كالقادة الجوف، قادة كاميرات الفضائيات، تقول واحدتهن كلمات قليلة ثمّ تستأنف ركضها وهي في حالة هجوم مع جيش الأمهات لفّك الحصار، والصراخ في وجه عالم أعمى، وقوّة غاشمة زرعها غرب استعماري في وطننا، وسلّحها بكّل ما يكفل إبادتنا، وغطّى جرائمها بشعارات الديمقراطيّة، وتعويضها بمليارات عن مذابح هو من اقترفها ويدفّعنا ثمنها، وبهذا تكون جريمته مزدوجة، ومع ذلك يدعونا لعدم التطرّف، ويرمينا بتهمة الإرهاب إن أعلنا حّبنا لوطننا، وإن تعلّقت نفوسنا بالحريّة، وتشبثنا بالعودة للعيش الكريم على ثرى أسلافنا!

أمهاتنا، أخواتنا: أنتنّ تغيّرن مفهوم الرجولة والأنوثة، وتضفن زهواً للمرأة العربيّة، وللرجل العربي...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018