حين تتحول النسوية الى جدار عزل وفصل../ عرين هواري*

قامت عدة تنظيمات نسوية واجتماعية بحملة "نسوية"!! جماهيرية كبيرة تحت عنوان "رئيسة لدولة إسرائيل"، وقد نشروا بهذا الخصوص عريضة موقعة من عدة شخصيات جماهيرية وسياسية في إسرائيل، بضمنهم وزيرة التربية في حكومة اولمرط وليبرمان، يولي تمير، كما وقع عليها شخصيات عربية. يتضح من نص العريضة أن هذه الحملة تهدف إلى "خلق خطاب جماهيري حول مسألة انتخاب امرأة لرئاسة الدولة"، و" رفع الوعي الجماهيري للموضوع"، و"تمهيد الطريق من أجل إنجاح انتخاب امرأة في إسرائيل لأرفع منصب في إسرائيل".

المساواة هي موضوع هذه الحملة التي يلتقي تحت لوائها العديد من الشخصيات الجماهيرية والتنظيمات الحقوقية والنسوية في إسرائيل. إن هذه المساواة الشكلية، والمتناقضة كليا مع المساواة الجوهرية، تقض مضاجع العديد من الأطر والتنظيمات النسوية والحقوقية في إسرائيل. مساواة تعلو فوق كل القيم الأخرى ولا سيما فوق قيمة الإنسان.

معظم التنظيمات المشاركة تمثل قضايا عادلة، فمنها من يدعو لرفع مكانة المرأة أو من يناضل لمكافحة الاعتداءات الجنسية ومنها من يحارب الهيمنة الاشكنازية في الدولة، أو من يدعو للدفاع عن حقوق المثليين والمثليات، ومنها الذي يناضل من أجل السلام ووقف الحرب والاحتلال. لكنها كلها ومع الأسف تحارب من أجل الحفاظ على الرمز التمثيلي للدولة. في سياق دولة إسرائيل يصبح مطلب "رئيسة للدولة" بمثابة صراع على حق التمثيل وليس على حق المساواة. أي الحق برموز الدولة دون المساس بجوهرها وهو حق تعتبر المطالبة به تماهيا مع الدولة.

يدعي المبادرون لهذه الحملة وموقعو العريضة أنهم يريدون امرأة في منصب الرئيس من اجل: "أن تمثلنا وتمثل كافة قطاعات المجتمع باحترام" و"تقود سلطة عادلة، ديمقراطية وإنسانية من اجلنا جميعا".

نحن نعرف أن "النا" في كلمتي تمثلنا و"من أجلنا" بالتعريف لا تعود على العرب، فهي دولة اليهود أصلا وفي أفضل حالاتها لا تمثل العرب، فهي ودون أن تكون قد قامت على أنقاض شعبنا وعلى تهجير معظم أبنائه وبناته، ودون أن تكون محتلة ودون أن تمارس القتل والعنف ودون أن تقوم بالمجازر، فهي أصلا تعرف نفسها من خلال إقصائنا. في الدولة اليهودية من الطبيعي أن يكون رئيسها رمزا للمواطنين اليهود في إسرائيل، بل وليهود العالم أيضا بالتعريف. إذن فهم عندما يتحدثون عن كافة قطاعات المجتمع يقصدون المجتمع اليهودي. وألا فليسعوا إلى تغيير طابع الدولة بدل أن ينصبوا امرأة رمزا لها.

يقولون أيضا في عريضتهم أنهم يريدون امرأة لكي تقلب مقر الرئيس لبيت آمن، ( لاحظوا للكلمة مدلول حميمي!!!) إذ أن كل التنظيمات المشاركة ولا سيما النسوية منها تناهض اغتصاب النساء، والاعتداء عليهن جنسيا او نفسيا او كلاميا، يحاربن أيضا مجرد التحرش في النساء وهذه حرب عادلة، كل هذه التنظيمات اشمأزت وبحق من مجرد وجود رئيس للدولة متهم بالتحرش الجنسي والاغتصاب، ولكنهم يطالبون بوجود أمراه لتحول هذا البيت إلى بيت آمن!! ولكن كيف؟؟!! .

كيف يكون هذا البيت آمنا بوجود امرأة، طالما هي مجرد رمز للدولة ولسياساتها، وتنتخب داخل برلمانها، الصهيوني بغالبيته العظمى. فانتخاب رئيس الدولة بإسرائيل هو انعكاس لعلاقات القوة داخل البرلمان أي من ضمن موافقة الائتلاف الحكومي، والذي يزخر بالمتطرفين. ستكون بأفضل الحالات من حزب العمل الصهيوني الذي يتبوأ رئيسه وزارة الدفاع. كيف يكون بيت رئيس الدولة آمنا وحكوماتها تمارس كل أنواع القمع والقتل والتشريد وهدم البيوت على أصحابها الأحياء. هل اقشعرت أبدانكم من فكرة اغتصاب نساء في مسكن الرئيس وتريدونه بيتا آمنا لنا جميعا، فماذا عن اغتصاب حياة البشر، الذي تقوم به الدولة التي تناضلون ليكون رمزها امرأة، ماذا عن اغتصاب الأمان من أسِرّة الأطفال الفلسطينيين الذي تقوم به حكومة الدولة، ماذا عن اغتصاب حق الشعوب في تقرير مصائرها، ماذا عن اغتصاب عشرات آلاف الدونمات من أصحابها الفقراء والفلاحين، ماذا عن اغتصاب الحق في التنقل من النساء الفلسطينيات الحوامل اللواتي يفقدن أطفالهن أو يستشهدن على حواجز دولتكم الأبية، ماذا عن اغتصاب الحيز والمكان وحبس البشر داخل غيتوات جدار دولتكم، ماذا عن عدم اعتراف الدولة لا بالغبن التاريخي ولا بالغبن الحالي الذي أحلته وتحلّه بالشعب العربي الفلسطيني؟ وحتى بتوجهكم فانتم لا تعلنون موقفا مجازيا او رمزيا لبناء دولة أفضل، فأنتم تتوجهون لهذا البرلمان الحالي وتقولون له "نحن الموقعين أدناه نتوجه لأعضاء وعضوات الكنيست لانتخاب امرأة للرئاسة".

أن اتهام رئيس هذه الدولة بالتحرش بالنساء وبالاغتصاب، ينسجم مع اغتصاب حكومات هذه الدولة لحرية الشعوب ولحقهم في الحياة الكريمة، واتهام رئيس هذه الدولة بالاغتصاب، يؤكد مثلنا الشعبي القائل "هيك مزبطة بدها هيك ختم".

رئيس الدولة هو رمز لها، هو رمز لصورتها أمام العالم، هو رمز لسياساتها وتطلعاتها، وهو رمز لمواطنيها. فدولة قامت على أنقاض شعب، وتعرف نفسها عن طريق إقصاء السكان الأصليين للبلاد التي قامت عليها، دولة تقوم سياساتها على الاحتلال والقتل، والتمييز والتهويد، لا تستحق إلا رئيسا معتديا مغتصبا، دولة تطلعاتها توسعية واحتلالية، دولة تقوم بمجازر متتالية من دير ياسين إلى كفر قاسم ومن صبرا وشاتيلا إلى جنين ومن قانا إلى بيت حانون، من غير الممكن أن تكون مسالة وجود رئيسة لها قضية نسوية.

إن مشروع وجود نساء في الوزارات الحكومية في إسرائيل مناهض للنسوية، فنحن لا نريد المساواة للنساء بالقمع والقهر، ولكنه على عبثية قولي هذا، قد يهون عن مطلب امرأة في رئاسة الدولة، لان الوزير على خلاف الرئيس شريك في وضع السياسات، بينما الرئيس ليس إلا رمزا كعلم الدولة وشعارها، فلا هو يقود إلى سلطة عادلة ولا حتى إنسانية كما تدعي العريضة.

إن النسوية مشروع يرفع شعار التحرير وشعار العدالة، وليس وجود النساء على رأس دول حكوماتها قمعية ضمانا لأي عدالة، فليست النساء بجوهرها أفضل من الرجال، فلم تكن جولدا مئير اقل سوءا من رؤساء الحكومة السابقين واللاحقين من الرجال، وليست كونداليزا رايس أقل امبريالية من سابقيها من وزراء خارجية الولايات المتحدة. لقد ارتكبت إسرائيل مجزرة بيت حانون وترتكب جرائم قتل يومي في قطاع غزة وفي الضفة الغربية. كما ارتكبت مجازر لبنان بينما تسيبي ليفني وزيرة لخارجية إسرائيل.

المشروع النسوي هو مشروع للتحرير من الظلم وليس مشروعا للمشاركة في الظلم، لا نريد أن تتساوى النساء في ممارسة الظلم. كل وظيفة تمثيلية تعتمد على التماهي مع المؤسسة التي تمثلها، ولا يمكن للنسويات والمدافعين عن حقوق المضطهدين أن يتماهوا مع سياسات ظلامية معادية للإنسانية. تنطوي سياسة الهويات على إشكاليات عديدة، لكن مطلب تعيين رئيسة للدولة تحول هذه السياسة إلى مفارقة عبثية.

على التنظيمات النسوية والاجتماعية أن تعزز النضال ضد عسكرة الدولة والمجتمع، وكذلك النضال ضد مفاهيم الرجولة البطركية التي تقدس الجيش وتجعل قيادة الطيران الحربي رمزا للرجولة في إسرائيل، مما يكرس ثقافة العنف والاعتداء التي أكثر ما تستهدف النساء. عليها أيضا تعزيز النضال ضد الهيمنة الأشكنازية، الذي لن يأتي بالمطالبة برئيس شرقي أو برئيسة شرقية، بل بإعادة بناء الثقافة السائدة في هذه الدولة، وبإعادة الاعتبار لليهود العرب الذين نسف المشروع الصهيوني هويتهم، إن النضال من اجل عدالة يأتي بالمحاربة من أجل وقف الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية ومن اجل إعادة تعريف الدولة وتغيير رموزها وليس عبر المطالبة بشمل النساء بتلك الرموز الإقصائية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018