إنها روح شعب../ رشاد أبوشاور

في أقّل من أسبوعين اجترح الفلسطينيون فعلين جماعيين، ففي بيت حانون انتفضت الأمهات والشقيقات الفلسطينيّات، وأنقذن الأزواج، والأشقاء، والأبناء، من حصار الطائرات، ودبّابات (الميركافا) التي أذلّها مقاتلو حزب الله في جنوب لبنان، فاستدارت هي المنكسرة لتتنمّر على شعب أعزل، لا صواريخ متطورة، ولا راجمات بين أيدي مقاتليه، ولا ملاجئ في أرضه السهليّة المفروشة كالكّف.

وفي ( جباليا)، التي من مخيمها اندلعت شرارة الانتفاضة الكبرى ( المغدورة)، ابتكر الفلسطينيون ردّاً مباغتاً لم يتوقّعه العدو الذي اعتاد أن يتصّل هاتفيّا ًلإبلاغ أسر فلسطينيّة ينتقيها لمعاقبتها بنسف بيوتها، دون أن يترك لأفرادها المجال للالتقاط حتى ملابسهم، أو القليل من فراشهم، وتموينهم.

عدو يتفتّق عقله الإجرامي عن عقاب شرّير تخريبي، يستثمر التكنولوجيا من طائرات استطلاع وتجسس، وهواتف نقّالة، وصواريخ.. لتدمير بيوت متواضعة تؤوي تحتها مواطنين فلسطينيين ذنبهم أنهم يحبّون أرضهم، وينجبون أبناء وبناتاً يتمنّون لهم حياةً أجمل وأهنأ من حياتهم.
أسرة أبونبيل بارود تلقّت إنذاراً بمغادرة منزلها فوراً، فحكم إعدام تلك الجدران صدر من قيادة جيش ملطّخ الأيدي بدم الفلسطينيين، همّه ابتكار أساليب غير مألوفة خّاصة بقتل الفلسطينيين، واقتلاعهم وبيوتهم وزيتونهم وتينهم من أرضهم.

الرّد الفلسطيني المباغت تجلّى في دقائق، فعشرات الرجال والنساء والأطفال صعدوا على سطح المنزل، والتفّوا حوله، فصاروا بيت البيت، وهذا ما لم يتوقّعه عدو اعتاد التنكيل بالمدنيين الفلسطينيين، لنشر الذعر في نفوسهم، وشّل عقولهم عن التفكير، فبهت الذي كفر!

يوم 18 تشرين ثاني 2006، وتدوين التاريخ ضروري لأنه شهد موقعة من مواقع شعب فلسطين، أحبط بها مخططاً استشرى، وحسب المخططون أنه يدفع الفلسطينيين لليأس إذ لا صواريخ مضادة للطائرات لديهم، ولا من منقذ يأتيهم، والحصار حولهم محكم تماما حتى أن حبّة الدواء تراقب جيّداً...
يسهر الفلسطينيون على سطح بيت آل بارود، يتناوبون حمايته، تسويره بأجسادهم، الرجال يضرمون النار ليلاً _ للتذكير فنحن في فصل الشتاء _ يصلّون تحت سماء فلسطين المفتوحة، وهكذا يكونون أقرب إلى الله، أجسادهم تنتصب متحاذية في صّف كالبنيان المرصوص، بجباه عالية شامخة متحديّة، جباه ناس لا يهربون، ولن يهربوا، فالبيت لنا، والأرض لنا، والسماء التي تظلّنا لنا...

في الليل يتمدد الرجال على سطح البيت، وبعد صلاة الفجر، تفد نسوة الحّي، والجارات القريبات والبعيدات، بعد أن يرضعن أطفالهن، ويعددن ما تيسّر من طعام في عام (الرمادة) الفلسطيني، عام الحصار _ للدول العربيّة الشقيقة دور فيه تسعى به للثواب من أمريكا و(إسرائيل ) _ يصلين على سطح المنزل، ويستذكرن شهداء مضوا، وأبناء وأخوة في سجون العدو، ونساءً بعضهن أنجبن في الزنازين، فلا غرابة أن يصببن اللعنات على هكذا سلام.

لشدّة الاكتظاظ على سطح المنزل قال أحد الفلسطينيين: والله أننا نخشى أن يهبط بنا السقف، فالناس يتزاحمون غير هيّابين من التهديدات، ومن دوّي الطائرات..
تلفزيون ( فلسطين) تألّق في نقل وقائع ما يحدث، فتح عيون كاميراته على المشهد، ميكروفونه للمتصلين الفلسطينيين من داخل الوطن ومن الشتات، وهو استحّق الثناء الذي محضه إيّاه أهلنا.

هذه هي الجذوة التي توّارت تحت دخان الخلافات، وهذه هي روح شعبنا الواحدة التي اعتادت أن تجترح معجزات الخروج من المآزق، وإنقاذ قضيتها، رغم أنها غالباً مبتلاة بقصار النظر!
هذه هي روح الانتفاضة الكبرى، وانتفاضة الأقصى، وابتكار أسلحة متواضعة تلطم العدو على وجهه فتزعجه وتوتّره وتفقده أعصابه...

شعبنا يستخدم في معركته كّل أشكال النضال، فإنقاذ المحاصرين، وحماية المنازل جماهيريّاً، وقصف سديروت وغيرها، بحيث يعرف أولئك الناس أنه ليس لهم الحّق في النوم هانئين بينما تنسف البيوت على رؤوس الفلسطينيين، ويغتال شبابهم، ويذبح أطفالهم، وأن الصواريخ البدائية تزعج، تخرمش، تقلق و..تدفعهم للرحيل عن سديروت بالألوف، وهذا ما يدفع وزير دفاعهم إلى الدعوة لتحصين 8000 منزل تقع في مرمى الصواريخ الفلسطينيّة المتواضعة!

منجم مقاومة شعبنا هي روحه الأصلب والأنقى من الألماس، روحه التي لا تقهر، والتي تبتكر وتجترح المعجزات...
بأجسادهم يحيّد الفلسطينيّون سلاح الجو ( الإسرائيلي).. فلا داعي لأن يشعر بالحرج قادة وحدات الصواريخ المضادة في جيوش العرب!

البيوت الفلسطينيّة كلّها مخازن أسلحة، فالنساء مخازن ولادة، والرجال مخازن أبوّة وبنوّة، والأطفال والطفلات مشاريع أسر ستتكاثر على الأرض الفلسطينيّة، وأجمل خصائص هذه الأسلحة البشريّة أنها تحّب بيوتها لأنها موئل الأسرة، ومخزن العواطف الإنسانيّة النبيلة، ولأن البيوت تشبه أشجار التين والزيتون فلها جذور وأوراق وظلال وارفة، ولها جيرة، وأقارب...

إن بيوت الفلسطينيين تشبههم فهي من حجارة أرضنا وطينها وأخشاب أشجارنا. إنها تسكننا ونسكنها، فهي من أفراد الأسرة، وهي تشارك الأب والأم في الخصائص والسمات، ومنها يرضع الفلسطينيون الصغار انتماءهم، وهي تذكّرهم ببيوت عمرها أسلافهم وستبقى تنتظرهم على سطح أرضهم، أو مطمورة في ثراها.

في بيت حانون، وجباليا، تتحقّق الوحدة الوطنيّة، ويستعيد شعب فلسطين المبادرة، غير معني بتوزيع مقاعد الوزارة!
بصواريخه البسيطة التي تحسّن فعلها يقول للعدو: لن نوقف القصف حتى تكّفوا عن قصفنا، وقتلنا، واختراق مدننا، والدفع بالمستعربين السفلة لاغتيال أبنائنا...
بالأجساد يقول شعبنا: هنا باقون ولن نرحل...

ولأن شعبنا لا يستجدي، ولا ينتظر من السماسرة خيراً فقد دوّت صيحة المذيع الفلسطيني في وجه أحد المواطنين المعتصمين، الذي بدأ جملته ب( نناشد): لا تناشد أحداً، فما نفعله لا يفعله حاكم عربي، أو شعب..
تمنيّت لو أنني هناك في قطاع غزّة، لأتوجه إلى بيت ( بارود) فاصعد على سطحه لترتفع قامتي وعنقي، وأتلو ما تحفظ ذاكرتي من قصائد عبد الرحيم محمود، وإبراهيم طوقان، وأبوسلمى ومعين بسيسو، وهارون رشيد، وحسن البحيري...

أخوتي أيها الشعراء والفنّانون: توجّهوا إلى بيت ( بارود) في جباليا، واتلوا قصائدكم من فوق سطحه فهو أنبل وأعلى منبر، طوفوا حوله وتبرّكوا به، علّقوا قصائدكم على حيطانه.. بهذا نكبر بكم كما كبرتم بنا أيّام معركة بيروت، وسيرى العالم ثقافتنا بعمقها الإنساني: شعرنا، موسيقانا، فنّوننا، وهي تتصدى للإف 16 والميركافا ووحشية الاحتلال...
هيّا أخوتي وأخواتي فبيت آل بارود هو اليوم أعلى وأعظم من البيت الأبيض، لأنه بيت فلسطين...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018