مستقبل المشروع الأميركي في العراق../ عمر كوش*

ما هو مستقبل المشروع الأميركي في المنطقة العربية؟
يكتسي هذا السؤال أهميته في إثر هزيمة الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، والتي كان الوضع العراقي أحد أهم أسبابها المباشرة، وفي ظل تزايد الحديث عن البحث عن كيفية للخروج لا تؤثر على صدقية الولايات المتحدة ومكانتها الدولية، وكذلك لا تؤثر على مصالحها في منطقة الشرق الاوسط، وبشكل لا يجعل القوى المعادية للولايات المتحدة الأميركية المستفيد الوحيد منه، وعلى رأسها سوريا وإيران.

وبصرف النظر عن الارتدادات والإرهاصات الإقليمية والدولية الحاصلة بعد الاحتلال، فإن الصورة في العراق تقدم الدليل الواضح على الفشل الذريع في إستراتيجية التقويض، أو الفوضى البناءة، التي اعتمدتها الإدارة الأميركية خلال السنوات الخمس الماضية. ويظهر الفشل في أكثر من صعيد بحيث لم يعد بإمكان هذه الإدارة تغطية فظاعة وهول المشهد العراقي بالحديث المراوغ عن النجاح في تكريس الديموقراطية وتحويلها إلى معطى سياسي على الأرض.

وتشير الوقائع إلى أنه يكاد لا يمرّ يوم من أيامنا هذه إلا وتقع مجزرة جديدة في العراق، بحيث يمكن القول بأن نهر الدم العراقي لن يتوقف عن التدفق بغزارة شديدة، بعد أن وصلت الأمور إلى درجة بالغة في التعقيد. ولم يعد أحد يستطيع تخيل أو معرفة المآل الذي ستؤول إليه الأوضاع في العراق، بعد أن حوّله الغزو الأميركي إلى بلد محتل، مخرّب ومدمّر، تتقاذفه بنادق الاحتلال وفرق الموت وطاحونة الإرهاب وعمليات المقاومة، ويخيّم عليه شبح الحرب الأهلية الشاملة، خاصة أن أعمال القتل والاغتيال تحصد، في كل يوم، أرواح المئات من العراقيين.

ويبدو أن الحرية التي تعلن الإدارة الأميركية عنها في تصريحات مسؤوليها هي في الواقع مجرد موت يومي للشعب العراقي الذي عانى من الاستبداد، ويعاني اليوم أهوال كارثة ما بعد الحرب التي يشرف الاحتلال على تنظيمها وتنفيذها بأيد عراقية.

لقد قدم المشروع الأميركي العراق بوصفه الصورة المصغرة عن النموذج الذي تطمح الإدارة الأميركية الى تصديره إلى دول الجوار والمنطقة، لكن النتائج تشي بأن المنطقة باتت متوترة، وتعيش حالات من الاضطراب الأمني، وتبدي مجتمعاتها مخاوف جدّية من انتشار النموذج العراقي.

وترجع حالات الاستنفار السياسي التي تعيشها دول الجوار إلى الخوف من المستقبل في حال قررت الإدارة الأميركية الانسحاب العسكري من العراق، كونه سيفضي إلى حدوث فراغ أمني في العراق يفسح المجال أمام حرب أهلية شاملة، الأمر الذي يجعل الدول المجاورة للعراق عرضة لاهتزازات واضطرابات سياسية ذات طابع أهلي مذهبي. وتزداد شدة هذا الخوف بعد أن بات الانسحاب الأميركي احتمالاً وارداً، نظراً للتكلفة الباهظة، المادية والمعنوية، في العراق، ولخوف الإدارة الأميركية على سمعتها الدولية ومصالحها ومكانتها ودورها في المستقبل.

وتعود أسباب فشل المشروع الأميركي في المنطقة إلى ما ميّزه من غموض في الأهداف والغايات، وهو غموض أفضى إلى حالة مبهمة من القراءات والتفسيرات. فقد طرح إلى العلن أن أهداف المشروع تتلخص في نشر الديموقراطية وبناء دول حديثة وعصرية موالية للولايات المتحدة الأميركية، لكن النتائج كشفت وجود خلل خطير في الاستراتيجية الأميركية. وقد يبدو وجيهاً الرأي القائل بأن الأهداف الكامنة، وغير المعلنة، للمشروع تتجسد في زعزعة استقرار دول المنطقة ونشر الفوضى فيها، حماية لأمن إسرائيل، وضماناً للسيطرة على خطوط وإمدادات النفط، وتخويفاً لدول الجوار بتقويض السلم الأهلي فيها.

وقد اعتقد واضعو المشروع الأميركي بأن المجتمعات العربية لا تملك طبيعة تاريخية واجتماعية، تضمن لها الاستمرار في نظم حياتها وأنماط سلوكها وتفكيرها، وأنها تعيش في دول بالقوة، وليس وفق مقومات التاريخ والعيش المشترك، وأنها ستقبل الوصاية الأميركية التي ستستطيع الارتقاء بفضلها بمستوى حياتها وتنظيماتها السياسية والمدنية إلى مستوى القيم والمبادئ الأخلاقية الأميركية من ديموقراطية وحقوق إنسانية وتنمية بشرية. وهي جملة مبادئ وقيم عالمية مشتركة محرومة منها شعوبنا، وليست قيماً أميركية على وجه الحصر. وأخذت هذه الإدارة ترسم للمجتمعات العربية صورة مختزلة وسلبية، يقترن فيها الاستبداد مع الإرهاب والخديعة والنفاق، فاعترى سعيها التغييري انعدام الصدقية مع الإخفاق الخطير في الاستراتيجية، وخسرت في معركة الاستقرار والسلام الإقليميين، ولم تنجح في ضبط القوى والمنظمات المقاومة ضد إسرائيل، كما لم تقبل بتسوية عربية إسرائيلية واقعية تضع حداً لمناخ المواجهة والعنف في المنطقة.

إن المتتبع للنقاش الدائر داخل أوساط النخبة السياسية الأميركية والثقافية، في الآونة الأخيرة، يلاحظ أن الولايات المتحدة قد اكتشفت مؤخراً أن هناك بالفعل مجتمعات عربية في الشرق الأوسط، وأنها ليست مجرد خيم وجمال، وتجمعات للبدو والإرهابيين الذين يحاولون السيطرة على آبار النفط.

واكتشفت كذلك أن لدى هذه المجتمعات مثقفين وأحزاباً وقوى اجتماعية تستحق النظر إليها، بل والحوار معها، لكن المشكلة هي أن صانعي القرار السياسي الأميركي مستمرون في العناد، ويصرون على الاستمرار في نهج الفوضى والتقويض، والذهاب بمغامرتهم إلى حدودها القصوى، وبما يعني أن الإدارة الأميركية غير مستعدة للبحث عن مخارج تأخذ في الحسبان مصالح وهموم مجموع العراقيين وقواهم، وبما يضمن وحدة العراق، أرضاً وشعباً، وتتجه نحو تمرير الاستراتيجية ذاتها سواء بالتوافق مع دول الجوار والقوى الإقليمية في المنطقة أو من دون التوافق معها. وهذا يعني أن هذه الإدارة لم تتعلم الدرس، وأنها ما زالت مصرة على مواصلة ذات النهج الفاشل والسياسة المتهورة ذاتها، وبالتالي فإن دموية المشهد العراقي ستزداد هولاً وفظاعة، ولا حياة لمن تنادي.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018