وسط بيروت: ماذا فعلتُ بأهلي؟../ إبراهيم الأمين

ثمة مشاهد لا يمكن تجاوزها في وسط بيروت: تحرك المعارضة وتحصن السلطة خلف أسوار عالية، يرسمان صورة قاسية عن قلب المدينة التي ظلت مكاناً مفتوحاً لا يستقر فيه إلا الاغنياء. لا أحقاد طبقية تبرز، لكنه سلوك اجتماعي يعكس فشلاً ذريعاً لسياسة اقتصادية وإنمائية، وهو الفشل الذي ظل كثيرون يعتبرونه نظرياً يستند الى ضغائن وأفكار أتى عليها الزمان كما المكان نفسه. لكن المشهد الاجتماعي الذي يسكن هذا الوسط منذ بدء تحرك المعارضة، أعاد الى الاذهان صورة الاحتدام في النظرة الى مستقبل المدينة كجزء من مستقبل البلاد.

شبان الضواحي الذين ابعدت الحرب ذويهم عن وسط بيروت، ثم كبروا هم على صور الاعمار التي جعلت الوسط مكاناً لطيفاً لكنه وقف على قلة من الذين يملكون وسائل العيش فيه، والآخرون يقدرون على السير والنظر الى ضيوف كثر من خارج لبنان، على شكل لوحات إعلانية متحركة، يسرهم الإنفاق وتبهرهم الأضواء والترتيب والنظافة الفائقة، لكنهم ليسوا شركاء في شيء. المكان لا يتسع لهم لا للعيش، ولا للعمل ولا حتى لتمضية وقت. يظل المكان من دون حرارة. لا يعرفون كيف يترجمون كلام الاهل والكبار عن الساحة التي تعج بكل شيء، من ناس وأشياء وأحلام. ها هم الشبان انفسهم، يقتربون حاملين معهم احلاماً في شراكة مستحيلة في ادارة هذا المكان وربما تبدو افكارهم اقرب الى احقاد دفينة. باعة الشاي والكعك والسندويتشات والجلسات المفتوحة عناصر جعلت الشوارع مكاناً اقرب الى ازقتهم، لا رقابة فيه على طقوس الاكل والشرب واللباس والسير. والساحات التي كانت مقتصرة على سيارات فارهة لأصحاب الياقات المرتبة من الضيوف، حوّلت في لحظة الى ساحات للعموم وللمبيت ولو المؤقت. ربما كان بعضهم يرغب في فعل ذلك خلال ايام العدوان الاخير على لبنان، لكن السياسة منعتهم. جعلتهم يركبون بعضهم على بعض في أماكن ضيقة ومهملة من مدارس وحدائق صغيرة مسوّرة برجال الأمن، والغبار يغطي الأرض. وهنا اليوم مشاهد كنت تراها في كل لبنان إلا في هذا الكيلومتر: أعقاب السجائر وبقايا النهار الطويل، لافتات مبعثرة لا تناسب “أناقة” المكان. حتى رجال الانضباط الذين كلفوا حماية ما كرهوه دوماً يفعلون وهم يخفون ابتسامات صفراء. وفوق ذلك كله، يبدو المشهد قاسياً في إعادة تحويل الوسط الى مكان اختلاط يستمر لما هو أبعد من وقت شرب كوب الشاي أو فنجان القهوة. وثمة رغبة قوية في توحيد الاسعار بعيداً عن الضرائب.

لكن الاختلاف يبدو منطقياً ايضاً. فقراء بيروت وطرابلس وصيدا وعكار وجبل لبنان والبقاع الذين عرفوا هذه الساحات منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لم يخرقوا قوانين اصحاب الدعوة: البسوا ما يناسب المكان من ثياب، وكلوا ما تريدون قبل الوصول الى الساحة. احفظوا نفاياتكم في سياراتكم وزواياكم ولا تفكروا برميها في المكان النظيف، واحفظوا في ذاكرتكم ان رمزية المكان من قوّته، وأن حفظه كما يبدو في الصور الترويجية هو عنصر القوة لمشروع لا يجيد الفقراء فك شيفرته. ولا يقبل الآخرون شرحها بغير لغة افتراضية. لكن النقص في التواصل بين المجموعات يفتح الباب الذي اغلقه الوسط التجاري يوم قام على صورته الحالية. الاختلاط بين الناس لا يتعدى حدود اللقاء لوقت قصير وتبادل النظرات، كأنها نظرات بين قارتين.

المارة من الشوارع المحاذية للوسط التجاري، يشعرون بقوة الحدث. لكن الاحياء القريبة، الفقيرة منها والغنية، رسمت لنفسها ملامح ما بعد الحرب. وكان الطابع المحافظ قد أجهز على حياة الليل في المربع المهندم، فانتقل الصراخ وأصوات الموسيقى المرتفعة الى الجوار. رجال العائلات الخليجية وشبانها يوصلون زوجاتهم وبناتهم وصغارهم الى مقاهي الوسط ومطاعمه. ويستأذنون لساعات يمضونها على بعد مئات الأمتار، حيث بقية أحياء بيروت المسيحية تضج بالحياة، وتخوض المعارك لحفظ ما تراه أصلياً في صورة المكان. البيوت رتبت على شكل يعود بها الى بداية القرن الماضي. والتخيل فيها يصيب الواجهات والشرفات المعطلة نهاراً بسبب العمل وليلاً بسبب الجمهور القادم لساعات ما قبل الصباح. كان أبناء الجميزة ومونو يجنون حصتهم من نمو المدينة الذي تجاهل حقوقهم في الوسط الضيق. سكان المحلة الذين أثارهم مشهد «العلاقات المفتوحة على الطريقة الغربية»، لم يدفعوا نحو تعميم «النهج المحافظ» الذي سيطر على الوسط ومحيطه. وإذا كان مشهد سوليدير الليلي لا يغير في صورة المكان صباحاً، فإن الأحياء الأخرى تبدو غريبة عندما يخرج السكان صباحاً من بيوتهم يختلطون بعمال النظافة وهم يغسلون عار الليل. لكن المشهد يحافظ على رتابة تخرقها حسابات الربح والخسارة.

غير أن المدينة لم تبق على هذه الصورة وحدها. والشيعة الذين هُجروا من ضواحي بيروت الشمالية والشرقية خلال الحرب الاهلية، كانوا قد احتلوا الوسط التجاري لسنوات طويلة، والاموال التي صرفت على نقلهم الى مكان آخر ليس ببعيد، لم تسقط صورة أحزمة البؤس التي تطاردهم في الضواحي الجديدة. لكن الأحياء المطلة على الوسط من الجانب الغربي للمدينة، ظلت تعج بهم. وهم يقطنون منازل وأحياءً تم ترييفها بالاشياء والالوان وحركة البيع والشراء ومحاولة التوسع الأفقي في السكن المؤقت. كل شيء يشبه صورة إقامتهم المتنقلة من مكان الى آخر. واجهات المنازل لا تشبه ما في داخلها، والأرصفة اختفت تحت سيارات تعكس الرغبة في النمو المتعارض مع واقع الحال وآليات الإنتاج. والشارع الفاصل بين البسطة والباشورة وزقاق البلاط وبين الوسط التجاري لا يكفي إلا لعبور سريع من الذين يخشون يوماً بعد يوم العودة الى تمترس خلف أحياء فقيرة تختزن كل انواع العنف الاجتماعي المعطوف على تعبئة مذهبية وطائفية قاسية تكفي لتدمير البلاد مرات ومرات.

لكن الصورة الأشد قسوة هي صورة الذين يراقبون المشهد عن بعد. جبلاً أو ساحلاً قريباً أو بعيداً، من الذين يتدافعون الى بيروت للاحتجاج أو الاحتفال، ويعودون الى قراهم ومدنهم البعيدة مثقلين بصور متناقضة عن امكنة كان شرط حفظها، ولا يزال، هو إيغالهم في التخلف والانهيار. لكن رابطاً سحرياً يجمع الأطراف بالمدينة وبرامجها. فباريس 1 و2 و3 الذي صمّم لخدمة مشروع المدينة وحجارتها، صار مطلباً عند ريف لم يضرب معول السلطات مرة في أرضه. وما بقي هو حفلة رقص تزداد دوراناً، والخشية هي من تحولها طقوساً قَبَلية تنتهي عادة بنشر الدماء!

"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018