المعارضة تتحرك على "القاعدة الثلاثية" لتدارك "مصارعة الفيَلة"../ نبيل هيثم

دلت مجريات اليوم الجماهيري الكبير في وسط بيروت ان قوى المعارضة تقترب من المرحلة النهائية من خطواتها الضاغطة على حكومة فؤاد السنيورة. والتحضيرات التي جرت على قدم وساق، أوحت أن الاسبوع الطالع سيكون حافلا بما يمكن ان يسرّع في وضع مطلب <المشاركة> موضع التحقيق. ولا يقفل القيمون على هذه التحضيرات الباب على امكانية حدوث <مفاجآت>.
وقد ارتكزت هذه التحضيرات على <قاعدة ثلاثية>، تشدد من ناحية على عدم بلوغ الصدام، مهما كانت الأسباب والذرائع والدوافع؛ ومن ناحية ثانية على السعي لضبط الايقاع الشارعي بما يخدم تحقيق الهدف، والنأي به عن المؤثرات والموتّرات، وتحصينه في مواجهة <سلاح الدمار المذهبي الشامل>، وكذلك التحذير من خطر التمترس خلف المذاهب، على اعتبار ان تداعيات هذه المسألة قاتلة للجميع، وان اي فتنة بين السنة والشيعة لن ينجو منها احد، من المحرض الى المشارك والى المتفرج ومن خلفهم. وأصدق وصف لهذه الصورة، يرد في مثل شعبي طريف لقيادي بارز في المعارضة: <في مصارعة الفيَلة بيروح الحشيش دعوسة>.

وأما من الناحية الثالثة، فالتأكيد ان الحكومة صارت ميتة سريريا، وبالتالي لن يكون في امكانها الاستمرار في الحكم بعدما فقدت مقوماته، وخصوصا قاعدته الشعبية، وبالتالي ان أي رهان على الخارج فاشل، ولن يكون لتلك المراهنة اي تأثير فعلي في ميزان القوى على المسرح الداخلي، اذ يمكن استيراد اي شيء من الخارج، سيارات، دراجات نارية، شاحنات، قطع غيار، مواد تموين، لوازم نجارين وحدادين وسلع مختلفة، ولكن ليس في الامكان استيراد شعبية للسلطة من الخارج لتوازن ثلاثة ارباع الشعب اللبناني الذي يطالب بتغييرها. وبناء على هذا الواقع فإن اي خطوة من الحكومة، تلبي مطلب الشراكة، هي الآن افضل من الغد، وكلما كانت سريعة كلما كانت الاضرار اقل.
وفي موازاة ذلك، يبرز استعجال لدى بعض قوى المعارضة للسير قدما وميدانيا في اتجاه اسقاط حكومة السنيورة، متجاهلا كل الاعتبارات، ومستندا الى سابقتي الاطاحة بحكومتي الرئيس عمر كرامي. وفي رأي المستعجلين، ان الفرصة سانحة حاليا، وقد لا تتكرر، خصوصا ان ثمة تخوفا من ان يولّد التباطؤ مللا يجتاح المعتصمين، الذين بدأت تسري بينهم تساؤلات عن جدوى بقائهم في الشارع بينما الحكومة في السراي... وهل ستجد قوى المعارضة نفسها قريبا امام قرار باختراق <الخط الازرق> وسط بيروت؟

لكن حماسة المستعجلين، اصطدمت بتحذير مراجع سياسية مسؤولة، من التسرع باتخاذ خطوات، او الاقدام على خطوات غير محسوبة النتائج، ولها تداعيات خطيرة ليس في امكان احد تحمل تبعاتها على كل المستويات. وفي اعتقاد هذه المراجع ان الامور باتت ناضجة جدا، وما حققته المعارضة من نتائج خلال الايام العشرة للتحرك، جعلها على حافة تحقيق هدفها. ومن هذه النتائج:
لقد استطاعت المعارضة ان تنتقل من موقع الدفاع الى موقع الهجوم، بعدما كانت في خانة الاستهداف والتصويب منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وخرجت من موقع <المتهَم>.. الى موقع < المتهِم>.

لقد حولت الحكومةَ الى فريق محاصر في السراي، غير قادرة على الحكم، وتعيش هاجس السقوط في كل لحظة؟ ومهما كانت نتائج التحرك، فإن عصر الحكومة الحالية قد انتهى، وأي تسوية تتم لن تكرر ما كان... ثم ان اي تشكيلة حكومية مقبلة، سيكون في مقدمة مهامها تعيين اعضاء المجلس الدستوري، ما سيؤدي بعد درس مراجعات الطعون الى تبدلات في حجم الفريق الاكثري في مجلس النواب. ومن هنا يمكن تفسير تأخير الحكومة الحالية في تعيين اعضاء المجلس المذكور.
حملت الفريق الحاكم على التنازل عن ثلثي الاغلبية التي كانت تمثله في مجلس الوزراء، وقد عبر عن ذلك في طرحه حكومة من 19 وزيرا اكثريا، و9 وزراء للمعارضة، ووزيرين مستقلين. في هذا الطرح (وفي مثله)، تخلت الاكثرية عن الثلثين، او بمعنى أصح تخلت عن الاستئثار بالقرارات، كما قدمت تنازلات في موضوع <الثلث> وان لم تعطه بالكامل حتى الآن؟

استطاعت المعارضة ان تنفي عن الحكومة الصفة الدستورية، او الوجودية. فهي على مدى 18 شهرا تتعاطى مع رئيس الجمهورية اميل لحود على انه غير شرعي، فصارت في ذات الموقع غير الشرعي حاليا. وهذا ما بدا واضحا في بيان الكنيسة المارونية، الذي ازعج الفريق الاكثري، ولا سيما في حديثه عن ازمة في رئاسة الجمهورية وفي الحكومة، اللذين باتا موضع جدل، كما جاء في البيان. اضافة الى موضوع الانتخابات النيابية المبكرة عبر قانون انتخابي يقوم على الدوائر الصغيرة، وتأكيده على ضرورة مراعاة ميثاق العيش المشترك، وعلى الديموقراطية التوافقية، التي تنسف فلسفة ديموقراطية الاكثرية الراهنة.

استطاعت المعارضة ان تظهر الحجم الشعبي الفعلي لفريق 14 اذار، وقد رسم وزير الخارجية الالمانية الصورة بوضوح عندما اشار الى ان الحكومة اللبنانية تحظى بدعم خارجي فقدته في الداخل. اي ان المعارضة اوصلت الحكومة باعتراف الخارج الى ان ديمومتها بفعل الخارج وليس بفعل الداخل.

في هذا الجو، تتسارع وتيرة الاتصالات، ولم تحمل ساعات النهار ما يشير الى اختراقات يمكن ان تساعد في بلوغ توافق ما بين فرقاء الأزمة الداخلية. في حين لم تأت الحركة الدبلوماسية التي سجلت نشاطا ملحوظا بأكثر من التمنيات والعواطف وتوصيف للواقع والأزمة والمخاطر والتداعيات، وهذا ما ينطبق على حركة السفير السعودي، في حين ساد الدبلوماسية الاوروبية قلق من احتمال حصول تبدلات في الواقع اللبناني. وقد طرح بعض السفراء اسئلة صريحة في هذا الاطار على مراجع رسمية، تنبعث منها رائحة القلق على فترة ما بعد التحرك، وتستفسر عن المحكمة ذات الطابع الدولي، وايضا عن قوات <اليونيفيل>.

والأهم في حركة السفراء ما تكشَّف من معلومات عن ورود تعليمات الى سفير دولة كبرى في لبنان تفيد بتكثيف الاتصال بمرجع سياسي، وعدم الإدلاء بمواقف وتصريحات تتناول الارادة الشعبية.
قيل للسفير المذكور <عندما كان لبنان في دائرة الاهتمام الدولي، سُخر المجتمع الدولي في خدمته، وكان مجلس الامن حاضرا غب الطلب.. واصدر قرارات بالجملة، وبهمة جون بولتون>.
اكتفى السفير المذكور بالاستماع... ولم يشأ التعليق. فهل بدأت ملامح تغيير في موقف الدولة الكبرى؟


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018