العالم (والعراق) منظوراً إليه من... المريخ، أي من كاليفورنيا!/ نهلة الشهال

يساعد كثيرا على فهم هذا الذي تقترفه اميركا في العالم أن يجد المرء نفسه فجأة، يوماً ما، لسبب لم يخطط له، في لوس انجليس. من هنا، يغيب العالم، يبدو بعيدا جدا، عالما «آخر»، وتبدو كل أحداثه تفاصيل عابرة، بالكاد تذكرها قنوات التلفزيون المتوفرة في الفندق الفخم، ولا تذكرها على الأغلب. وحين تتعجب من غياب CNN أو BBC العالميتين وتوفر النسخ الاميركية منهما فحسب – حتى القناة الإنكليزية المحترمة وضعت لنفسها صيغة اميركية تبثها هنا – يقول لك من يواجهه اعتراضك، ممن تتمكن من إفهامه مبتغاك – إذ ليس ما تطلبه بديهيا إطلاقاً: هوّن عليك، ما بالك تريد تعكير مزاجك، هكذا أفضل.

أفضل لمن؟

فإن كانت كاليفورنيا كذلك فما بالك بوسكينسن واوكلاهوما، الى آخر تلك ألاماكن التي يمضي أهلها أوقاتهم ما بين العمل ومشاهدة برامج تلفزيونية تعيد إخبارهم للمرة العاشرة بعد المئة، وعلى مدى أيام متتالية، كيف مات فلان لأنه ضاع في طريق موحشة، وكيف قتلت فلانة رضيعها كرمى لعيون عشيقها... تتصبر أمام التلفزيون على أمل التقاط خبر يخصك، إذ سيمر عابرا، إذا مر أصلا، فيضيع منك وتعود لتتصبر أمام التلفزيون، في وضعية قنْص، مجبرا في الأثناء على رؤية قصة جدة وجار وكلب هو ذاك الذي مات لأنه ضل طريقه، وكل سلالة تلك التي قتلت رضيعها. حتى الهموم المحلية «الجدية»، الفقر والتشرد والبطالة والجريمة وسائر أشكال البؤس الملازمة للحياة، تبدو ممحوّة، مخفية وراء بساطة هانئة وبلهاء، راسخة إلى حد انك تنسى كم هي مصطنعة. ثم إن هناك حقا رغد حياة يبدو طاغيا وما زال جذابا، سواء وهما أو حقيقة.

يغيظك كل ذلك فيما تحاول الوصول إلى بيت القصيد، أي العراق الذي يفترض به أن يكون شأنا اميركيا داخليا صرفا. العراق موجود بوفرة في صحيفة «نيويورك تايمز» التي لن تصلك مع صحف الصباح إلا إذا ألححت في الطلب، منقذا نفسك من الصحف المحلية المليئة بالقصص التي سبق لك مشاهدتها... في التلفزيون، وبصفحات من الدعاية لهدايا عيد الميلاد، حتى تخالها طبعات أصدرتها المخازن الكبرى للترويج لبضائعها. «نيويورك تايمز» وضعت مربعا في أسفل الصفحة المخصصة للعراق خصصته لأسماء القتلى الاميركان لذلك اليوم. ما زال المربع صغيرا للغاية. ليس عدد القتلى الاميركان في العراق هو ما يشغل بال المسؤولين هنا – لأن الرأي العام غير معني، رغم استطلاع أخير يشير إلى انحدار في شعبية بوش إلى أدنى مستوى لها منذ عام. ينبغي التفكير بجدوى استطلاعات الرأي هذه، وما هو تعريف الرأي العام. أما الرئيس بوش، فجل همه الراهن ينحصر في استيعاب الضجة التي اثارها تقرير لجنة بيكر-هاميلتون الذي وصف الوضع في العراق بـ»الخطير والمتدهور». هنا يظهر أثر السينما وقوة تأثيرها في العقلية الاميركية. فالأمر كله يدور حول الإخراج الأنسب. تطلق سيناريوهات متعددة، احدها ينص على تكليف لجان أخرى بتقارير عن العراق، فيصبح الفريق السالف واحدا من بين سواه، وأخرى تعمل على مشاهد مثل أن يُستقبل في البيت الأبيض السيدان الحكيم والهاشمي – وفق قاعدة التوازن الطائفي – وأن تسرب أخبار عن جبهة جديدة تضم الجميع مقصيةً الشرير الوحيد مقتدى الصدر (وفي رواية أخرى أن الجبهة العتيدة هي فعليا طريقة للتخلص من نوري المالكي والعودة إلى خيار أياد علاوي الذي لم يحالفه الحظ في التصويت الداخلي «الشيعي» الأخير)، هذا بينما يعلن عن دورة مشاورات رئاسية داخلية شبه علنية، تطال ضباطا رفيعي المستوى وأكاديميين، ويعد الاميركان بخطة وشيكة لإيجاد طريق «يعمل عليها الرئيس» وستجهز قبل الميلاد. وفي اليوم التالي، يُبقى على الخطة قيد التحضير لكنها تؤجل لما بعد الأعياد، فقد ضاق الوقت، واهتمامات الناس في مكان آخر...

ضجيج كثير بلا طحن، حركة تبدو جادة ومنهمكة، لكن ثوابت الرئيس بوش ما زالت هي هي. انه يريد «الانتصار»، ويثقل عليه المباشرة في التفكير بالانسحاب من العراق. هذا أولا، لكنه ليس أخطر ما في المشهد الحالي.

فالحق أن فكرة الانسحاب أصبحت مطروحة بشدة في التداول في الوقت نفسه الذي باتت فيه صعبة التحقيق في الواقع، لأن العراق بعد سنوات ثلاث ونيف من الاحتلال بات أرضا خرابا، وباتت الغرغرينا التي استبدت به تهدد كل محيطه. هناك مسؤولية عن العراق، اميركية أولا ودولية ثانيا، يماثل تجاهلها جريمة الاحتلال نفسه. ثم هناك فكرة مركزية لا يجب أن تغيب عن النقاش الجاري حول نظرية الحرب الشاملة والدائمة التي تبنتها الإدارة الاميركية الحالية بقطعية لا يبررها سوى طغيان المنحى الإيديولوجي عليها: لم يكن ذلك السلوك قدرا حتميا، لم يكن أمرا ملاصقا إلزاميا لتطور الهيمنة الأحادية للقوة العظمى التي خرجت منتصرة من الحرب الباردة. كان بإمكان واشنطن أن تضمن حماية مصالحها الاستراتيجية، بل تعزيزها، بغير هذا. لكن المصيبة المزدوجة اليوم انه بإمكان الولايات المتحدة أن تكون sorry، بل جدا آسفة على تلك الخطة، وأن تعدّلها وتبدّلها كما تشاء، بل تقلبها رأسا على عقب. ولعل بعضهم في الولايات المتحدة يدفع ثمن «الغلطة»، فلا يعاد انتخابه مثلا، أما الثمن الذي دفعه وسيستمر في دفعه العراق، فلعله غير قابل للسداد في المدى المنظور، وكذلك بالنسبة للمنطقة. من هنا، من الولايات المتحدة، يبدو سائر العالم تفصيلا صغيرا يسهل التخفف من وطأته إن لم يكن تجاهله تماما.

وتلك وضعية خطيرة بدا بوضوح أنها تهدد البشرية برمتها بانفلات عنف لا يبقي ولا يذر. ولعل الدرس الذي ينبغي الدفع نحو استخلاصه يبدأ عند تطلب التصرف بمسؤولية حيال هذا الذي جرى، بدلا من التخلص منه بالتي هي أحسن.

إن عنوان المحاولة الجادة للتصدي لوضعية نتجت عن رعونة عصابة متسلحة بالقوة المطلقة، وإنما أيضا باستقالة الآخرين وانهيار إرادتهم وشجاعتهم، هو بلورة خطة عمل دولية شاملة، ليس مؤتمرا شكليا للرؤساء ينتهي من حيث بدأ، بل إطلاق آلية ترمم في آن واحد تلك المناطق التي تُركت تُنكب بلا وازع، والعراق وفلسطين في مقدمتها، كما ترمم سائر العالم الذي أصابته عوارض المرض حين ترك تلك البشاعة تقع وتستمر. وستولد من مثل هذه الآلية قوى في تلك البقاع المنكوبة، كما في كل مكان – وأمم متحدة جديدة ستكون إحداها.

... هذا أفضل، ليس لراحة بال أهل كاليفورنيا الذين يمضون أوقاتهم في فقاعتهم الجميلة، بل للبشرية كلها، التي لا يمكن أن تتحول إلى تفصيل وتبقى على ذلك قائمة.

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018