ما بعد خطاب الرئيس../ هاني المصري

هل حسم الخطاب الذي ألقاه الرئيس أبو مازن الموقف؟ أم أن الأزمة بعد هذا الخطاب ازدادت تعقيداً؟ ما جرى في الأراضي المحتلة يومي السبت والأحد الماضيين يقدم الجواب على هذا السؤال. فالحكومة رفضت الدعوة لتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، واعتبرتها غير دستورية وانقلاباً على نتائج الانتخابات التشريعية السابقة. والزهار وزير الخارجية مضى أبعد من ذلك واعتبر الدعوة وصفة للحرب الأهلية.

ما يهمنا في هذا المقال هو أن الرئيس لم يغلق الباب تماماً على احتمال تشكيل حكومة وحدة وطنية من الكفاءات وقادرة على فك الحصار. وهذا الموقف الرئاسي يظهر من خلال أولاً عدم تحديد موعد لإجراء الانتخابات، وبالتالي عدم إصدار مرسوم بهذا الشأن. وثانياً من خلال ترحيبه بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي تبقى كما صرح أكثر من مرة خياره الأول والأخير.

على حماس أن تلتقط الحبل وتستغل ترك باب حكومة الوحدة الوطنية مفتوحاً بإبداء مرونة على البرنامج والاستعداد لتشكيل حكومة شراكة حقيقية، وعلى الرئيس أن يرفع سقف برنامجه السياسي حتى يمكن التوصل إلى برنامج مشترك.

هناك من يقول إن موقف الرئيس بعدم إغلاق الباب على تشكيل حكومة وحدة وطنية تكتيكي هدفه كسب الوقت وكسب الرأي العام ومحاولة للوصول للانتخابات بالتدريج. ويعزز أصحاب هذا القول موقفهم أولاً: بالتصريحات الصادرة عن ياسر عبد ربه لجريدة الحياة اللندنية التي أكد فيها أن الرئيس سيصدر المرسوم الذي يحدد فيه الموعد خلال أسبوع، وأن هذه الانتخابات ستجرى بعد ثلاثة أشهر، وهي المدة نفسها تقريباً التي يحددها الدستور. فكما صرح رئيس لجنة الانتخابات المركزية بعد لقائه مع الرئيس فإن اللجنة تفضل تشكيل حكومة وحدة وطنية، وانها بحاجة الى 110 أيام بعد صدور المرسوم الرئاسي حتى تستطيع إجراء الانتخابات.

ثانياً: بالتلويح الذي عبر عنه الرئيس في خطابه بوضوح عندما تحدث عن حقه الدستوري بإقالة الحكومة، وبأنه سيستخدم هذا الحق متى يريد. فإذا مضى الرئيس في قراره بإجراء الانتخابات فهو سيفضل بالتأكيد إقالة الحكومة، لأنه لا يعقل أن تشرف على الانتخابات حكومة تعارضها وتهدد بمقاطعتها وتعطيلها التحضير للانتخابات.

وإذا قرر الرئيس إقالة الحكومة فهو سيزيد الموقف تعقيداً وسيكون أمامه: إما تكليف شخصية وطنية مستقلة بتشكيل الحكومة التي ستسقط في اختبار الثقة أمام مجلس تشريعي أغلبيته من كتلة التغيير والإصلاح التي تمثل حركة حماس، أو سيعلن حالة الطوارئ معللاً ذلك بتدهور الموقف، ويشكل حكومة طوارئ يكلفها بالتحضير للانتخابات ولكن هذا الخيار فعاليته محدودة، لأن الرئيس يستطيع إعلان حالة الطوارئ لمدة 30 يوماً فقط، وإذا أراد تحديدها فهو بحاجة إلى موافقة المجلس التشريعي، وهي موافقة لن يحصل عليها.

وهناك من يقول إن الرئيس لن يذهب إلى حد إجراء الانتخابات المبكرة بدون وفاق وطني على إجرائها، لأنه يدرك أن الحكومة وحركة حماس تستطيعان تعطيل إجراء الانتخابات خصوصاً في ظل عدم وجود نص دستوري يمنح الرئيس الحق بالدعوة لإجراء انتخابات مبكرة. فالقانون الأساسي يمنع حل المجلس التشريعي حتى في ظل إعلان حالة الطوارئ، ويصرّ على أن المجلس سيد نفسه، وأنه يجب أن يكمل دورته. فكيف يمكن تسويغ حل المجلس على أساس أن الشعب مصدر القوانين والسلطات؟

إن استخدام هذه العبارة يتناقض مع المادة الدستورية التي تحدد بأن الرئيس يمارس صلاحياته وفق الأحكام والمواد الواردة في القانون الأساسي، ويعزز أصحاب هذا الموقف رأيهم بالقول: ألم يحاول الرئيس عشية الانتخابات التشريعية وغداتها ان يقنع المجلس التشريعي السابق بإجراء تعديلات على القانون الأساسي تسمح للرئيس بحل المجلس التشريعي أو بتشكيل محكمة دستورية تملك مثل هذا الحق؟. كما يضيف هؤلاء: ألم يدع الرئيس في أيار الماضي إلى تنظيم استفتاء شعبي على وثيقة الوفاق الوطني، لأنه يدرك أن القانون الأساسي لا يتيح له الدعوة إلى اجراء انتخابات مبكرة؟.

وإذا سلمنا جدلاً، بأن الانتخابات ستجرى رغم كل الاحتمالات والمخاطر التي تنذر بعدم إجرائها، أو بحصول ما حدث عندما تم إعلان الإضراب المفتوح لموظفي السلطة، فقد أضرب معظم موظفي الضفة، ولم يتجاوب مع الإضراب معظم موظفي غزة. هل سنشهد انتخابات في معظم الضفة وعدم اجرائها في معظم غزة؟.

فما الذي سيضمن عدم فوز حركة حماس إذا شاركت في الانتخابات في الأغلبية في المجلس التشريعي، وفي الرئاسة؟ أليس الشعب سيد نفسه ويستطيع اختيار من يراه مناسباً؟ وإذا فازت حماس هل سيتم احترام ارادة الشعب على أساس أنه يستحق ما سيحدث له؟ أم سيكون هناك تصرف آخر؟ وإذا قاطعت حماس والجهاد الإسلامي، وربما الجبهة الشعبية وغيرها وطعنوا في شرعية الانتخابات؟ فكيف يمكن للمجلس التشريعي الجديد والحكومة التي سيختارها أن تعمل؟

ما سيجري ان اجراء الانتخابات بدون وفاق وطني سيؤدي الى تعميق حالة التعددية في السلطات والاستراتيجيات ومصادر القرار. وهذا سيعيد انتاج الماضي بشكل أسوأ. وعندها من سيفاوض سيفاوض من موقع ضعف، ولن يستطيع أن يحصد شيئاً. ومن يقاوم سيقاوم في شروط سيئة ولن يحصد شيئاً. وستمضي إسرائيل بتنفيذ مخططاتها الاحتلالية والاستيطانية والعنصرية متذرعة بالانقسامات الفلسطينية وبعدم وجود شريك فلسطيني.

أتمنى من كل قلبي أن تكون دعوة الرئيس للانتخابات المبكرة شكلاً من أشكال الضغط القوي على حماس لدفعها لتليين برنامجها وشروطها لتشكيل حكومة وحدة وطنية. فرغم إدراكي ان تشكيل حكومة وفاق وطني، مهما كان شكلها أمر صعب جداً، إلا أن الخيارات الأخرى أصعب وأخطر. وأتساءل كيف ستمضي الأشهر الثلاثة التي تفصلنا عن اجراء الانتخابات كما صرح ياسر عبد ربه، والأشهر الستة لما صرح صائب عريقات؟. هل ما جرى يومي السبت والأحد سيتواصل أم سيتدهور الموقف أكثر.

كما أتمنى أن يدعو الرئيس الى استفتاء شعبي قبل اللجوء للانتخابات حتى يكون قراره دستورياً، إذا أصر على الانتخابات ولنتذكر جميعاً أن القضية الوطنية في خطر، وان المصلحة الوطنية يجب أن تكون أعلى وذات أولوية على المصالح الفردية والفصائلية، وان الاتفاق الوطني على البرنامج والحكومة والمنظمة بحاجة الى تنازلات من الجميع، ليس من طرف وحده لأن التجربة أثبتت أن لا أحد يملك الحقيقة كاملة، ولا البرنامج القادر على الإقلاع وتحقيق الأهداف الوطنية التي هي أكبر من رفع الحصار بكثير!.


"الأيام"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018