برنامج المعارضة:ضد رواسب الوصاية../ جوزف سماحة

إعلان «المعارضة الوطنية اللبنانية» أنها باتت تطالب بقانون جديد وبانتخابات نيابية مبكرة ليس تغييراً سطحياً للشعار. إنه تعريف جديد للأزمة التي يعيشها لبنان. وإذا كان مطلب «الثلث الضامن» متصلاً بالتجليّات الأخيرة لهذه الأزمة فإن الموقف الجديد يضع إصبعه على جرح أكثر غوراً، أي على الكيفيّة التي تم بها تنفيذ «اتفاق الطائف» منذ مطلع التسعينيات بإشراف سوري.

لقد نشأ، في ظل الرعاية السورية وبإشرافها، نظام سياسي لبناني ذو أرجحية إسلامية كاسحة تلعب الدور المركزي في تقرير المصير الوطني. وكان الوجه الآخر لهذه الأرجحية التهميش الذي أصاب المعارضة المسيحية التي تمثّل، بالتأكيد، أكثرية في بيئتها. ولقد أمكن قوننة هذا الواقع وترجمته في المؤسسات عبر سلسلة من القوانين الانتخابية والتقسيمات الإدارية الغرائبية التي أدّت إلى تزوير كامل للوقائع الديموغرافية ولحقيقة التمثيل السياسي أي، باختصار، إلى المساس بروح «اتفاق الطائف».

لقد رعت الوصاية السورية على لبنان، ولمصلحتها، ثلاثة مشاريع مركزية كبرى: المقاومة ضد إسرائيل، «الحريرية» كخطة لإعادة الإعمار، إعادة توحيد مبتسرة للمؤسسات مع التفاتة خاصة ومميزة للقوات العسكرية. وإذا كانت هذه المشاريع تلبي مصالح لبنانية مؤكّدة فإن الواجب يقضي القول إنها، وضمنها «الحريرية»، لم تكن ممكنة بهذا الشكل الذي عرفناه لولا الدور السوري.

لقد كانت وظيفة النظام السياسي، تحت الرعاية، حماية هذه المشاريع. ولذلك شهدنا، مع تراجع هذه الرعاية، انفجار الخطة الكبرى إلى عناصرها الأولى، وما صاحب ذلك من تمدّد لـ«الحريرية» نحو السياسة ومن دخول للمقاومة في السياسة أيضاً. أما الجيش فباقٍ على الحياد وهو قد يكون موضع صراع، في حين أن تنازعاً شبه علني يندلع على مؤسسات أمنية أخرى.

انفجار الخطة الكبرى حصل بسبب ما سبق ورافق ولحق بانسحاب القوات السورية من لبنان. ولقد أمكن تأخير مفاعيل هذا الانفجار لمرحلة عبر الائتلاف الرباعي الذي جمع القوى الرئيسية التي نشأت في العهد السابق وأوحى كما لو أنه يمكن الاستمرار في السياسة نفسها من دون دمشق ولكن ليس ضدها. لم يلبث هذا الائتلاف، بدوره، أن سقط نتيجة تناقضاته، ونتيجة ارتفاع حدّة التجاذب الإقليمي ـــ الدولي على لبنان، ونتيجة رواسب بقيت عالقة في السلوك السوري حيال لبنان.

إن من يدقّق النظر في هذا الائتلاف الرباعي يلاحظ أنه احتفظ بعنصر جوهري من عناصر النظام السابق: تهميش القوة السياسية الأكثر نفوذاً في الوسط المسيحي. ولقد تجسّد ذلك بوضوح قاطع في التوافق الذي حصل على اعتماد القانون الانتخابي لعام ألفين وتمديد صلاحياته لعام 2005. وكان من الطبيعي، والحالة هذه، أن يلقى المسيحيون الملتحقون بهذا الائتلاف الهزيمة التي تعرّضوا لها وأن يتم التعبير الواضح عن أن توازن ما بعد الوصاية لا يمكنه أن يكون، حرفياً تقريباً، توازن عهد الوصاية.

انتقل الخلل السابق إلى العهد الجديد برغم أن الأداة السياسية والأمنية لصيانته تراجعت وانسحبت. ولكن التحالف الانتخابي سرعان ما تصدّع بعدما أنتج أكثرية نيابية وحكومية. وهنا ارتكبت الأكثرية الباقية الخطأ الاستراتيجي بزيادة الخلل الأصلي عندما أضافت تهميش بيئة شيعية واسعة إلى تهميش البيئة المسيحية، معتقدةً أن في وسعها الإمساك بالسلطة وفرض خيارات راديكالية مدعومة بقاعدة اجتماعية ضيقة وتأييد عربي ودولي.

يتجاوز هذا الخلل مظاهر الأزمة والحلول المطروحة لها والمعبّر عنها بـ«الثلث الضامن». صحيح أن حكومة «الوحدة الوطنية» خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها خطوة لن تستطيع، في أحسن الأحوال، إلا أن تنتج هدنة تعمّر أسابيع أو شهوراً وتنهار عند الانتخابات الرئاسية. فالجناح المتنفّذ في «حركة 14 آذار» لا يخفي أنه يريد رئيساً منه أي، تعريفاً، رئيساً معبّراً عن مزاج بعيد عن مزاج البيئة التي يفترض به أن يصدر عنها.

لم يغادر الجناح المتنفّذ في «حركة 14 آذار» نظرية عبد الحليم خدام في إدارة الشأن اللبناني (كيف يغادرها في عزّ التحالف مع «المعارضة السورية في الخارج»؟). فالرأي الذي كان يجاهر به خدام هو أن لبنان لا يُحكم إلا بممثلين أقوياء للمسلمين وبممثل ضعيف للمسيحيين. ولقد كانت رئاسة الياس الهراوي الممدّدة نموذجاً تطبيقياً لهذه المدرسة. وتجدر الملاحظة هنا أن ما تغيّر في عهد بشار الأسد هو الإتيان برئيس جمهورية مدعوم ومستقوٍ ولو أنه معزول، إلى حد ما، في طائفته. ومع ذلك لم يلق الأمر قبولاً عند «مسلمي سوريا» اللبنانيين وتحديداً عند المتحوّلين، اليوم، إلى «سياديين» لا يُشقّ لهم غبار.

إن ما يرفضه هؤلاء الأخيرون، بالضبط، وفي ما يخص التوازن الداخلي، هو انشقاق بيئة بكاملها عنهم وتشكيلها تحالفاً مع بيئة أخرى، ومطالبة الاثنتين معاً برأي وازن في إدارة شؤون البلاد. ولا طريق إلى إعادة إنتاج هذا التوازن إلا تشكيل الحياة السياسية بدءاً من المؤسسة الأم: المجلس النيابي.
لقد بات هذا المطلب شعار المعارضة. وهو شعار يلوح في أفقه تقاسم للسلطة وحق امتلاك كلمة مؤثّرة في الوجهتين الداخلية والخارجية للبلد.

وللشعار المذكور ميزة، فضلاً عن عدالته، هي أنه مريح فعلاً لـ«التيار الوطني الحر»، ممثل المظلومية منذ عقد ونصف العقد. وهو، بهذا المعنى، مزعج للفريق الفئوي الحاكم ولقدرته على استتباع حلفاء لا تمثيل جدياً لهم.

ليس مستبعداً، في ظل هذا الشعار الجديد، أن نشهد تموضعاً مسيحياً متزايداً للجنرال ميشال عون، تموضعاً يرد على محاولة التهميش، ويطالب بمشاركة أوسع، ويستند إلى المخاوف الجدية التي أثارتها حملة التعبئة المذهبية التي قادها «تيار المستقبل»، ويتجاوب مع واقع أن «الحلفاء المسلمين» لـ«التيار الوطني» بادروا إلى الدعوة إلى قانون انتخابي عادل يلغي انحرافات القوانين السابقة.

إذا حصل تقدم ما، وليس هناك ما يمنع حصوله، يدخل لبنان في مرحلة جديدة فعلاً هي مرحلة التخلّص من أبرز عيوب مرحلة الوصاية السورية، مرحلة قطع الطريق على فريق داخلي من وراثة هذه الوصاية والدفاع عن احتكار السلطة باسم معركة السيادة المستمرة.

والمفارقة، كل المفارقة، أن الإنهاء الداخلي لعصر الوصاية السورية سيتم على أيدي القوى المتّهمة بـ«العمالة» لدمشق أو التواطؤ معها.

"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018