آخر تجارب المحافظين الجدد في منطقتنا../ إلياس سحّاب

عندما استنفدت واشنطن كل محاولات استخراج غطاء دولي، من الامم المتحدة، لشرعنة قرارها الامبراطوري المأخوذ سلفا بغزو العراق، أطلق عدد من مسؤوليها مجموعة من التصريحات النارية التي كانت تدور كلها على فكرة اساسية استعلائية وحيدة، خلاصتها ان كل دولة لم تؤيد قرار الغزو في المحافل الدولية، ستندم على موقفها، وان الامم المتحدة نفسها اذا بقيت مصرة على معارضة الغزو، ستفقد قيمتها، وتضمحل.

صحيح ان الغرور الامبراطوري كان محركا اساسيا لهذا الموقف الاستعلائي الأمريكي يومها، لكن هذا الموقف كان وراءه يومها محرك آخر هو ثقة كاملة بالنصر في العراق كانت تسيطر على فريق المحافظين الجدد على رأس هرم الادارة الأمريكية. من هذه الثقة الكاملة بالنصر المؤكد، ولد الاعتقاد الراسخ يومها بأن الكل سيلتحق بالركب الأمريكي، عندما ترفرف أعلام النصر خفاقة عالية.

وعلى أساس هذه الثقة أيضاً، تم تخطيط كل خرائط “الشرق الأوسط الجديد” الذي تحول الى “نشيد وطني” على لسان كل مسؤولي الإدارة الأمريكية، خاصة “البلبل الصداح” لتلك الادارة كوندوليزا رايس، على اساس ان أمريكا المنتصرة في العراق، سيكون بمقدورها (ويحق لها بصفتها المنتصرة) ان تعيد ترتيب الاوضاع السياسية في البلاد العربية ومحيطها الاقليمي، انطلاقا من العراق، طبعا بعد استتباب كل قواعد النصر الأمريكي المؤزر والمؤكد في ارض الرافدين.

ومع ان بوادر النصر الضائع، والهزيمة النكراء، بدأت تلوح في افق العراق منذ الاشهر الاولى للغزو، فان العناد الامبراطوري ظل يتصرف في جميع ارجاء المنطقة العربية على اساس ان النصر الأمريكي قد اصبح راسخ الاركان، وما على مبعوثي واشنطن، وحلفائها والمتعاونين معها، سوى قطف الثمار اليانعة.

لقد ظل هذا العناد المغرور يبدو قابلا للدفاع عنه او تبريره، حتى تجربة دفع “اسرائيل” للقيام بدورها في رسم ملامح “الشرق الاوسط الجديد” في لبنان، كما صرحت علنا وبالفم الملآن كوندوليزا رايس في الايام الاولى للعدوان “الاسرائيلي” على لبنان.

ما جرى بعد ذلك معروف، وتطورات تفاقم الخسائر الأمريكية المباشرة وغير المباشرة في العراق معروفة ايضا، الامر الذي ما كان له ان يمر، بالنسبة لمجتمع سياسي حيوي كالمجتمع الأمريكي، دون طرح توجه سياسي ينقذ أمريكا من الكارثة ويخرجها من الرمال المتحركة، التي لا يفعل الغرور الامبراطوري الا زيادة التورط فيها.

وكما هي العادة في المجتمعات السياسية الحية، تجسد الصوت الأمريكي المعارض في حدثين سياسيين أمريكيين داخليين بالغي الاهمية:
1- تقرير بيكر هاميلتون.
2- انتخابات مجلس النواب ومجلس الشيوخ، اللذين تحولت الاغلبية فيهما من الجمهوريين الى الديمقراطيين.

لقد كان العنوان المشترك لهذين الحدثين هو الفشل الأمريكي في العراق، والبحث عن استراتيجية جديدة للخروج بشرف من الرمال العراقية المتحركة.

وبما ان خريطة “الشرق الاوسط الجديد” قد رسمت في دوائر المحافظين الجدد بناء على نصر أمريكي مفترض في العراق، وبما ان هذا النصر المفترض قد تبخر في الهواء نهائياً وعلناً الآن، فمن البديهي ان كل ما بني على هذا النصر المفترض، قد دقت ساعة سحبه من الاسواق: أسواق الدعاية، واسواق السياسة. ولكن، بما أن الأحداث السياسية تستغرق أشهراً لتظهر، وأشهراً أخرى لتختفي، مع آثارها الجانبية، فإننا نشهد الآن في المنطقة العربية، النزع الأخير “للشرق الأوسط الجديد”، بعد ان كانت رايس تبشرنا في يوليو المنصرم بأننا إنما نشهد مخاض الولادة.

ومع ان شعوب المنطقة في كل البلدان التي تشملها الخريطة الجديدة المفترضة، مثل العراق وفلسطين ولبنان والسودان ستعاني اكثر من سواها المعايشة اليومية لمسيرة “النزع الأخير” هذه، التي قد تستغرق اسابيع او اشهرا، فإن من المفيد في هذا الوقت، مراقبة الخط البياني لخطة انسحاب النفوذ المباشر للمحافظين الجدد الأمريكيين من المنطقة العربية، على لسان الناطق بلسانهم الرئيس الأمريكي جورج بوش، الذي يقتلع الاعلام منه الاعتراف بالحقائق الواقعية للموقف (بعد ان ظل ينكرها سنوات ثلاث ونيف) كما يقتلع طبيب الاسنان الضرس من فم مريضه. لكن المهم ان نلاحظ، ان ما يصر الرئيس بوش على إنكاره اليوم، ما يلبث ان يعترف به غدا، وهكذا دواليك.

تبدو مراقبة هذه المسيرة مسلية لمن يراقب من بعيد، أما شعوب البلدان العربية التي تتم على ارضها عملية المد والجزر التاريخية المؤلمة هذه، فليس امامها الا التمسك بوحدتها الوطنية، انتظارا ليوم الفرج، فهي وحدها العنصر الثابت، في دوامة هذه الامواج العاتية الصاخبة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018