النفاق الديموقراطي على الطريقة الأميركية../ طلال سلمان

في المسافة القصيرة الفاصلة بين لبنان وفلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي يتبدى الرياء الأميركي أساساً والغربي عموماً، مكشوفاً، ومثقلاً بغرور القوة والاستخفاف بعقول الناس.

وإذا كان ممكناً تمويه الموقف الأميركي والغربي من الحكومة البتراء في لبنان بادعاء مساندة الديموقراطية، انطلاقاً من أن هذه الحكومة تحظى بدعم الأكثرية النيابية، فإن الموقف المعكوس المتخذ من حكومة الأكثرية النيابية في فلسطين يفضح المخادعة ويكشف الغرض.

في الحالين فإن الديموقراطية واحترام إرادة الأكثرية لا يدخلان في حساب الإدارة الأميركية والغرب عموماً عند الحديث عن العرب، إجمالاً... إلا متى أمكن استخدام الشعار كسلاح في مواجهة الطموح إلى التحرر من الهيمنة الأجنبية، وتأكيد القرار الوطني المستقل.

فليس سراً أن الضغوط الغربية هي التي منعت وما تزال تمنع إعادة صياغة الحكومة في لبنان بما يعزز منعتها الوطنية وقدرتها على الإنجاز... ولا نعرف تجارب «ديموقراطية» كثيرة تمتنع فيها «الأكثرية» عن قبول «المعارضة» شريكاً كاملاً في حكومة تواجه مهمات ثقيلة بينها إزالة آثار الحرب الإسرائيلية، وتدعيم الاستقرار الداخلي لتعزيز الإنتاج وتعويض الخسائر الاقتصادية الفادحة، في بلد مثقل بالديون.

ففي بلاد الله «تتواطأ» الأكثرية على المعارضة لتستدرجها إلى المشاركة في الحكم، وبالتالي تتوزع معها المسؤولية، نجاحاً أو فشلاً، حتى لا تتحمّل وحدها هذا العبء الثقيل... فكيف بأن تضيف إليه الانقسام الداخلي المتمادي الذي يتجاوز بخطره الرئاسات والحكومات والنيابات ليهدد وحدة البلاد وكيانها السياسي جميعاً!

في المقابل فإن هذا الغرب بقيادة الإدارة الأميركية يحارب بكل قوته حكومة السلطة الفلسطينية (تحت الاحتلال)، وهي قد وصلت بالانتخابات الديموقراطية المباشرة، وتحت إشراف دولي صارم، كان للأميركيين ممثلين بالرئيس السابق جيمي كارتر دور بارز فيه.

في لبنان تحاصر الإدارة الأميركية ومعها الغرب كله تقريباً، بمن في ذلك حملة لواء الاشتراكية الدولية، الحكومة البتراء، فتمنع تعديلها لإشراك «حلفاء» ـ باتوا الآن «سابقين» ـ ما كان ممكناً من دونهم أن تدعي لنفسها الأكثرية لا في المجلس النيابي ولا في المقاعد الوزارية...

وهكذا فهي تتسبّب في إدامة هذا الوضع المأزوم، وتتسبّب بالتالي في دفعه في اتجاهات خطرة تتجلى في الانشقاق الواسع والآخذ في النزول عميقاً في تربة تفتقر أصلاً إلى التماسك، بما يتهدد وحدة البلاد الوطنية واستطراداً كيانها السياسي، بشروخ تؤثر على استمراريته فضلاً عن استقراره.
وبديهي والحال هذه أن يكون منطق أصحاب الحكومة «انقلابيا»: لدينا الأكثرية وسنحكم بها! نحن الآن لا نعترف برئيس الجمهورية (وقد كانوا يعترفون به بل ويجتمعون برئاسته إلى ما قبل شهر).. ولا نعترف بالمعارضة (برغم قوتها التمثيلية التي عبّرت عن نفسها بالتظاهرات التي لم يعرف لبنان مثيلاً لحشودها)، وسنحكم بكثرتنا في المجلس النيابي (برغم أنف رئيسه، إذا ما حاول المعاندة، ووقف في طريق مشروعنا... أولسنا الأكثرية النيابية؟!).

أما في فلسطين تحت الاحتلال، حيث الوضع معكوساً، إذ أن الحكومة تحظى بالأكثرية في المجلس التشريعي، فإن الإدارة الأميركية ومعها الغرب كله، قد أعلنوا حصاراً مدمراً على الشعب الفلسطيني، تجاوز احتقار إرادته إلى حد تجويعه وإذلاله بلقمة عيشه، وانحازوا إلى «الرئيس» في مشروعه الانقلابي (المرجأ)... وها هو المسوّق الأول للسياسة الأميركية (هل نضيف: الإسرائيلية)، رئيس الحكومة البريطانية طوني بلير يزور رام الله محرضاً! وبديهي أن يشاركه رئيس الحكومة الإسرائيلية هذا التحريض على الحكومة المنتخبة التي اكتشفوا، بعد فوز أعضائها بثقة شعبها أنهم «إرهابيون».
على أن نكتة الموسم هي تلك التي لا يتعب من تردادها إيهود أولمرت والتي خلاصتها منع المعارضة من إسقاط الحكومة الديموقراطية في لبنان.

أما النكتة البريطانية الجديدة التي أطلقها طوني بلير فتتمثل في حديثه عن «إطلاق مبادرة جديدة لعملية السلام في الشرق الأوسط تؤدي إلى حل قائم على دولتين مستقلتين».
إنه النفاق مكشوفاً، صريحاً، مباشراً إلى حد الجرح.

... فماذا سيستطيع «الساحر» عمرو موسى أن ينجز اليوم في بيروت... اللهم إلا إذا كان قد حمل معه من القاهرة والرياض «كلمة السر» التي يفتح بها الأبواب المغلقة على الخطر المصيري الكامن للبنانيين جميعاً، حكومة ومعارضة ومواطنين ينامون في أحضان القلق ويستفيقون على شبح الخوف من الغد.


"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018