حتى لا يضيع النصر../ خالد حدادة**

عندما حدد الحزب الشيوعي اللبناني، موقفه من عملية أسر الجنديين الأسيرين، حدد موقعه في صلب عملية المواجهة. لم ينطلق من حسابات آنية لموازين القوى وعمل بامكانياته، على ضعفها، في مجالات المواجهة العسكرية وبكل قواه في مجالات التصدي، السياسي (داخليا وخارجيا)، وكذلك في مجال احتضان أهلنا النازحين (وذلك في كل المناطق اللبنانية وليس في منطقة محددة). ولم يسأل الحزب في موقفه هذا عن احتمالات نجاح العدوان، وهي احتمالات كبيرة من وجهة النظر العسكرية البحتة.

ليست المسألة في الاقرار الضمني بحتمية الهزيمة في مواجهة عدو متفوق عسكريا، رغم ان نجاح العدو لن يكون مستهجنا بقدر ما سيكون فشله العسكري مستغربا. بل المسألة هي في معرفة الموقف السليم في اللحظة المناسبة. وبالنسبة لنا، فإن نجاح العدو في التقدم العسكري لن يكون سوى مناسبة يجدد فيها شعبنا حقه في المقاومة ويحتفظ بمنهجها ودروبها مانعا عن العدو، التنعم مرة جديدة في «فرحة» الاستسلام التي عوّده عليها النظام الرسمي العربي، مهزوما او منتصرا. أما احتمال فشل العدو فيعطي لبنان المقاوم بصموده القدرة على التأسيس مرة جديدة بعد عامي 1982 و2000 لاحتمالات انتصار قادم، لبنانيا وعربيا، يحققه تكوّن العامل الذاتي الملتزم بالمقاومة من جهة، والحامل لهمّ التغيير من جهة ثانية (...).

إن الصمود الحالي، الذي له مضمون الانتصار، ليس الأول في لبنان، فعصر «الانتصارات» اللبنانية بدأ منذ عام 1982 عند اطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية». وفي صمود بيروت وربما قبل ذلك. فالمقاومة هي التي حررت بيروت، وكانت أساسا في تحرير الجبل والقسم الرئيسي من الجنوب حتى الليطاني، وكانت يومها بقيادة يسارية بالأساس. واستكملت «المقاومة الإسلامية» تحرير معظم الأراضي سنة .2000 ولكن أين هي نتائج هذه الانتصارات؟؟

إن غرق اطراف المقاومة الأساسيين في منطق «المحاصصة» هو الذي أضاع تلك الانتصارات، وفك ارتباط التحرير بعملية التغيير الديموقراطي في الداخل، وساهم مع قوى النظام الأخرى (وبالتوافق معها!) في قمع آليات التغيير الديموقراطي عبر الانجراف في تطبيق الطائف (حمّال الأوجه) بالاتجاه التحاصصي الطائفي، وبرعاية سوريا واحتضانها لقوى هذه المحاصصة.

وما جرى في انتخابات عام ,2005 وكذلك في تشكيل الحكومة الحالية، دليل على ان روحية «التحاصص» لا تزال متمكنة حتى داخل «المقاومة الإسلامية»، وحتى اليوم مع اطلاق شعار «حكومة الوحدة الوطنية»، بإضافة كمية لما ينقصها من تمثيل على المستوى المسيحي بشكل خاص (وهو نقص حقيقي لا يعكس موازين القوى داخل الطوائف المسيحية). حتى هذا الشعار الملتزم شرط «الديموقراطية التوافقية» (كتسمية ملطفة لمنطق المحاصصة)، هو مؤشر لاستمرار تحكم المنطق اللبناني التحاصصي في التعاطي الداخلي لـ«حزب الله» وبعض حلفائه.

نحن نعتقد منذ ما قبل اليوم الأول للمواجهات بكثير، ان هذه الحكومة عاجزة وأثبتت عجزها الذي لامس التواطؤ والتآمر خلال المواجهات الأخيرة. ولكن الذي أثبت عجزها في هذه المواجهات هو النظام الطائفي نفسه الذي استحق بامتياز لقب «قابر الانتصارات»، ومجهض احتمالات تثمير الانتصار على العدو. ولذلك لم يعد كافيا شعار «حكومة الاتحاد الوطني» بما يعني تجميعا كميا للأكثر تمثيلا في الطوائف، بل أصبح ملحا الحاح استمرار منطق المقاومة نفسه، طرح بنية النظام اللبناني وخلق آلية فعلية للتغيير الديمــوقراطي، الذي اصبح وحده ضامنا لاستمرار الكيــان اللبــناني ولبناء اسس الانتماء الوطنــي بديلا للانتماءات ما قبل الوطنية.

وفي هذا الاطار ايضا، من الضروري، عدم التقليل من قصور تكوين المقاومة الحالي عن تشكيل اساس تأطير وطني. فالسنّة الحذرون اليوم من المقاومة، وكذلك الدروز، كانوا بمعظمهم من الملتفين حول المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، ولكن الالتباس في الانتماء (الطائفي والوطني) لتشكيلاتهم السياسية، والانتماء الطائفي للمقاومة (بخلاف وظيفتها الوطنية) عوامل تصعّب امكانية الالتفاف حول المقاومة بشكلها الراهن، ولذلك اصبح ملحا البحث المشترك بين كل قوى المقاومة (اسلامييها ويسارييها وغيرهم) عن إطار وطني للمقاومة، يقرب بين الشكل والمضمون الوطني لدورها (...).

إن ما يبرر التركيز على هذا الطابع، هو القناعة الراسخة المتولدة عند الكاتبين عبد الأمير الركابي وناهض حتر والمبنية على سلسلة من الوقائع التي جرت خلال أيام المواجهة، وبشكل خاص المبنية على الوظيفة الوطنية والقومية لهذه المواجهات ونتائجها المرتقبة على مستوى مواجهة مشروع الشرق الأوسط الجديد، في ابعاده الفلسطينية، والعراقية، والسورية، وعلى المستوى العربي العام. هذه القناعة التي تؤكد «عروبة حزب الله» ودوره في تكوين قناعة عامة مرتكزة على:

أ ـ ضرب أسس استراتيجية صدام الهلال الشيعي مع الحالة العربية.
ب ـ ضرورة انخراط الشيعة بالمشروع العربي كأساس، في بناء مفهوم جديد لقومية عربية ديموقراطية متجددة وقائمة على التنوع.
ج ـ الضعف الموضوعي لامكانيات الهيمنة الايرانية على لبنان والعالم العربي، ليس بسبب البعد الجغرافي تحديدا، بل كنتيجة لطبيعة النظام الايراني وأولوياته. (...)

ولكن ما يثير النقاش ان هذا النفس التقدمي والعروبي عند الكاتبين لا يمنعهما من استسهال اعادة الخلط بين مفهومي «العروبة» و«الأسلمة» عندما يتمنيان تأسيس «وحدة اسلامية تكرس الهلال الشيعي بالفعل في قلب (القمر السني)». ان مفهوما جديدا للعروبة، مفهوم العروبة التقدمية الديموقراطية القائمة على التنوع واحترام خصوصيات هذا التنوع، الدينية والقومية، والمتعاطي مع الوقائع والقيم التي خلقتها الكيانات الوطنية في القرن الماضي، وحده يؤسس لمواجهة المشروع الأميركي الجديد القائم ليس فقط على ضرب المفهوم التقليدي لـ«الوحدة العربية»، بل ايضا على ضرب امكانيات خلق أطر جديدة لتكامل عربي سياسي واقتصادي يؤسس لمفهوم ديموقراطي للعروبة، وذلك عبر السعي الأميركي الدموي لضرب أسس وقيم الكيانات الوطنية القائمة وإعادة تشكيلها.

وفي هذا المجال، نذكر تركيز حزبنا، على استعداد الأنظمة العربية المتواطئة لارتكاب فعل الخيانة الوطنية حتى بحق كياناتها الوطنية الحالية تلبية لمصالحها الخاصة ولمصلحة المشروع الأميركي. وهذا ما يفسر موقف بعض العرب في بداية الاعتداءات الأميركية ـ الإسرائيلية على لبنان واحتضان الإدارة الأميركية لهم من خلال تشكيل «جبهة المعتدلين» التي تعبّر عن انتقال مستوى التواطؤ مع العدو وليس فقط مع واشنطن، الى درجة غير مسبوقة. وهذا ما يضع في زاوية الاتهام اقطاب التحالف الطائفي ـ الطبقي المسيطر في لبنان، ويفضح زيف وهشاشة تكراره لشعارات الحرية والسيادة والاستقلال، إذ كيف يمكن رفع هذه الشعارات من جهة، ومن جهة أخرى «التواطؤ» المستور والمعلن مع «رايس» ومشروع الشرق الأوسط الجديد المهدد ليس لانتماء لبنان العربي، بل لكيانه الوطني نظرا لارتكاز هذا المشروع على اعادة النظر بالكيانات الوطنية القائمة تفكيكا وتركيبا وتقسيما مع ما يكلف ذلك من دماء، لم تستطع ورقة تين «الديموقراطية الأميركية» ان تخفيها في العراق عبر انكشاف إبادة 5,2٪ من الشعب العراقي بفعل الاحتلال ونتائجه، مما يستدعي من كل العرب صياغة آلية عالمية لمحاكمة الإدارة الأميركية وشركائها بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

إن مواجهة شاملة وواسعة كالتي يفترضها الكاتبان، تستدعي بحق تفاعلا وحوارا جديا بين اطراف المواجهة العربية (ذات البعد الجماهيري وليس بعض الأجهزة والعصابات الإرهابية) مهما كان انتماؤها الفكري وبشكل خاص اطراف المواجهة الاسلامية والقومية واليسارية لحوار وتفاعل حقيقي حول آفاق المواجهة والمشروع السياسي ـ الاقتصادي البديل في كل بلد عربي، وعلى آلمستوى العربي الشامل.

إن هذا الحوار لا يستدعي تخلي المقاومة الإسلامية عن بعدها الإسلامي، بل يتطلب منها الاعتراف، بحقيقة تنوع التكوين العربي (واللبناني بخاصة) ما يجعلها غير قادرة على تثمير الانتصار العسكري وغير كافية لبناء مشروع حضاري للمستقبل العربي واللبناني بخاصة. إن الحاجة لكل طرف من أطراف المواجهة (رغم اختلال ميزان الامكانيات والدعم حاليا) تؤكدهــا ضــرورة وامكانية صياغة وظيفة وطنية (وقــومية) لهـا تغــتني بـتنوعها.

وفي هذا الإطار، أكد الحزب خلال المواجهات وفي أولى استنتاجاته عنها تعامله مع المقاومة الإسلامية انطلاقا من ضرورة تحالفه معها في معادلة، على الشيوعيين الابداع كل في موقعه لمحاولة تجسيدها بشكل واضح: «تحالف من دون تبعية وتمايز من دون صدام» (...).



"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018