اتساع غير مسبوق للتداخلات الخارجية ولتشابك الوساطات والادوار في لبنان../ إيلين عيسى

ليست التدخلات الخارجية بالامر الجديد في لبنان، الذي حفل تاريخه الحديث بالامثلة التي لا تعد ‏ولا تحصى من التدخلات والوصايات والمحاور. لكن الامر غير المسبوق هو بلوغ هذه التداخلات هذا ‏الحجم من الاتساع، بحيث باتت الساحة اللبنانية اشبه بحلبة مفتوحة على كل النزاعات ‏الدولية والاقليمية ومكانا لاختبار النفوذ او لمحاولة استعادة مجد ولى. وبعدما بدا ان ‏الاحداث التي توالت منذ مطلع العام 2005، وبينها الانسحاب السوري من لبنان، تتجه صوب ‏تحييد هذا البلد عن الصراعات الاقليمية بدعم دولي، يظهر الان ان هذه الاحداث كانت في ‏الواقع بداية لعملية تدويل وتعريب واقلمة (من اقليمي) كبيرة ومفتوحة.‏

فالى الدور الاميركي الذي كان على الدوام «بيضة القبان» عند الاستحقاقات اللبنانية ‏الكبرى، حتى عندما تم تلزيم لبنان اميركيا لسوريا، اضيف الدور الاوروبي المتعاظم، خصوصا عبر ‏فرنسا ورئيسها الحالي جاك شيراك الذي انخرط في الملف اللبناني في شكل بارز، علما بأن الدور ‏الفرنسي كان اساسيا في مراحل مهمة سابقة في تاريخ لبنان. ولكن الانخراط الفرنسي الحالي ‏استتبعه انخراط اوروبي، تجلى في اقصى مظاهره في «القوات الدولية» التي يقوم عمودها ‏الفقري وقيادتها على القوات المسلحة الاوروبية، بعدما اصبح الاتحاد الاوروبي فارضا نفسه ‏كقوة ثانية وربما موازية للولايات المتحدة على الحلبات الدولية، وخصوصا ان اميركا فقدت ‏الكثير من صدقيتها في منطقة الشرق الاوسط، حيث تناصبها العداء دول وجهات عدة. وقد اتسع ‏الدور الاوروبي ليطال مثلا دولا كالمانيا، كانت مشاركتها في قوات «اليونيفيل» هي التدخل ‏الاول لها في المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية. ويغطي هذين الدورين الاميركي والاوروبي ‏مظلة الامم المتحدة التي اصبح دورها يسمح لها بالتدخل في اي مكان في العالم لحل النزاعات ‏وحفظ السلام وما سوى ذلك من المهمات التي اتسعت وتشعبت.‏

اما اقليميا، فقد ارتبط الصراع الداخلي في لبنان في شكل وثيق بالملفين الايراني والسوري، ‏وهو ارتباط لم يغب في السابق، لكن طغيان الملف الايراني بات حاسما، واصبحت المسألة ‏النووية والصراع حولها يترجمان في لبنان وكذلك الصراع حول المحكمة الدولية الذي يعني سوريا ‏في شكل اساسي. واتخذت طبيعة النزاع الداخلي، الذي يظهر فيه الجانب المذهبي، ابعادا عربية ‏في اطار النزاع السني - الشيعي الذي يتجلى في العراق والمحاور التي تدور في فلكه من ايران ‏وما تمثله من دولة شيعية تطمح الى ان تصبح قوة اقليمية كبرى. الى السعودية الدولة ‏السنية الكبرى ومصر وما لها من مصالح وشؤون في كل ذلك. وانطلاقا من ذلك تشعبت التداخلات ‏الخارجية الى درجة غدت معها الساحة اللبنانية ساحة للصراع الدولي - الاقليمي والعربي - ‏الاقليمي وصراع النفوذ السني - الشيعي مع ما يرافق ذلك من مصالح دولية وعربية ومحلية ‏مختلفة ومتنوعة.‏

حتى ان اتساع تشابك المصالح في الداخل اللبناني جعل دولا كروسيا مثلا، بعدما فقدت موقعها ‏كدولة عظمى وكتركيا، تسعيان الى القيام بدور في الشرق الاوسط عبر البوابة اللبنانية ‏المفتوحة.‏

فروسيا التي تسعى الى استعادة متانة لها كدولة عظمى سابقا، تراعي المصالح الاميركية حينا ‏وتعارضها حينا آخر كمدخل لحفظ موقع لها كلاعب دولي ذي شأن.‏

من هنا كان دعمها لواشنطن في حربها ضد افغانستان، ثم معارضتها الحرب على العراق. ومن ‏هنا تحاول الدخول على الخط اللبناني عبر موقعها في مجلس الامن وموقفها ازاء مشروع المحكمة ‏الدولية. وهي حاولت القيام بدور ما على الخط اللبناني - السوري بعدما استقبلت تباعا ‏رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة ثم الرئيس السوري بشار الاسد، كما انها صوتت في ‏الملف الايراني على العقوبات ضد ايران ولكنها بعدما اسهمت في ادخال تعديلات على القرار ‏خففت من مفاعيله.‏

اما تركيا، التي يصل رئيس وزرائها رجب طيب اردوغان الى بيروت الاربعاء المقبل، فتحاول ‏ايضا عبر لبنان تحديد دورها الاقليمي وطموحها الاوروبي. وبعدما شاركت في القوات الدولية، ‏في اول تدخل لها في لبنان منذ هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية، تسعى الى المشاركة ‏في الوساطات القائمة حول الصراع الداخلي اللبناني، وتحديدا في مسألة المحكمة الدولية التي ‏تعثرت مع استقالة الوزراء الشيعة، حيث يقوم مسعى دولي - اقليمي لايجاد مخرج لموضوع المحكمة ‏قبل ان تصل الامور الى اللجوء الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، وهو ما عبرت عنه ‏فرنسا في شكل غير مباشر.‏

ومن المتوقع ايضا، في موازاة التحرك الروسي - التركي، ان يصل الى بيروت في الايام المقبلة ‏وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي للمساهمة في المشاورات الجارية للتوصل الى تسوية ما. ‏وقد تمهد كل هذه الاتصالات لعودة الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى لبيروت اذا ‏ما نضجت شروط التسوية على الصعيد الاقليمي قبل المحلي.‏


"الديار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018