البحث عن حل داخلي للازمة../ نزار عبد القادر

لا يبدو ان هناك اية بوادر أمل بانتهاء أزمة الاعتصام في وسط المدينة في المستقبل القريب ‏بعد انتهاء الوساطة العربية التي قادها السيد عمرو موسى الى فشل غير معلن، استطاع الامين ‏العام تمويهه من خلال الحديث على ابقاء مبادرته مفتوحة بانتظار ردود فعل افرقاء الازمة ‏على مختلف عناصر الحل الذي اقترحه.‏

لقد اظهرت مهمة عمرو موسى في شقها العربي ان حل الازمة لا يرتبط فقط بارادة فريقي ‏الحكومة والمعارض بل يتعداهما الى دمشق والرياض وطهران، دون تجاهل البعد الدولي والذي لم ‏يعد يقتصر على موقفي واشنطن وباريس بل يتوسع ليرتبط بالامم المتحدة وبقرارات مجلس الامن ‏وخصوصاً ما يعود لانشاء المحكمة الدولية.‏

نظراً للتباعد الحاصل بين مختلف الاطراف الاقليمية والدولية فان الازمة الداخلية مرشحة ‏للاستمرار لفترة طويلة، اذا ما بقيت على هذا المنسوب من التجاذب الخارجي الذي عطّل كل ‏المساعي الداخلية لتفاهمات الحدود الدنيا على غرار ما كان يجري في الازمات السياسية ‏السابقة. اعتاد اللبنانيون على اعتماد الحلول الموقتة او المسكّنات من اجل تجاوز الازمات ‏السياسية المتكررة، والتي كانت آخرها ازمة اعتكاف الوزراء الشيعة ومقاطعتهم لجلسات مجلس ‏الوزراء بأوامر من حزب الله وأمل وذلك في حركة احتجاجية من اجل تعطيل جلسة اقرار المحكمة ‏الدولية. وانتهت تلك الازمة من خلال اجتهادات «كلامية»، ولكنها لم تؤسس لارضية سياسية ‏توافقية على موضوع انشاء المحكمة الدولية.‏

حصل تفاهم الحد الأدنى على اصلاح التصدع في داخل الحكومة من خلال الابقاء على قنوات الاتصال ‏مفتوحة بين حزب الله وتيار المستقبل وبين رئيس المجلس النيابي والحكومة. لكن يبدو ان ‏تداعيات الحرب وما خلفته من الشك والريبة قد نسفت كل جسور التواصل وبددت كل اجواء ‏الثقة بين حزب الله وتيار المستقبل واللقاء الديموقراطي. وظهّرت الحملات التي شنّها تلفزيون ‏المنار ان ازمة الثقة بين الطرفين تتعدى الخلاف السياسي الداخلي الى مسلسل من الاتهامات ‏المتبادلة بالتآمر والارتهان للخارج، ولو كان ذلك على حساب القيم الاخلاقية والوطنية.‏

نحن نرى ان الازمة الراهنة تشكل عودة بلبنان ليكون ساحة للنزاعات نيابة عن اطراف ‏عربية ودولية، وان الفارق الوحيد بين خلافات الامس والخلاف الراهن يتركز في استبدال ‏الانقسامات الطائفية بانقسام مذهبي بين السنة والشيعة، وهو آخذ في التعمق بشكل خطير ‏خصوصا وانه يجري على خلفية المد الايراني باتجاه الدول العربية وعلى خلفية توسع الحرب ‏المذهبية في العراق.‏

اعتقد اللبنانيون بأن الانسحاب السوري من لبنان قد قلب صفحة هامة، بحيث توهموا انهم ‏قادمون على فترة من الاستقرار السياسي التي ستفتح امامهم الباب لتطبيق اتفاق الطائف ‏وتطوير الصيغة السياسية القائمة، لكن سرعان ما عاد الاستقطاب الخارجي الى شق صفوفهم ‏وتوسيع الانقسامات التقليدية بينهم. ان الاوضاع المتأزمة الراهنة تنذر بالشؤم اكثر من ‏سابقاتها، حيث كنا في السابق نجرّ اللاعبين العرب والاجانب نحو نزاعاتنا المحلية، بينما نحن ‏نخضع الآن لاستقطاب وجاذبية القوى الخارجية، وهذا ما نشهده اليوم حيث ان حالة الاستقطاب ‏هذه تدفعنا للتستر عليها من خلال رفع شعارات داخلية كحكومة وحدة وطنية وثلث معطل او ‏ضامن بينما العناوين الحقيقية هي في المحكمة الدولية التي لا تريدها سوريا، او في الاتيان ‏برئيس جديد للجمهورية يضمن استمرار النفوذ السوري والايراني في لبنان، او الدعوة ‏لانتخابات مبكرة تنقلب فيها الاكثرية الى اقلية والمعارضة بقيادة حزب الله الى اكثرية. لا ‏مانع اذا حدث مثل هذا التطور في المشهد السياسي بصورة ديموقراطية، لكن ما هو غير مسموح ‏به ان يدفع البلد الى أزمة سياسية كالتي نشهدها اليوم، والتي لا بدّ وان تنتهي بعاصفة ‏مدمرة.‏

نحن بأمسّ الحاجة اليوم للقاء لتفويت هبوب العاصفة التي بدأت تتجمع منذ القاء الرئيس ‏الاسد خطابه الشهير على مدرّج جامعة دمشق، والذي اعلن فيه الحرب على الحكومة اللبنانية ‏الراهنة وعلى الأكثرية الداعمة لها. تستدعي هذه المهمة «شبه المستحيلة» لقرار حكيم ‏تتخذه كل القيادات السياسية بالعودة الى الاجواء الطبيعية من اجل فتح الابواب لحوار ‏عاقل وبنّاء، حول جميع العناوين التي تضمنتها ثوابت بكركي.‏

ان خلاص لبنان يرتبط بصورة اساسية بمشروع قيام دولة قادرة وعادلة، ويدرك الجميع ان هذه ‏المهمة ليست سهلة، بل هي بحاجة ماسة الى مساندة اقتصادية ومؤسساتية من المجتمع الدولي، ولا ‏يمكن ان تتأمن هذه المساندة في ظل لبنان المستقطب خارجياً، او الدولة المتنازع عليها ‏داخلياً.‏

هناك استحقاق اساسي قريب، يشكل خطوة مصيرية في مشروع نهوض الدولة اقتصادياً، ويتمثل هذا ‏الاستحقاق بمؤتمر باريس 3 الذي يجري الاعداد لانعقاده في الاسبوع الاخير من كانون الثاني ‏المقبل. يجب ان يشكل هذا الاستحقاق عاملاً مسهّلاً لحوار جديد بين الحكومة والمعارضة، وذلك ‏انطلاقاً من شعور الجميع بالمسؤولية بأن الكساد الاقتصادي وافلاس الدولة، وامكانية تدهور ‏النقد ستشكل مجتمعة كارثة اقتصادية واجتماعية لن يكون اي فريق بمنأى عنها.‏

تتوقف امكانية ايجاد مخارج للازمة الراهنة على قدرة الطرفين على العودة الى قدر مقبول من ‏العقلانية السياسية لوقف هذا السيل من التجاذبات والمهاترات السياسية كخطوة اولى على ‏طريق استعادة الحشمة الى الخطاب السياسي، على ان تتبعها خطوات أخرى ابرزها:‏

‏1- دعوة من رئيس المجلس النيابي الى رؤساء الكتل النيابية لجلسة مشاورات من اجل وضع ‏روزنامة سياسية تحدد جدول الاولويات لكل الاستحقاقات التي اصبحت معروفة والتي تشكل مجموع ‏المطالب المطروحة.‏
‏2- دعوة المجلس النيابي (بعد فتح دورة استثنائية) لاقرار هذه الروزنامة وفق الجدول ‏الزمني الموضوع لها.‏
‏3- يفترض في حال التوافق على اجتماع رؤساء الكتل النيابية ان يصدر عن رئاسة الجمهورية ‏بياناً يؤكد فيه الرئيس لحود عن استعداده لقبول ما يتقرر، وان يتعاون من اجل تسهيل ‏عمل المجلس سواء لجهة فتح دورة استثنائية او لجهة توقيع اية مراسيم تساعد في الخروج من ‏الازمة الراهنة، وان يصرح باستعداده للقبول باجراء انتخابات رئاسية مبكرة.‏
‏4- تجمّد الحكومة ومعها الاكثرية كل القرارات العائدة للمحكمة الدولية الى حين التوافق ‏على الروزنامة، والتي سيكون بند انشاء المحكمة احد بنودها الرئيسية.‏
‏5- يجب ان تعلن جميع القوى السياسية عن دعمها لانعقاد مؤتمر باريس 3، وعلى اساس ان ذلك ‏يمثل مصلحة وطنية عليا، لارتباطه بمعالحة الدين العام ودعم النقد وانعاش الاقتصاد هذا هو ‏التحدي الكبير الذي ينتظر الجميع، فان هم احجموا فإن العاصفة قادمة لا محالة.‏


"الديار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018