ظاهرة ازدواجية المعايير في السياسة الأميركية../ د.نسرين مراد*

لا يخفى على مطّلع أو غافل أن هنالك أكثر من مكيال تكيل بها الإدارة الأميركية في التعامل مع أطراف القضايا الخارجية والأزمات الدولية القديمة والحديثة والمستجدة!. تصر الإدارة الأميركية على إيجاد جهة لدى الأطراف المعنية على شكل فئة أو حزب سياسي أو حتى زمرة صغيرة العدد للتحاور والتخاطب معها، وإن تطلّب الأمر إيجاد شخص واحد على شكل ألعوبة أو دمية تضع فيه بعضاً من سلطانها وتجمع حوله مجموعة من المنتفعين بشكل أو بآخر.

عانت دولة كوبا التي يعد سكانها بعشرات الملايين، من الحصار الاقتصادي والتهديد العسكري والتدخل في الشؤون الداخلية على مدى عقود من الزمن. تصر الإدارات الأميركية المتعاقبة على رفض التعامل مع نظام فيدل كاسترو الحاكم وأنصاره من شعبه الذين يمثلون الأغلبية، وتؤثر التخاطب مع مجموعة من المعارضين أو المنشقين أو الباحثين عن الرفاه الاجتماعي بشكل أو بآخر داخل الولايات المتحدة.

بسبب ازدواجية المعايير المتبعة لم تتمكن الإدارات الأميركية المتعاقبة من إيجاد صيغة لتوفير الحد الأدنى من التفاهم والتعايش بين الكوبيين المعارضين والموالين للنظام الحاكم. أصبح معظم الكوبيين يعاملون كما لو كانوا نُسخاً طبق الأصل مستنسخة عن الرئيس الكوبي فيدل كاسترو، الذي يمثل شيطاناً ثابتاً في مخيلة الساسة الأميركيين.

أخذت قضية فلسطين أو ما تعرف دولياً بقضية «الشرق الأوسط» القسط الأوفر من نحس ظاهرة ازدواجية المعايير الأميركية في التعامل مع الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. ربطت الإدارة الأميركية رضاها عن الفلسطينيين بمقدار خنوعهم وخضوعهم للاحتلال الإسرائيلي وطبيعته العدوانية الهمجية.

لم تعارض الإدارة الأميركية تولي متطرفين إسرائيليين من حزبي الليكود و«كاديما» شديدي التطرف الديني والسياسي الحكم في إسرائيل، في حين تقطع كافة المساعدات الحيوية عن الشعب والسلطة الفلسطينيين بُعيد وصول حركة حماس إلى السلطة عقب انتخابات نزيهة وشفافة.

على أرض الواقع أدت سياسة الكيل بمكيالين للإدارات الأميركية المتعاقبة إلى تشجيع الطرف الإسرائيلي على التعامل مع الفلسطينيين كما لو كانوا «هنود حمر» فلسطين التاريخية. استبيحت كل فلسطين بما فيها من شعب وتاريخ وحضارة ومقدسات أمام الاستيطان الصهيوني العنصري الفاشي؛ الآن لم يبق للفلسطينيين في أرضهم سوى أمكنة للفيء وراء جدران الخرسانة الأمنية العنصرية العازلة.

في العراق تبدو ظاهرة ازدواجية المعايير بشكل صارخ وتؤدي حتماً إلى حدوث انقسامات خطيرة في المجتمع تفضي إلى حروب طائفية وأهلية تصب أولاً وأخيراً في مصلحة بقاء الاحتلال جاثماً على أرض وخيرات ومقدرات وطاقات العراق المادية والبشرية.

ترفض الإدارة الأميركية التفاوض أو التخاطب مع المقاومة العراقية المشروعة ضد الاحتلال والتي سرعان ما أصبحت أمراً واقعاً ومنذ اليوم الأول للاحتلال الأنجلوـ أميركي. تفضل الإدارة الأميركية السير وراء الطريقة التقليدية الاستعمارية في البحث عن فئات على شكل دمى للتخاطب معها، كما لو كانت تتخاطب مع صورة نفسها في المرآة، غير مبالية بمصالح ومبادئ ومفاهيم وثقافات وتطلعات الشعوب الأخرى المشروعة.

في الملف الإيراني تغلق الإدارة الأميركية كافة قنوات الاتصال والتخاطب مع الحكومة الشرعية في إيران وتفضل البحث عن فريق ثالث إما محلي أو دولي للمساعدة في تنفيذ مطالب الإدارة الأميركية التي في نتيجتها تخدم المصالح الأميركية، الحيوية منها وغير الحيوية.

في قضية الملف النووي الإيراني السلمي تصر الإدارة الأميركية على اعتباره برنامجاً يشكل خطراً على السلم الإقليمي والدولي معاً، هذا في الوقت الذي تغض فيه الطرف عن برامج أكثر خطورة وبشكل صارخ كبرامج الأسلحة النووية الهندية والباكستانية والإسرائيلية.

هنا تبدو ازدواجية المعايير محفزة بعوامل سياسية أكثر من كونها تشكل تهديداً حقيقياً للأمن والسلم الدوليين. في الوقت الذي تفتح إيران، الموقعة على اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية، تفتح مؤسساتها النووية لتفتيش اللجان الدولية المنبثقة عن لجنة الطاقة الدولية تزيد إسرائيل من حجم ترسانتها النووية ونشاطها السري النووي؛ هذا علماً بأن إسرائيل غير موقعة على معاهدة حظر انتشار السلاح النووي.

في شبه الجزيرة الكورية أجبرت سياسة ازدواجية المعايير الأميركية بين الكوريتين الشمالية والجنوبية إلى لجوء الأولى إلى تبنّي مشروع تسليحي نووي. تتهم الإدارة الأميركية نظام بيونغ يانغ بتهديد السلم والأمن الإقليميين والدوليين في حين تتغاضى عن ما هو أكثر خطورة في برامج التسليح التقليدي وربما النووي الأميركية لحلفائها على الطرف الآخر.

في الصومال الحديث والذي دمرته الحرب الأهلية تقف الإدارة الأميركية في وجه سلطة المحاكم الناشئة والتي تسيطر على جزء كبير من أراضي الدولة الصومالية، السبب المعلن الآن هو الخشية من تزايد نفوذ تنظيم القاعدة في الصومال. تناصر الإدارة الأميركية الحكومة الانتقالية وتدعم القوات الإثيوبية الغازية بالسياسة والمال والمعلومات العسكرية. لم تفعل الإدارة الأميركية الحالية شيئاً لتقريب وجهات نظر الأطراف المتناحرة لتجنيب المنطقة ويلات الحرب المستمرة منذ عقود وتهدد منطقة القرن الأفريقي بالمزيد من الويلات.

على لبنان تنسحب الأمور كما في الصومال مع فارق في المكان وطبيعة الموقف الديموغرافي. ترفض الإدارة الأميركية الإصغاء إلى رأي المعارضة والتي تضم الآن أكثر من نصف الشعب اللبناني، السبب هو وجود حزب الله على رأس تلك المعارضة. تؤيد الإدارة الأميركية الحكومة الحالية والتي تظن أنها قادرة على ترجمة سياسة الإدارة الأميركية في لبنان كجزء من سياسة تسويق ونشر الديمقراطية الأميركية فيما يعرف بالشرق الأوسط الكبير.

يقف لبنان الآن على مفترق طرق قد تؤدي إحداها إلى نشوب حرب أهلية جديدة وفوضى في المنطقة، توصف من بعض الساسة الأميركيين بأنها من النوع البنّاء. هي نفس الفوضى البنّاءة المتوفرة حالياً في المناطق الفلسطينية الناجمة عن ازدواجية المعايير الأميركية في التعامل مع أقطاب الصراع المستعر أو المفتعل!.

لم يختلف الأمر من قبل على سياسة ازدواجية المعايير الأميركية في السودان. هنالك مكيالان أحدهما للتعامل مع الحكومة المركزية وآخر مع أية حركة أو حزب متمرد ضد الحكومة. كما هو متوقع فإن نتيجة المعايير المزدوجة وتشجيع طرف على الآخر هي الحروب الأهلية والإقليمية وتهديد السلم المحلي والإقليمي والدولي.

في أفغانستان وبعد حوالي خمس سنوات على غزو ذلك البلد المنهك اقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً يستمر الوضع فيه في الهبوط إلى الهاوية. لا تكترث الإدارة الأميركية ببذل أي جهد لتقريب وجهات نظر الأطراف المتخاصمة، ذاك حكومي مرضي عنه أميركياً وذاك تابع لطالبان والقاعدة، الخصمان اللدودان المعلنان للإدارة الأميركية.

تستمر الإدارة الأميركية في تطبيق سياسة ازدواجية المعايير مع الأطراف المتصارعة غاضة الطرف عن الزيادة المطردة في حجم المعاناة والويلات الإنسانية في ذلك البلد الجريح النازف بغزارة.

خلاصة القول فإن سياسة ازدواجية المعايير لم تجلب على الدول الضحايا سوى الويلات والكوارث والفوضى والحروب الأهلية. الآن تصل الأمور إلى الذروة في أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان والصومال والسودان حيث تشرف على الولوج في أتون حروب أهلية وطائفية.

لا يليق بالولايات المتحدة، بجبروتها الاقتصادي والعسكري وتقدمها العلمي والتقني الفريد من نوعه، لا يليق بها أن تظل تتصرف بنفَسٍ إمبريالي إمبراطوري استعماري قديم عفا عليه الزمن.

آن للإدارة الأميركية أن تبحث عن إستراتيجية جديدة قويمة للتعامل مع الشؤون الدولية إذا ما أرادت الاحتفاظ لنفسها بمكان الصدارة والقيادة في المسرح الدولي. يحتاج السلام العادل والدائم في منطقة إلى البحث عن حلول جذرية تراعي حقوق الشعوب والأمم في الأرض والحياة والحرية والازدهار وليس البقاء في حالة تبعية مطلقة للقوى الكبرى بشكل أو بآخر.

بالمقابل على الدول التي اكتوت بنار سياسة ازدواجية المعايير، أو التي عاصرتها أو رأت نتائجها عن بعد، عليها أن تبحث عن بدائل لها تستغني فيها عن التدخل الأميركي الذي يكون لصالح الفئة التي تحفظ أكثر مصالح الولايات المتحدة، بغضِّ النظر عن طبيعة تلك الفئات السياسية والعقائدية والعرقية.


"البيان"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018