إذا مات الأمل اخترعوه../ د.محمد السعيد ادريس

استطاع الدكتور سليم الحص رئيس وزراء لبنان الاسبق ان يجسد أهم معالم “الشخصية الوطنية اللبنانية” التي أبهرت الكثيرين، من العرب وغير العرب، بقدرتها الدائمة والمتفوقة على التجديد وعلى صنع الأمل الذي من دونه يستحيل على الشعوب ان تعيش، لأن الحياة من دون تجديد ومن دون أمل في الجديد تفقد أهم خصائصها التي تعطيها الاستمرارية.

ففي تعليقه على محدودية فرص نجاح مبادرته لحل الأزمة اللبنانية، وهي المبادرة التي تسرّع فؤاد السنيورة رئيس الحكومة اللبنانية في رفضها، طالب الحص اللبنانيين قائلا “كلما مات الأمل اخترعوه”، هو هنا يدرك انه لم يأت بجديد، لكنه يريد فقط ان يستعيد الشعب اللبناني نفسه، وان يسترجع لملمة معالم شخصيته الوطنية ذات القدرة الفائقة على صنع الأمل واختراعه.

عندما قال الحص ذلك لم يكن ينعى مبادرته، بقدر ما تعمد كشف وتعرية الأسباب الحقيقية لتعقد الأزمة اللبنانية، وعلى الأخص منها أن أسبابها الخارجية باتت تفوق اسبابها الداخلية، وان تسرع السنيورة في رفض مبادرة الحص، وتعقيد حال المبادرة العربية التي يتولاها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، لم يكن عن قناعة وطنية، أو حتى عن قناعة خاصة وذاتية، بقدر ما كان يعبر عن حجم الضغوط الخارجية وعمق تغلغل اطراف اقليمية ودولية في أزمة لبنان.

وبقدر ما تعمد الحص تعرية تورط أطراف حكم لبنانية في الانسياق وراء ضغوط أو اغراءات وحوافز خارجية بقدر ما أراد للشعب اللبناني ان يستعيد الامساك بزمام الأمور في بلده، وان يكون هذا الشعب هو السيد الأول والأخير في حسم القضايا الوطنية، وهذه اشارة مهمة اخرى لمآزق مجلس النواب اللبناني وصدامه مع الارادة الوطنية الشعبية المطالبة بالتغيير، فهذا المجلس الذي ترتكز عليه الحكومة اللبنانية وما يعرف الآن ب “تيار الرابع عشر من آذار” لم يعد مؤهلاً لمنح الثقة للحكومة وللأكثرية، بقدر ما أضحى في حاجة ماسة الى الثقة من الشعب، أو حسب قول الرئيس الحص “ان هذا المجلس هو الذي يحتاج الى الثقة، وقد آن أوان امتحانها وتجديدها”.

وليس هناك من مجال لمثل هذا الامتحان أو التجديد غير اجراء انتخابات برلمانية مبكرة تمتحن فيه الحكومة وتيار الأكثرية الحالية نفسيهما، أي العودة الى الشعب لتجديد الثقة، وهنا ستكون للشعب الكلمة الفصل، فإما ان يجدد للاكثرية الحالية الثقة، واما ان ينزع عنها صفة الاكثرية، ويدفع بتوازن سياسي جديد يعبر عن الواقع السياسي الحقيقي في لبنان.

القضية تأخذنا الى فكرة الإنابة نفسها أو التمثيل السياسي عن طريق الانتخابات، إذ ان من قد يتم انتخابه لينوب عن الناس، أو ليمثلهم في البرلمان قد لا يكون عند حسن الظن به بعد انتخابه، وعندها يفقد من الناحية الفعلية شرعية تمثيله لمن ينوب عنهم، رغم انه يبقى من الناحية الرسمية محتفظاً بهذه الشرعية، وهذه هي جوهر الأزمة السياسية الراهنة في الانتخابات، التي باتت تفرض البحث عن وسائل اخرى تكميلية للانتخابات من أجل التعبير عن المواقف الحقيقية للناس في القضايا الوطنية، مثل التظاهرات أو الاعتصامات أو العصيان المدني لإسقاط الحكومة، إذا لم تفلح التظاهرات أو الاضرابات في فرض التغيير والاصلاح، وقد يكون من الأفضل اللجوء الى الانتخابات المبكرة لتحاشي خيار “العصيان المدني”. وإذا كان العصيان المدني لا يجد حتى الآن القبول الكافي، أو انه قد يرتب نتائج أخرى سلبية على الاستقرار السياسي، فإن خيار الانتخابات المبكرة يبقى الاجدر في صنع الأمل واختراعه من أجل انقاذ لبنان والحفاظ على المستقبل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018