القرون الوسطى المعاصرة../ د.أيمن سوسان

خامرني شعور غريب ونحن نستقبل العام السابع من الألفية الثالثة مرده ذلك التناقض الذي يعيشه عالمنا بين ما تحقق من إنجازات حضارية وعلمية، وذلك الانحدار المريع في القيم والمبادئ والأخلاق، فكيف نعيش في عصر النور، عصر الثورة والتكنولوجيا التي وصلت إلى أجيال متقدمة في المعلوماتية بعقلية وروحية وأخلاق عصور الظلام ؟

ومن الغريب والمدهش أن هذا الواقع يتجسّد ويتكرّس في المجتمعات والدول التي حققت هذا التطور الحضاري والإنجاز العلمي الهائل، حيث نشهد ذلك التقهقر الأخلاقي والقيمي في ممارساتها وسياساتها الخارجية وسلوكياتها الداخلية. ولهذا يشهد العالم المزيد من التوترات وتأجيج الصراعات وحروب أسهل ما فيها إشعالها وأصعب شيء فيها إخمادها ووضع نهاية لها مع ما يرافقها من دمار وقتل وإفقار وتشريد للملايين من البشر.

لقد عمد المنظرون والساسة في "تلك الدول المتحضرة" إلى أدلجة سياساتهم وإدراجها في سياق التاريخ الإنساني للبشرية، وتصويرها على أنها صراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الحرية والقمع، بين التسامح والإرهاب، بين الاعتدال والتطرف، فروّجوا لصراع الحضارات، وبما أنه لا يمكن التعايش بين الأضداد فإنه يجب خوض المعركة وتحقيق النصر فيها بأية وسيلة، مع ملاحظة أنهم يمثلون القيم الأولى من الأضداد المذكورة آنفاً، ولا مكان للحياد في هذه المواجهة، فإن لم تكن معنا فأنت السوء كله لأنك ضدنا وبالتالي ضد "العناية الإلهية" التي يدعون العمل بإلهامها.

لم استطع أن أفهم ـ ربما لأنني من العالم الثالث ـ كيف يمكن أن يكونوا حضاريين وهم يتصرفون وفق شريعة الغاب وقانون القوة حيث يأكل القوي الضعيف ويفرض عليه مشيئته. كيف لنا في عصر منطق العلم أن نتحدث بمنطق القوة وخوض "حروب صليبية" ـ حسب تعبير أجد زعمائهم ـ لا حدود لها، إنهم على يقين بأنهم يرتكبون الجرائم تلو الجرائم وإلا لماذا قاوموا ورفضوا الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في تطبيق واضح لمبدأ ابن الست وابن الجارية الذي يجسّد العدالة وحكم القانون في المفهوم المعاصر لأدعياء الحضارة.

كيف يمكن أن يمثلوا قيم الخير مع ذلك الاستغلال البشع لموارد العالم ووضع اليد عليها، وحرمان الآخرين منها، في الوقت الذي يموت فيه الأطفال في بقاع كثيرة من سوء التغذية والجوع وانتشار الأوبئة. لقد كان عليهم أن يتعلموا من الانتقادات التي وجهت إلى المالتوسية، ولكن عوضاً عن ذلك أظنهم اعتبروا مالتوس أحد منظريهم، ونظرياته جزءاً من تراثهم الفكري. وينسحب الموضوع على البيئة ورفض الانضمام إلى معاهدة "كيوتو" أو التطبيق الكاذب لها، فهم الملّوث الأكبر الذي يصيب بالضرر الجسيم البيئة وما يمكن أن ينجم عن ذلك من تبدلات مناخية وأوبئة وأمراض، لكن هذا ليس مهماً ما دام قانون الربح هو الأساس والضحايا من أبناء العالم الثالث، وهنا التجسيد الواضح للمساواة بين البشر وفق منطق حضاريي القرن الحادي والعشرين.

أما فيما يتعلق بحقوق الإنسان والتي تمثل رأس الحربة في حروب "العالم المتحضر" فحدّث ولا حرج عن مواقفهم سواء ما يتعلق بالقمع اليومي للفلسطينيين، والمجازر التي ارتكبت في لبنان، والممارسات الفاضحة في سجن أبو غريب ومعتقل غوانتانامو، وانتهاك قداسة الموت وحرمة الموتى الذي شهدناه في بغداد صبيحة عيد الأضحى المبارك.

إن ما نشهده اليوم ليس صراع حضارات لأن مثل هذه السياسات بعيدة كل البعد عن أي مفهوم حضاري بل هي الهمجية بحد ذاتها، وإن سيادة هذه المفاهيم ووصولها إلى قمة السلطة في بعض "الدول المتقدمة" دليل أزمة أخلاقية في المقام الأول تعاني منها هذه المجتمعات، وإلا بماذا نفسّر هذا الرواج في فن التبصير وازدهار مهنة المنجمين والمتنبئين إن لم يكن تعبيراً عن فراغ روحي نتيجة المادية المفرطة والمجتمع الاستهلاكي، والذي أدى إلى انقلاب القيم وفي أحيان كثيرة إلى غيابها كلياً. وسنكتفي بذلك دون الحديث عن تفكك العائلة، وزواج المثليين ورواج المخدرات والمهدئات.

هذا هو العالم المتحضر الذي يبشرنا به حضاريو الألفية الثالثة، العالم الذي يمشي على رأسه بدلاً من قدميه، فهو ليس متحضراً إلا بالاسم، وأتمنى إن كانت هذه هي الحضارة أن نبقى متخلفين حتى لا نصل إلى هذه الدرجة من البؤس الأخلاقي، وأن نحافظ على ما تبقى لدينا من قيم، لأنها هي الأساس للارتقاء الحقيقي وليس للصعود الواهي نحو الهاوية.

لقد حضرت منذ أسابيع قليلة مأتماً لشقيق أحد المسؤولين في بلدنا، ليس لموقعه في السلطة، ولكن لأنه صديق غالٍ وعزيز، وأُسِرتُ بروح التضامن الاجتماعي التي عبّر عنها أبناء قريته في مصابه، هذا بعض من قيمنا وهذه هي حقيقتنا فلنحافظ عليها مقابل التطور الزائف والتخلف القيمي المريع. وإنه من الصعوبة بمكان أن يعيش العالم بسلام وأمن ووئام في ظل هذه العقلية، الأمر الذي يفرض مراجعة عميقة على كافة الصعد تجنباً للضياع وللمزيد من المآسي والحروب. في أحد المرات أنّب أحد الأشخاص شخصاً آخر واصفاً إياه بالأعمى، فقال له أحد الموجودين كيف تنعته بالأعمى وهو ليس بالكفيف، فأجابه : العمى عمى البصيرة وليس عمى البصر، وربما هنا تكمن أزمة "العالم المتحضر" والتي نتمنى ألا نبلغها، لأننا نريد أن نتطلع إلى المستقبل لا أن نعود إلى عصور الانحطاط.


"شام برس"