أفغانستان في ظلال العراق/ كاظم محمد

من غيرالخافي على احد من المتابعين والمحللين وفطاحلة الفكر والسياسة الغربيين ، التأثيرات والتداعيات التي افرزتها سياسة الادارة الامريكية ، وطبيعة نهجها الذي يمثل عقيدة رأس المال ، المستعد للدوس على القيم والشرعية والقانون وحقوق الانسان ، لنيل واشباع جشعه ونهمه في السيطرة والاستغلال .
أن هذه التاثيرات والتداعيات ، وما اعقبها من تراكم المتغيرات المنظورة وغير المنظورة التي طرأت على الساحة الدولية خلال السنوت الاخيرة ، اكدت عدم القبول بالتجاوزات والصلف ، الذي اشاع اجواء من التوتر وعدم الاستقرارفي مناخ العلاقات الدولية ، نتيجة للأنتهاكات الصارخة لقواعد الأمن والسلم العالمي ، والاستهتار بكل الاعراف وحقوق الشعوب وسيادة بلدانها .
لقد أكد النهج الذي اختطتهُ ادارة البيت الابيض ، السلوك العصبوي ، المندفع بصبيانية منفلتة لا حدود لها ، لتكريس خصائصه السياسية والاقتصادية والعسكرية ، وفي محاولة لفرض توجهات القطب الواحد وما تمثله ادارته السياسية ، من مصالح لشركات العولمة الوحشية ، في كل ميادين السياسة الدولية ومنظماتها ، وعلى جميع المحاور الأقليمية وانظمتها ، لتكون تابعآ وخادمآ لأهداف سياساتها .
كان لهذا الأختلال الصارخ عالميآ ، لصالح نهج المحافظين الجدد ، قد ترك اثره الواسع على المناخ الدولي وعلى السياسات الاقتصادية والامنية للكثير من البلدان ، وخلق نوع من التبعية العمياء لبعض الدول ، وادى الى ان تطأطأ بعض الدول رأسها للعاصفة ، واخرى تنتظر انهاك الوحش الامريكي في مغامراته العسكرية ، وغوصه اكثر في وحل الاوطان المحتلة ، وشعوبآ بدأت تتململ واخرى تمانع وثالثة تقاوم وتعيق وتمنع مخططات المحافظين الجدد في الاستقرار والتوسع وتفشل متغيرات تكتيكاتها المأزومة .

كان ولايزال غزو العراق واحتلاله من قبل امريكا وحليفتها التابع بريطانيا ، قبل اكثر من ثلاث سنوات ونصف ، وما تبعه من تدمير وتحطيم دولة عضو في الامم المتحدة ومن المؤسسين لها ، محل خلاف سياسي وقانوني دولي ، وهو إذ يؤشر الى تجاوز الولايات المتحدة الامريكية لكل القوانين الدولية ومنظمة الامم المتحدة ومجلس امنها ، فأنه يؤكد قانون شريعة الغاب الذي فرضته هذه الدولة ، وعلى ضوء مبررات كاذبة وملفقة ، اعترفت نفسها واقطابها بعدم صحتها .
لقد فتحت هذه الحرب باب الاختلافات والتناقضات بين امريكا والكثير من دول العالم ، وخاصة بعض الدول الاوربية وروسيا والصين ، لكنها بطبيعة الحال لم تخرج عن سقف الظرف الدولي الجديد ، الذي يحدد من فعالية هذه الاختلافات والتناقضات في ان تصل الى منع العدوان والغزو وصد الاندفاع الامريكي من احتلال بلد اخر .
ان هذه الاختلافات اخذت مداها في التنسيق بين بعض الدول المختلفة مع ادارة بوش ، في كيفية ادارة الازمة ، فكان التنسيق الفرنسي الالماني الروسي لمنع الحرب ، ثم رفض العديد من دول الناتو المساهمة والاشتراك في هذه الحرب ، وهذا ما اقلق الادارة الامريكية بأمتداد الخلاف الى اروقة الحلف العسكري ، فأستعانت بجيوش من دول اوربا الشرقية ، وكذلك باعداد رمزية من بعض دول امريكا اللاتينية ، بعد ان تكفلت بدفع تكاليف هذه القوات ، لتكتمل صورة الحشد العالمي الذي تريده للاستهلاك الداخلي ، حيث لم يمضي وقت طويل حتى انسحبت اسبانيا من العراق وتبعتها ايطاليا واوكرانيا ، وهكذا فان تعمق خلافات الحلف وبعض الدول الاوربية بسبب الحرب وغزو العراق ، قد اخذ مداه المقلق لهذه الادارة ، وهذا ما تجسد مؤخرآ في قمة ( ريغا) لدول حلف شمال الاطلسي .
في هذه القمة طرحت الولايات المتحدة الامريكية همومها ، وما يقلقها من تدهور الاوضاع في افغانستان والعراق ، حيث طالبت امريكا دول الحلف بزيادة اعداد جنودها ، ودعمها لأفغانستان لللأستمرار في محاربة طالبان والقاعدة ولترسيخ (العملية الديمقراطية ) واعادة البناء ، ولم تفلح الجهود الامريكية في الحصول على التزامات كبيرة من اعضاء الحلف ، رغم ان بعض الدول التي عرضت زيادة عدد قواتها ، قد حددتها بطبيعة المهام غير القتالية التي سيقومون بها ، وهي المهام التي تقوم بها اغلب قوات الايساف في افغانستان ، عدا القوات الامريكية والبريطانية والكندية والبولونية ، والتي تقوم بالمهام القتالية الرئيسية .

اليوم يقف الناتو امام مشكلة كبيرة ، بعد اجتماع ريغا ، خاصة وان الدول الاوربية مختلفة بسبب غزو العراق ، ولا توجد ارادة سياسية للمساهمة والتأثير في العراق او في افغانستان ، اضافة الى ان الضوابط والقوانين الداخلية لبعض الدول الاوربية التي تحدد استخدام قواتها العسكرية .
ورغم ان هذه القمة نجحت في تليين وتغيير بعض المواقف لجهة تجميد هذه الضوابط لتفسح المجال لمساهمة اكبر في مساعدة الحلفاء في هذه الظروف الحرجة في افغانستان ، إلا ان نجاحها ليس ذو قيمة امام متطلبات التحديات التي تواجهها وتنتظرها في المدى القريب ، حيث ان استعادة طالبان لقدراتها وتوسع عملياتها العسكرية وازدياد الخسائر البشرية لقوات الحلف وخاصة الكندية والامريكية والبريطانية ، وسقوط اغلب المناطق من جديد بيد طالبان وحلفائهم ، والذي استدعى من بعض قوى الدول المشاركة في الايساف بعقد اتفاقات محلية مع قادة طالبان ورؤساء القبائل في بعض المناطق الخاضعة لطالبان ، تقضي بعدم الاعتداء ، وهذا ما ينطبق على حكومة كرازاي الذي بدأ يستجدي المصالحة .
لقد برز القلق الفرنسي واضحآ خلال قمة ريغا من محاولات الولايات المتحدة في السيطرة وتسيير امور الحلف بما يخدم مصالحها ، وابدت فرنسا انزعاجها من التعاون العسكري الواسع مع استراليا ونيوزيلندا واليابان ، ومن طموحات الناتو في شرق اسيا ، كونها ستؤدي الى زيادة التوتر مع الصين ، اضافة لمعارضة بعض الدول لأندفاع الولايات المتحدة تجاه بعض دول الاتحاد السوفيتي السابقة واشراكها بكافة النشاطات العسكرية ، رغم حساسية روسيا ومراقبتها لمثل هذه التوجهات والتي تحفز الحذر والشكوك الروسية على امنها القومي .

أن تعاظم المشكلة التي تواجه الناتو في افغانستان ، حيث حكومة كرازاي الضعيفة واقتصاد يتراجع ويعتمد اكثر فاكثر على تجارة المخدرات ، اضافة الى ازدياد قوة وفعالية طالبان ، الذي اصبح يشكل مع حلفائه المحليين تهديدآ جديآ هناك لقوات
الناتو ، وامسى من الصعب على حلف الناتو خلق الاستقرار المطلوب ، هي ليست مشكلة عسكرية فقط ، بل هي مشكلة سياسية تتعلق بغياب الارادة والقرارلأعضاء الحلف الاوربيين ، الذين يرون في مسببات وجودهم العسكري هناك مرتبط بسياسة خاطئة فرضتها ادارة البيت الابيض هناك ، والتي تبعتها بخطوة غزو العراق واحتلاله ، وما استهلكه هذا البلد من المجهود الحربي الامريكي ومن الاموال الطائلة التي صرفت ومن الخسائر العسكرية الكبيرة التي اصابت المحتلين .

والاهم هوان تداعيات هذا الغزو ونتائجه اضعفت فرص الانجرار الاوربي وراء المطالب الامريكية ، وخلقت رأيآ عامآ يضغط على حكوماتها باتجاه مضاد للحرب ، ودعوات متواصلة لسحب قوات بلدانهم من العراق وافغانستان .
لقد كتب البرفسور (يوسف ني) الاستاذ بجامعة هارفارد في مقال نشر في جريدة داكنز نيهتر السويدية " اصبح العراق يستنفذ كل الاوكسجين الضروري في التفكير السياسي للادارة الامريكية في واشنطن... " ، واضاف " ان على الدول الاوربية ان تنتهج نهجا مغايرا عن السياسة الامريكية ، يسمح باستعادة الشرعية الدولية لدورها الحقيقي بانهاء الازمات الدولية وينقذ الناتو من فشل كبير في افغانستان ".
ان تلمس الحكومات الاوربية لنتائج الفوضى التي خلقتها السياسة الامريكية وانجرار بعضهم الاعمى ورائها ، بدأ يعكس نفسه في التصريحات وبعض المواقف التي لا زالت لم ترتقي بعد لحجم الانخراط الاوربي المستقل في تكريس شرعية دولية حقيقة ، بمعزل عن امريكا ودورها الدولي في افغانستان والعراق وفلسطين .
فعندما يصرح رئيس الوزراء الاسباني السابق (اثنار) في لقاءه مع صحيفة ( استبريا ديختال) ، وهو من المتشددين في دعم بوش في حربه على العراق ، حيث يقول " اننا انسقنا الى حرب العراق ، وان المعلومات حول اسلحة الدمار الشامل كاذبة ومزيفة ... " واضاف " ان قرار رئيس الوزراء الحالي بسحب القوات الاسبانية كان متوازنآ ..." ، فهو بذلك يعكس التغير والتبدل في طبيعة النظرة لبعض القادة الاوربيين حول ما يجري في الساحة الدولية ، وهذا ما يتطابق مع مواقف الايطاليين والفرنسيين والسويديين في المواقف المغايرة للولايات المتحدة في قضية الغزو الاثيوبي للصومال وقضية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية واهمالهم لدعوة عباس في الانتخابات المبكرة التي تحمست لها كل من امريكا وبريطانيا واسرائيل .
ان عمق المازق الامريكي في العراق يلقي بظلاله على المشهد الافغاني ، ويدفع بهذا الشكل وذاك لفشل محدق بنشاط الناتو في افغانستان الى جانب القوات الامريكية والبريطانية ، يمكن تداركه على اساس من تجاوز سياسة ادارة بوش الحالية في الحرب والاحتلال ، وان تاخذ الدول الاوربية الفاعلة في حلف الناتو دورها ومسؤوليتها الاممية الى جانب الامم المتحدة في انهاء الاحتلال والقتل والتدمير ، وتفعيل المساهمة الدولية في المساعدة في تشكيل الاطر والصياغات لمستقبل انظمة تحترمها شعوبها وتعبرعن ارادتها ، بعيدأ عن نماذج كرازاي افغانستان وكرازايات العراق .













ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018